Lazyload image ...
2014-08-24

الكومبس ـ مقالات الرأي: بعد أيّام، سأصطفّ في أحد الطوابير، مُنتظِراً، كما يفعل السويديّون، دوري بكل صبر. سأضع برضىً كبير، علامة (صح) مؤكدة حدّدتُ مكانها سلفاً على بطاقتي.. وأغادر المركز الإنتخابي مسروراً.

الكومبس ـ مقالات الرأي: بعد أيّام، سأصطفّ في أحد الطوابير، مُنتظِراً، كما يفعل السويديّون، دوري بكل صبر. سأضع برضىً كبير، علامة (صح) مؤكدة حدّدتُ مكانها سلفاً على بطاقتي.. وأغادر المركز الإنتخابي مسروراً.

سأعرّج على المشرب القريب، بعدها، وأطلب كأس بيرة وطنيّة، محتفياً بغيرتي على هذا البلد الأمين، الذي (آمنني من خوف، وأطعمني من جوع). ولأتحدّث مع من سيشاركونني الطاولةِ نفسَها، بأيّ موضوع، عدا الإنتخابات.

حين قرّرتُ مغادرة (بغداد)، لم أكن مُكرهاً فقط، كنتُ حانقاً أيضاً. رغم أنّني كنتُ أعيش وضعاً أحسدُ عليه نسبيّاً.. منزل وسيّارة وعمل تجاري يدرّ عليّ ما يكفي لأن آكل جيداً وأشرب رغم الحصار، وأحتفي بأصدقائي كلّ خميس… وفي ضحى كلّ يوم جمعة، أصحو متأخراً، بالطبع، بعض الشيء، وأتوجّه لشارع المتنبيّ حيث الكتب والأرصفة.. وجدالات بيزنطيّة لا تنتهي.

السويديّون، بشكلٍ عام، لا يتحدّثون في السياسة، فقد حسموا أمر البيضة والدجاجة، وإن جادلت أحدهم في هذا الخصوص، يردّ عليك بأنه ذهب وانتخب من يمثّله، وربّما اكتفى بالقول بأنّ من سيقرر، همُ السياسيّون المُنتخبون، في إشارة لا تُخفى إلى عبارة، (ذبهه براس عالم، واطلع منها سالم)*. التي تُعدّ من أشهر القواعد الفقيّة الشعبية لدى (من لا يحضرهُ الفقيه) من العراقيين، وأكثرها حسماً للجدل.

حين عرضت القنوات التليفزيونية السويديّة، صبيحة التاسع من أبريل، صورة الدبّابة (إبرامز)، وهي تعبر من الكرخ صوب الرصافة من على جسر السنك ببغداد، لم يكن الأمرُ مُبهجاً لي، أنا الذي علّمني (محمّد الأحمر)، انّ الأمبرياليّة، مُمثّلة بالولايات المتحدة الأمريكية، هي أعلى مراحل الرأسمالية. وإنّ فجر الشعوب المقهورة، آتٍ لاريب. لكنّ الخبر من جانبٍ آخر، كان يبعثُ على شعور مُشتبه بالفرح، سببهُ إعلان انقضاء حقبة طويلة من المرارة والظلم والتعسّف التي حملتُ بسببها كلّ أثقالي، وألقيتها أمام موظف الهجرة في ضاحية (سولنا) بستوكهولم، وأنا أجيبهُ عن أسباب طلبي للّجوء.

أنا إذن لا أعرف ماذا سيكون موقفي ممّا حصل.. (ألا ترى معي أن البوصلة ضاعت؟)، قلت لصديقي الشاعر السعودي، وسجين الرأي السابق (زكي الصدير) في مقصف ببغداد، وأنا أقرع كأسي بكأسه، محتفياً بلقائه، ومُجيباُ عن سؤاله عن رأيي بالتغيير بسؤال.

ومن يومها وأنا لا أملكُ رؤية واضحة لما حصل آنذاك، ولا لما سيحدثُ بعده بسنوات، وأنا أشاهد المطرب الكفيف (مصطفى سعيد) وهو يغنّي وسط ميدان القاهرة (يا مصر هانت وبانت)، وأتساءل (من سيخلف من؟). أو أن أرى القوى التي تقاتل (البعثي) بشّار الأسد، وهي تطلق اسم (صدّام حسين) على إحدى كتائبها، فأعتذر من أصدقائي السوريين هنا، الفارّين مثلي من الجور، عن مشاركتهم تظاهرات التضامن مع المعارضة السوريّة، مُكتفياً بالبحث عن البوصلة إيّاها.

في العراق، كما في دول عربيّة أخرى، ساسةٌ من مذاهب شتّى، يتقاتلون، فيما كلّ شيء ماضٍ للخراب. لكّني على أيّة حال، قلتُ كلمتي ومضيت. وقفت قبل بضعة شهور في طابور انتخابي غير منتظم، ثمّ وضعتُ علامة صح أمام اسم المرشّح (عماد الخفاجي)، رفيقي في السجن ثمانينيات القرن الماضي، ومن كنتُ آمل أنه سيمثلني في برلمان العراق، ثمّ عدت إلى السويد، بلدي الآخر، لأفعل الشيء نفسه بعد أيّام من الآن.

صوتٌ آتٍ من فتحة الرسائل في باب المنزل ينبّيء أن مُغلّفاً سقط منها إلى الأرض. اليوم أحد، سعاةُ البريد في إجازة، لا ريب انّ الأمر ينطوي على صحف إعلانات ومغلّفات دعائية، سأذهبُ لأتبيّن الأمر.

أفضّ رسائل الدعايات الإنتخابيّة لأقرأ: حزب البيئة ينوي زيادة رواتب التدريسيّين، فيما ديموقراطيّو السويد ( يدعونهم هنا بالعنصريّين) يدعون لوقف الهجرة، أحد الأحزاب يضع الخصخصة في أولويات برنامجه، وآخر يدعو لدعم القطاع الصحيّ… لا شأن لي بكلّ هذا الهراء، أقول في نفسي، فلقد حسمتُ أمري (وانتهيت) مثلما يقول طيب الذكر السيد درويش، وكشأن أغلب أهل هذه البلاد، سـوف أرمي بورقتي بعد ايّام برأس عالمٍ سويدي، ليس دينيّاً بالتأكيد، وأخرج سالماً من البار التركيّ المجاور.. مُدندِناً: أنا هويت وانتهيت!

كريم راهي – ستوكهولم

* مقولة شعبيّة شائعة في العراق تفيد بمعنى التملّص من مسؤولية (فقهية في الغالب) وإلقاؤها بذمة عالم إفتاء ديني.