Lazyload image ...
2015-03-25

الكومبس – الغلاف: كشفت الأزمة الدبلوماسية الحالية بين المملكة العربية السعودية والسويد، عن أهمية التواصل الثقافي بين الشعوب للتعرف أكثر على الآخر، فلا يكفي أن يكون هناك اهتمامات اقتصادية فقط بين الدول، حتى إذا تحولت هذه الاهتمامات إلى اتفاقيات تعاون مجزية على المستوى التجاري والعسكري أو الاستثماري.

التعرف على ثقافة الآخر وتفهم خصوصياته الاجتماعية والفكرية، من خلال الاطلاع على الحقائق التاريخية ومتابعة ما ينتجه حاليا ضمن المجالات الأدبية والفكرية والفنية وغيرها، يسهل ويساعد على تقوية بقية الجوانب ذات الطابع الاقتصادي ويضمن استمرارية العلاقات السياسية المبنية على الاحترام المتبادل.

ومع أن الخلاف بين السعودية والسويد الذي بدأ يتسع ويكبر بعد أن تدحرجت عجلته ككرة الثلج، هو خلاف بين حكومتين لدولتين مستقلتين، إلا أن له أيضا جوانب قد تمتد إلى طبيعة الاختلاف بين الثقافات.

الاختلاف، وهو شيء واقعي، بل ضروري ومنطقي في الطبيعة البشرية، ظهر بين البلدين حول تفسير مفاهيم عديدة منها، الانتقاد السويدي للقضاء في السعودية ولطريقة تنفيذ الأحكام فيها، هذا الانتقاد وصفته الرياض بالتدخل السافر بالشأن الداخلي، واعتبرت ربط هذا “التدخل” بمسائل حقوق الإنسان أكثر من تصريح “ساذج” لوزيرة تماهت بين مسؤوليات منصبها السياسي الحالي وبين مبادئ موقعها كناشطة نسوية في السابق.

الاختلاف، الذي قاد إلى الخلاف، ظهر أيضاً على الجانب الآخر، عندما لم تستطع العربية السعودية تفهم طبيعة حرية الرأي والتعبير على الطريقة السويدية، وأن هذا المفهوم يتحول أحيانا إلى مجرد قيمة تداول في سوق السياسة الداخلية وحتى الخارجية في لعبة الديمقراطية بين الأحزاب المحلية والأوروبية.

ردة الفعل السعودية التي وصفت بـ “المبالغ بها” والتي حشدت ورائها ما حشدت من دول عربية وإسلامية قد تكون أيضا في جزء منها قائمة على الاختلاف في فهم ثقافة الآخر.

ما بين الحرج والاستغلال

باستثناء قلة من الأقلام العربية التي ارادت استغلال الأزمة لصالح التقرب من موقف المملكة السعودية، شعرت العديد من الشخصيات والجمعيات الإسلامية في السويد بالحرج، عندما وضعت تحت خيار تحديد موقفها من الأزمة الحالية بين السعودية والسويد.

اعتبار الأزمة سحابة صيف عابرة، ومحاولة لعب دور الذي يمسك العصى من المنتصف، أو محاولة القيام بدور الوسيط، محاولات لم ترض خاصة الطرف السعودي، لأن أغلب هذه الجمعيات ترتبط بعلاقات وثيقة مع المملكة، التي انتظرت منهم مواقف أكثر حزما في الوقوف معها. ولكن أغلب هذه الشخصيات والقائمين على جمعيات اسلامية هم مواطنون سويديون، وهم يتلقون دعما أيضاً من الحكومة السويدية، وهذا ما أوقع البعض في حرج تحديد موقف “حازم”.

الأزمة وحديث الشارع العربي في السويد

من خلال تتبع التعليقات على الأخبار المرتبطة بالأزمة السعودية السويدية، ومن خلال الأحاديث العامة مع أقطاب وشخصيات من الجاليات العربية هنا، يكاد يكون شبه اجماع على أن السويد لا تستحق كل هذا العقاب السعودي، وأن التصعيد في تأزيم العلاقات بين البلدين، يمكن أن يخلق حالة من الحشد والاصطفاف السلبي وراء المواقف على المستوى الدولي. فيما يذهب البعض إلى إعلان تخوفه من تأثير العقوبات السعودية على الحالة الإيجابية التي نتجت عن اعتراف السويد بفلسطين بين الحكومات والبرلمانات الأوروبية.

هناك أيضا من يتفهم ردة الفعل السعودية، خاصة في هذه المرحلة الحساسة التي تمر بها عدة دول عربية، تعاني من التدخلات بل من التجاوزات الخارجية المباشرة وغير المباشرة على سيادتها.

التصعيد إلى أين؟

لا شك أن الإجراءات السعودية، لم تكن متوقعة من قبل السويد، ولا شك أنها أحدثت تخوفات عديدة لدى الحكومة السويدية، فبيان وزيرة الخارجية مارغوت والستروم المنشور باللغة العربية على موقع الخارجية السويدية، يوحي بالتخوف من حشد إسلامي على المستوى الشعبي والرسمي ضد السويد، ويحاول الرد على تهمة عدم احترام المسلمين والإسلام، لذلك يُذّكر البيان بما فعلته السويد وتفعله من أجل فلسطين، وللجاليات والجمعيات الإسلامية على أراضيها، وأشارت إلى مساهمات المسلمين المهنية والتربوية والبحثية والثقافية والرياضية والسياسية ووصول بعضهم إلى مناصب برلمانية وحكومية ووزارية، وإلى استقبال السويد لآلاف اللاجئين من سوريا والعراق ومناطق أخرى.

من ناحية أخرى حاولت أحزاب المعارضة اثبات “فشل” السياسة الخارجية لحكومة قطبي الحكم الاشتراكيين والخضر.

وفي جلسة استجواب للوزيرة والستروم في البرلمان، أكدت أن السويد تتجه نحو التهدئة، وأن هناك مصالح عديدة تربط بين البلدين، لكنها لم تبد أي إشارة عن نيتها اتخاذ إجراءات للتراجع أو الاعتذار أو الاستقالة، كما يتوقع البعض أو يعتقد أنها ضمن إجراءات حل الأزمة بين البلدين.

استنتاجات من الأزمة

بغض النظر عن السيناريوهات المنتظرة للحل أو للمزيد من التصعيد، تبقى مسألة التواصل الثقافي والحضاري بين الأمم وتفهم واحترام خصوصيات الآخر، هو مفتاح الحل، لأي أزمات مشابهة.

وكما أن هناك خلاصات عديدة يمكن أن تستنتجها السويد، من وراء هذه الأزمة، يوجد أيضا الكثير من وجهات النظر التي يجب أن تنتبه لها الدول العربية اجمالا في عملية بناء جسور العلاقات مع الدول والشعوب الأخرى. فهل يكفي مثلا أن تدعم هذه الدول الجمعيات ذات التوجهات الاسلامية في المجتمعات الغربية؟ وهل يوجد ما يكفي لهذه الدول من مراكز ثقافية أو أدوات إعلامية فاعلة ومؤثرة لتعريف السويدي والأوروبي والأجنبي اجمالا على الثقافات العربية؟

كم سويدي يستطيع أن يعرف أو يقرأ عن الناتج الثقافي اليومي أو التراث الثقافي في أي بلد عربي؟ كم معرض كتاب أو رسم أو أعمال تراثية أو كم نشاط ثقافي او موسيقي أو عربي يقام سنويا في السويد؟ أسئلة الإجابة عليها برسم أكثر من 13 سفارة عربية في ستوكهولم ومن ضمنها السفارة السعودية.

رئيس التحرير د. محمود صالح آغا


المقال الرئيسي لصفحة الغلاف للعدد الاخير من جريدة الكومبس.