Lazyload image ...
2015-04-13

الكومبس – مقالات: تطّورت الأزمة في العلاقات السويدية السعودية سريعا، بعد منع وزيرة خارجية السويد التي كانت ضيف شرف بدعوة من جامعة الدول العربية، من القاء كلمتها في إجتماع الجامعة بالقاهرة يوم 9 آذار الجاري.

لقد سحبت العربية السعودية سفيرها من ستوكهولم، وبعدها أعلنت الحكومة السويدية بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحلفائه من حزب البيئة وحزب اليسار عن وقف التعاون العسكري، وعدم تجديد العقد المبرم بين الدولتين منذ عام 2005، والذي جددته حكومة اليمين قبل خمسة أعوام مضت.

في السويد التي تميزت بعلاقاتها الدولية الواسعة ودورها الدبلوماسي النشط، والتي كانت قد اعلنت إعترافها بدولة فلسطين قبل أشهر، كان لهذه التطورات ردود افعال متباينة وحادة.

بشكل عام يمكن تقسيم أبرز ردود الافعال الى نوعين: الاول والاكثر حدة جاء من الشركات الكبيرة التي تربطها بالسعودية مصالح إقتصادية كبيرة نسبيا، وذات أهمية لأستثمارات وأرباح تللك الشركات. وطبعا لم تتخلف أحزاب اليمين وفي مقدمتها حزب المحافظين الأقرب الى مصالح وتوجهات الشركات في البلد عن إنتقاداتها ومحاولاتها بوضع اللوم في هذه الازمة على وزيرة الخارجية ماركوت فالستروم وحكومتها، بحجة أنها لم تتعامل بدبلوماسية وحكمة، وبأنها لم تأخذ نصائح ووجهات نظر المتنفذين في الاقتصاد السويدي بنظر الإعتبار في تعاملها وتصريحاتها وانتقاداتها للسعودية.

ويبدو أن هذه القوى المتنفذة ذات الصوت العالي لن يكتفوا بهذه الانتقادات وإجراءات برلمانية أخرى طالبت بها ممثلة حزب المحافظين، بل أن ممثلي أكبر الشركات التي لها عقود ومصالح هامة مع السعودية تخطط للسفر الى السعودية للحوار مع الحكومة السعودية ومحاولة معالجة آثار هذه الازمة بما يضمن إستمرار التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، وربما حتى العسكري.

أما النوع الاخر من ردود الافعال هي تلك التي جاءت من حزب البيئة وحزب اليسار والمنظمات والمؤسسات العديدة المهتمة بالديمقراطية وحقوق الانسان والتي تطالب بإستمرار إنهاء التعامل مع الأنظمة الدكتاتورية ولاسيما في المجال العسكري.

فهذه القوى مجتمعة وبمساندة الرأي العام النشط الذي تابع وأهتم كثيرا، في الفترة الاخيرة، بالمظاهر التي تجري في السعودية وغيرها من البلدان التي تقمع كل أشكال الحريات وتعامل النساء بقيم وأساليب القرون الوسطى، وبشكل خاص بعد الحكم على الناشط السعودي رائف بدوي بالسجن والجلد، ثمنت مواقف وزيرة الخارجية وتصريحاتها وانتقاداتها للسعودية التي لم تخرج عن الاطار الدبلوماسي المعهود، وشددت مطالبتها بوقف أي تعاون عسكري مع السعودية وكل الدكتاتوريات الاخرى.

لقد أظهرت هذه الأزمة ، أن ثمة إنقسام جلي واضح بين القوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المجتمع السويدي. أنه تقاطع بين من يضع القيم الديمقراطية والدفاع عن حقوق الانسان وحرية الفكر والرأي والتعبير في الاولوية، وبين من يضع الارباح والاستثمارات والمصالح الاقتصادية في اولوياته.

ولكن ثمة مصالح عليا مشتركة للبلد ستجبر المعسكرين الى التحاور والتفاهم والمساومة. ففي الوقت الذي لا يمكن لبلد مثل السويد، الذي له تاريخ طويل في مواقفه في الدفاع عن الشعوب والحريات والديمقراطية والتي كانت مثار تثمين وإعجاب في عهد اولوف بالمه، أن يقبل منطق العربية السعودية وان يتراجع ويعتذر لانه ينتقد مظاهر إذلال الانسان وقمع الحريات وعبودية النساء التي لا تمت لعصرنا بصلة، فأنه سيبادر حتما لمتابعة التواصل والحوار الايجابي وسيسعى الى مواصلة التعاون الاقتصادي التجاري والعلمي والتكنولوجي حتى مع السعودية والذي سيخدم مصالح البلدين المشتركة.

أما السعودية، فمادامت واردات النفط تملأ خزينة السلطة، وطالما هناك دول عديدة لا تبالي بالقيم وبكل ما يعانيه الشعب السعودي مستعدة لبيع كافة انواع الاسلحة، فالحكومة السعودية لا تعير اي اهتمام بالعرف الدبلوماسي ولن تتحمل أي إنتقاد، ناهيكم عن الادانات والاحتجاجات والمواجهة في المؤتمرات والمحافل الدولية.

قد تعتقد السعودية انها تعاقب السويد لان وزيرة الخارجية ماركوت فالستروم قالت الحقيقة بصوت عال، غير مدركة بأنها في الواقع، في موقفها هذا وخلقها لهذه الازمة، أنما تسلط المزيد من الاضواء على نظامها وسياساتها وقوانينها وشرائعها وقيمها التي تجاوزتها الانسانية منذ قرون خلت.

سامي المالح

كاتب وناشط سياسي مقيم في ستوكهولم

المقالات تعبر عن رأي كتابها وليس بالضرورة عن الكومبس.