Lazyload image ...
2012-06-21

صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 21 مايو/ أيار 1997 على «اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية للأغراض غير الملاحية» بأغلبية 104 دول، وعارضتها ثلاث دول، هي: تركيا والصين وبوروندي، وامتناع 26 دولة عن التصويت. هذه الاتفاقية المهمة تعدّ أكبر انتصار وسند قانوني دولي للعراق في معركة الدفاع عن حقوقه في نهري دجلة والفرات وروافدهما، مثلما هي انتصار لسوريا أيضاً في المعركة ذاتها

صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 21 مايو/ أيار 1997 على «اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية للأغراض غير الملاحية» بأغلبية 104 دول، وعارضتها ثلاث دول، هي: تركيا والصين وبوروندي، وامتناع 26 دولة عن التصويت. هذه الاتفاقية المهمة تعدّ أكبر انتصار وسند قانوني دولي للعراق في معركة الدفاع عن حقوقه في نهري دجلة والفرات وروافدهما، مثلما هي انتصار لسوريا أيضاً في المعركة ذاتها ـــ نتحدث هنا عن سوريا الدولة والبلاد، لا عن النظام الحاكم ـــ لأنّها تنهي إلى الأبد، وبشكل قانوني، التعريف التركي للرافدين دجلة والفرات، والذي ينص على أنّهما نهران تركيان عابران للحدود وليسا نهرين دوليين.

وعلى هذا، فتركيا تعتبر المياه التي تتركها تصل إلى سوريا والعراق نوعاً من الصدقة والإحسان والتضحية العظمى. لا بل إنّ وزيراً تركياً، هو محمد جولهان، قال قبل بضعة أعوام إنّ «تركيا قد تطلب من سوريا دفع قيمة المياه المتروكة لها من نهر الفرات». ولا ندري إنْ كان الوزير جولهان سيكتفي بإرغام سوريا والعراق على دفع ثمن مياه الفرات منذ بدايات التاريخ البشري، أم أنّه سيكتفي بقبول ثمنها منذ الفترة التي وصل فيها أجداده من عشائر «الغز» التركية المهاجرة في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي إلى آسيا الصغرى أو ما كان يعرف بأرض الروم «أرضروملي»، قادمين من موطنهم الأصلي في هضبة منغوليا شمال الصين، وبعد أربعة آلاف عام على إطلاق العراقيين القدماء من آكاديين وآراميين اسم الفرات «بوراتن» على النهر وشق الرواضع والقنوات منه وإنشاء الجسور والخزانات عليه.

بعد المصادقة على هذه الاتفاقية واعتمادها من قبل الغالبية، وضعت في مقر الجمعية العامة لتصادق عليها الدول الأعضاء فردياً، إذْ ينص النظام الداخلي للمنظمة الأممية على أنّ أيّة اتفاقية تتحوّل إلى قانون دولي ملزم لجميع الدول الأعضاء، بعد أن تصادق عليها خمس وثلاثون دولة. المؤسف، والباعث على الشعور بالإحباط، هو أنّ عدد الدول التي صادقت على الاتفاقية حتى الثامن من حزيران 2006، لم يتجاوز 14 دولة. وهي ما تزال تنتظر التوقيع عليها بالمصادقة من قبل 21 دولة. فلماذا حدث هذا التأخير، ومن يتحمل مسؤوليته؟ وهل قامت وزارة الخارجية العراقية وجارتها السورية بواجبهما نحو هذا الشأن الخطير؟ قبل استشراف الإجابة، لنلقِ نظرة أولاً على هذه الاتفاقية، وكيف ولدت ولماذا تعتبر انتصاراً كبيراً للعراق وسوريا؟

في 1971، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً أوصت بموجبه بمباشرة لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة دراسة وضع إطار قانون دولي يخص استخدام المجاري المائية الدولية للأغراض غير الملاحية، ولا سيما أنّ المشاكل حول المياه الدولية أخذت تتصاعد دون وجود قانون دولي واضح بهذا الشأن. وفي 1976 وضعت اللجنة المكلفة الصيغة الأخيرة لمشروع القانون، وعند تقديمه للقراءة الأولى اعترضت عليه مجموعة من الدول. ولدراسة طلبات التعديل والحذف والتحفظات، قررت اللجنة الاستمرار في أعمالها للوصول إلى نتيجة يتفق عليها المجتمع الدولي.

وبعد القراءة الثانية في 1994، قدم عدد من الدول مرة أخرى اعتراضات واقتراحات بالتعديل أو حذف أو إضافة لبعض المواد، أو تعديلات للصيغ. واستناداً إلى تقرير لجنة الصياغة، اعتمدت لجنة القانون الدولي النص النهائي للاتفاقية.

كان موقف تركيا في اجتماعات اللجنة موقفَ التحفظ والاعتراض دائماً، حتى إذا كان دون مضمون وبقصد العرقلة ليس إلا. ومن هذا القبيل ما صرح به ممثلها في إحدى الجلسات، إذ قال إنّ تركيا «ترى أنّ سيادة الدولة على مواردها الطبيعية، بما في ذلك المياه، لم يؤخذ به بالقدر الكافي من الاعتبار وهي تؤيد قصر تطبيق القانون الجديد على المياه السطحية دون المياه الجوفية».

إنّ ست دول عربية فقط صادقت على الاتفاقية، علماً بأنّ جميع موادها لصالح العراق وسوريا، وحتى لدول عربية يقع جزء من أراضيها ومياهها الجوفية في حوض الفرات، كالمملكة العربية السعودية، ويمكنها الاستفادة من الاتفاقية. وهناك دول عربية لن تترتب عليها أية التزامات أو يلحق بها أي ضرر إذا صادقت عليها. يستنتج الباحث العراقي فؤاد قاسم الأمير في كتابه «الموازنة المائية العراقية وأزمة المياه في العالم»، (ص 267) أنّ «على العراق وسوريا العمل لجمع العدد اللازم من الدول للمصادقة على الاتفاقية لكي تكون قانوناً دولياً يمكن اللجوء إليه في النزاع الحالي على المياه مع تركيا وإيران، رغم أنّ هاتين الدولتين لم تصادقا عليها، وفي الواقع فإنّ تركيا رفضت الاتفاقية أصلاً. إنّ العمل لإقناع الدول المختلفة التي وافقت على الاتفاقية في عام 1997 بوجوب تصديقها عليها، يجب أن يكون جزءاً مهماً من العمل الدبلوماسي لوزارة الخارجية العراقية».

من المواد المهمة في هذه الاتفاقية يمكن تسليط الضوء على تعريفها «المجرى المائي» بأنّه «شبكة المياه السطحية والمياه الجوفية التي تشكل، بحكم علاقتها الطبيعية بعضها ببعض، كلاً واحداً». أما «المجرى المائي الدولي» فهو «أي مجرى مائي تقع أجزاؤه في دول مختلفة». وهذه التعريفات تقترب كثيراً من تأكيد وضمان حقوق العراق في مياه النهرين وروافدهما. أما الفقرة الأولى من المادة 5 فقررت أن «تنتفع دول المجرى المائي، كل في إقليمها، بالمجرى المائي الدولي بطريقة منصفة ومعقولة. وبصورة خاصة تستخدم هذه الدول المجرى المائي وتنميه بغية الانتفاع به بصورة مثلى ومستدامة والحصول على فوائد منه، مع مراعاة مصالح دول المجرى المائي المعنية». أما الفقرة الثانية فزادت الأمر وضوحاً حين نصّت على أن «تشارك دول المجرى المائي في استخدام المجرى المائي الدولي وتنميته وحمايته بطريقة منصفة ومعقولة، وتشمل هذه المشاركة حق الانتفاع بالمجرى المائي». وقبل هذا القانون، كانت معاهدة باريس لسنة 1814 قد أشارت الى النهر الدولي وكان يقصد به «النهر الذي يفصل أو يخترق إقليم دولتين أو أكثر ويكون صالحاً للملاحة». وتكرر هذا التعريف في الوثيقة النهائية لمؤتمر فيينا لسنة 1815، بمعنى أنّ هناك أنهاراً دولية تشكل الحدود بين دولتين وأكثر. وقد استمر هذا التعريف الذي يشترط صلاحية الملاحة سارياً، حتى إن محكمة العدل الدولية اعتمدته في إصدار حكمها في منازعة نهرية عرضت عليها سنة 1929، واعتبرت النهر الدولي المجرى الصالح للملاحة، واشترطت ثلاث خصائص كي تنطبق عليه صفة الدولية وهي صلاحيته للملاحة، واتصاله ببحر، وأن يهم ذلك الاتصال أكثر من دولة.

أما حوض النهر فقد عرّفه القانون الدولي الجديد بأنّه يشمل الوحدة الجغرافية والطبيعية التي تكون مياه النهر الواقع في عدة دول ولها تأثيرها في تحديد نوعية وكمية المياه ومن حيث التحكم والسيطرة على جريان المياه وفي طبيعة نظامها، بغض النظر عن حجم هذه المياه أو قربها أو بعدها عن الحدود الدولية المرسومة.

بالعودة إلى الموقف التركي الرافض لهذه الاتفاقية الدولية، نرى أنّ تركيا برفضها هذا تكون قد وضعت نفسها خارج ما يسميه حلفاؤها الغربيون «الشرعية الدولية» و«المجتمع الدولي»، فالاتفاقية أصبحت أحد مصادر القانون الدولي. يمكننا أن نفهم ببساطة العنجهية التركية واعتبار الرافدين نهرين تركيين، أما الذي لا نفهمه إطلاقاً، فهو الإهمال والتراخي القريبان من التواطؤ العلني الذي تبديه الحكومات العراقية منذ أن بدأ الخطر يداهم دجلة والفرات في عهد الحكم الشمولي البعثي، وحتى قيام حكم المحاصصة الطائفية! لماذا تتردد الحكومة العراقية مثلاً في إرسال لجان فنية برفقة خبراء متخصصين من الأمم المتحدة إلى الحدود التركية السورية، والسورية العراقية لحساب كميات، ومراقبة نوعية المياه عند الحدود الدولية مع سوريا، لتوثيق تفاصيل الكارثة، علماً بأنّ تركيا سبق أن وافقت على ذلك؟ ولماذا تتردد في رفع دعوى قضائية إلى محكمة العدل الدولية تطالب فيها بإطلاق المياه العراقية وبالتعويض على العراق من تركيا وإيران لكل ما حلّ بالعراق من تصحر وتلوث وجفاف، أو على الأقل تستشرف إمكانية كهذه لرفع الدعوى، رغم أنّنا ندرك أن طريق التحكيم والتقاضي الدولي ليس سهلاً. فما دام العراق يهدر ثروته المائية بشكل مريع، فيما تعاني مناطق شاسعة منه من العطش والجفاف ويهمل مشاريعه وبنيته التحتية الخاصة بها ويواصل تقاليد الزراعة والإرواء البدائية دون أدنى تحديث، فسيكون بعيداً عن الفوز بحكم دولي لصالحه، حتى وإن كانت كل القوانين الدولية لصالحه نظرياً!

وأخيراً، ما الذي فعلته الحكومة العراقية ووزارة خارجيتها لحثّ الدول الأخرى، وفي مقدمها الدول العربية، وخصوصاً أن العراق اليوم هو دولة رئاسة مؤتمر القمة العربية، على التوقيع على الاتفاقية الدولية موضوع الحديث؟ هل من الصعب حقاً أن تتحرك الخارجية العراقية بالتنسيق مع جارتها السورية وتتصل بالدول العربية وغير العربية لتصادق على الاتفاقية المذكورة وتحوّلها إلى قانون دولي ملزم، علماً بأنّ هذا يعني إنْ تحقق، أنّ أكثر من نصف معركة الدفاع عن الرافدين قد حسمت لصالح العراق وسوريا؟

إن استمرار الوضع على ما هو عليه وبقاء الاتفاقية دون مصادقات سيعني أنّ الأمر قد تجاوز احتمال تقصير الدبلوماسية العراقية والعربية، ودخل فعلاً في باب التواطؤ مع تركيا الأطلسية ضد المصالح الحيوية للشعبين العراقي والسوري.

علاء اللامي

الأخبار اللبنانية

21 يونيو 2012