Lazyload image ...
2013-07-18

الكومبس – مقالات الرأي: ظننت أني أطفو وسط نهر من الأزهار البرية. كنت في سكانسن، متحف استوكهولم الشعبي وحديقة حيواناتها في الهواء الطلق.

الكومبس – مقالات الرأي: ظننت أني أطفو وسط نهر من الأزهار البرية. كنت في سكانسن، متحف استوكهولم الشعبي وحديقة حيواناتها في الهواء الطلق. كانت الرؤوس المتأرجحة (التي تزين الكثير منها بأكاليل الأزهار المقطوفة حديثاً) تمرّ من حولي عابرة الشوارع المرصوفة بالحصى. كنا في طريقنا إلى منطقة معشوشبة لنحتفل بانتصاف فصل الصيف، حين يغني السويديون ويرقصون حول الأعمدة المزخرفة، يتزينون بالأزهار، ويحتفلون في طقس الصيف الجميل

قرب المنطقة حيث انتصب العمود، الذي يشكّل فعليّاً وسط الحفلة التي تُقام كل سنة نحو أواخر شهر يونيو في السويد، لاحظت رجلاً غزا الشيب رأسه كان يتسلق تلة. حمل الرجل تحت إحدى ذراعيه العلم السويدي بلونية الأصفر والأزرق الزاهي، فيما تدلت من يده الأخرى سلة طعام مصنوعة من القصب. وإلى جانبه كانت تسير امرأة ترتدي سترة حمراء زاهية وتنورة طويلة داكنة اللون. وقد غطت شعرها بوشاح أبيض منشّى. من حولهما رأيت مجموعات المحتفلين وهم منهمكون في أنواع مختلفة من المتعة.

لم تسلم أي رقعة من العشب من خطى الناس، الذين تجمعوا لقطف الأزهار، تناول الطعام، أو الاستمتاع بكل بساطة بأشعة الشمس المنعشة في سكانسن. تمتد المنطقة على مساحة 30 هكتاراً تقريباً وتضم 150 منزلاً تاريخيّاً ومتجراً وكنيسة تمثّل مختلفة الثقافة في السويد.

سعى كثير من المحتفلين، رجالاً ونساءً، شيباً وشباناً، إلى جمع الأزهار، سوق النبات الطويلة، والقضبان الطرية، التي حاكوا منها تيجان منتصف الصيف. لم يستطع أي أحد أن يقاوم سحر الاحتفال، فهو أحد أكبر التجمعات السويدية في فصل الصيف.

فلكلور

قدمت إلى السويد لأختبر التقاليد القديمة، وأستمتع بالاحتفال الجماعي الكبير. يُقام الأخير يوم الانقلاب الصيفي، أي في النهار الأطول من السنة. صحيح أن دولاً كثيرة تحتفل بالانقلاب، إلا أن السويد، التي تعاني فصل شتاء قاسياً، ترحّب بالصيف، حين تغيب الشمس قرابة منتصف الليل، بفرح عظيم. خُيّل إليّ أن استوكهولم كلها تتجمع حول العمود. فانهمك بعضهم في تناول الطعام في هذه النزهة التقليدية، تلذذوا بالبطاطا وسمك الرنكة المخلل، الكريما الحامضة، الثوم المعمر، والبيض المسلوق المزين بالكافيار، فضلاً عن الفراولة.

ولكن قبل بدء الحفلة، كان من الضروري تزيين العمود الطويل الذي يتوسط الباحة. عمدت شابات يرتدين ملابس فولكلورية زاهية، وكانت كثيرات منهن قد صففن شعرهن على شكل ضفائر، إلى تغطية العمود بالنبات الأخضر والأكاليل وأزهار الأقحوان. ثم أتى ثمانية أو عشرة شبان سويديين، يرتدون قمصاناً بيضاء فضفاضة وسترات وسراويل قصيرة. تجمعوا عند رأس العمود الثقيل، الذي يبلغ طوله نحو 12 متراً، وزرعوا تحته أعمدة أصغر لتدعيمه فيما راح يرتفع تدريجاً نحو السماء. وبعد 10 دقائق من العمل الدقيق المضني، وقف العمود منتصباً، وهو يلمع بلونه الأخضر تحت أشعة الشمس الساطعة.

انحنى الرجال، فعلا التصفيق لتليه الموسيقى والرقص. أحاط بالعمود أولاً راقصون بملابس فولكلورية. ولكن بعد أغنيتين أو ثلاث، امتلأت باحة الرقص بحشد كبير، فتشابكت الأيدي وراحت الحلاقات تدور حول العمود. كنت في مكان ما وسط الحلقات الأمامية، ورحت أبتسم مع رفاقي الراقصين فيما صدحت الضحكات والأهازيج.

لاحظت أن الجميع أمامي يبتسمون، فيما خالفهم الشعور صبي متجهم يرتدي قميصاً قطنيّاً وقد تحلقت حوله مجموعة من المراهقات اللواتي رحن يقهقهن. كان شعرهن مزينّاً بأعداد كبيرة من الأزهار البرية التي قُطفت حديثاً. في الجوار رأيت فتاة صغيرة تمسك بيد راقص صغير آخر. ولفتت نظري عشرة أرقام مدونة بالحبر على ذراعها. ما هي هذه إلا رقم هاتف والدَيها، وقد تعمدا كتابته على ذراعها في حال جرفتها الحشود وضاعت وسطها. وقد يحدث أمر مماثل حين يتدفق الآلاف للرقص على أغنية «رقصة الضفدع» (små grodorna) المرحة.

بعد بضعة أيام، استقللت وزوجتي عبارة طوال ثلاث ساعات، متوجهَين من بلدة في محيط استوكهولم إلى جزيرة غوتلاند. فأطلت علينا أبراج كنائس من القرون الوسطى، فيما اقترب مركبنا من مرفأ مدينة فيسبي، التي يعتبرها كثيرون أفضل مدينة تعود إلى القرون الوسطى ما زالت محافظة على أصالتها في كل شبه جزيرة اسكندينافيا، فضلاً عن أنها موقع سابق من مواقع الفايكنغ.

عندما ترجلنا من المركب، رحنا نطوف حول سور دائري يعود إلى القرن الثالث عشر. وقد نبتت في تجاويف حجارته القديمة براعم أزهار صفراء كانت ترحّب بالصيف.

تشكيلات صخرية

في اليوم التالي، استأجرنا في فيسبي سيارة «أودي» قديمة صُنعت في ثمانينيات القرن الماضي. واستقللنا عبارة مخصصة للسيارات في رحلة قصيرة إلى جزيرة صغيرة قريبة تُدعى فارو. تتمتع الجزيرة بشهرة واسعة، إنما لا يقصدها سويديون كثر خلال مغامراتهم الصيفية. رافقنا مجموعة صغيرة من السياح إلى الشواطئ الصخرية التي كانت تلعب فيها الرياح. وفيما رحنا نتجول قليلاً، لفتت نظرنا تشكيلات صخرية غريبة بارزة تخالها للوهلة الأولى بعض تماثيل جياكومتي الضخمة. لكنها في الواقع من صنع عوامل التأكل على مر العصور. بعد أن اكتفينا من الشاطئ، ركبنا سيارتنا ورحنا نجتاز مساحات مسطحة يكسوها النبات.

يضل زوار كثر الطريق خلال بحثهم عن منزل إنغمار برغمان (يحمي سكان الجزيرة خصوصية صانع الأفلام هذا، فيعطون الزوار توجيهات غامضة وخاطئة). أما نحن فضللنا طريقنا خلال جولة صغيرة، حين سلكنا الدرب الخطأ. فوصلنا إلى محمية طيور.

كان فتحة سطح الأودي، التي تعمل يدويّاً، مفتوحةً. فجأة، جذب أنظارنا نحو السماء دفق من الأجنحة البيضاء. لكن أحد طيور خطاف البحر القطبي انزع من تطفلنا، فحاول نقرنا عبر فتحة السطح. فراح يزعق ويندفع نحونا المرة تلو الأخرى إلى أن ابتعدنا عن الأعشاش.

لا شك في أن دفاع الطائر المستميت بدا بعيداً جدّاً عن السعادة والمرح اللذين رأيناهما بين السويديين. إلا أنه كان يحمي صغاره ليس إلا. وهذا بالتأكيد علامة مميزة أخرى من علامات الصيف الدافئ والمنعش في السويد..

ديفيد جولز – الجريدة