Lazyload image ...
2018-08-30

الكومبس – مقالات الرأي: يعيش الكثير من العرب المقيمين في السويد -وخصوصا في السنوات الأولى من انتقالهم- حالة من الصراع الداخلي وعدم الاستقرار بسبب اختلاف الثقافة ونمط الحياة وتركيب المجتمع السويدي واختلاف مكوناته المادية والمعنوية.

إن هذه الحالة طبيعة جدا ويعاني منها معظم من قرروا الانتقال إلى السويد من مناطق أخرى من العالم، وقد يدهشكم معرفة أن بعض الأشخاص من البلدان الأوروبية يعيشون هذا الصراع أيضا… إذن فالأمر غير منوط بالعرب وحدهم وعامل الدين عامل غير جوهري في قضية الاندماج فعليا. فلماذا تظهر أعراض المشكلة جلية جدا وواضحة على الجالية العربية تحديدا؟

السؤال يحتاج لوقفة جدية مع النفس والاعتراف بكل العوامل التي شكلت شخصية الإنسان العربي من دين وثقافة وعادات وتقاليد وأنظمة حكم ساهمت في تشكيل حالة فردية أو جماعية من التعصب لمجموعة من القيم التي قد لا تتنافى بجوهرها مع القيم في المجتمع السويدي وإنما يعبر عنها الأشخاص من كلا الثقافتين بطريقة مختلفة.

ولكي يعتدل الميزان يجب أن يقابل هذه الوقفة من الوافدين العرب وقفة أخرى جدية من طرف الحكومة السويدية ومؤسسات الدولة الرسمية لتقييم الجهود التي تم بذلها من أجل تسهيل عملية الاندماج والتعلم من المبادرات السابقة لتصميم برامج نوعية جديدة تلبي احتياجات الوافدين الجدد وتساعد الحكومة السويدية على الوصول إلى الفئات المستهدفة وتشجعيها لتكون عناصر فاعلة ونشيطة في المجتمع السويدي خصوصا وأننا مقبلون على الانتخابات في شهر سبتمبر المقبل.

لكن ما هو الاندماج في المقام الأول؟ وما هي العوامل التي تحدد نجاح الأشخاص في الاندماج في المجتمع السويدي؟ فهل يمكن الحكم على شخص بأنه مندمج إذا توفر لديه منزل، أو حصل على وظيفة ؟؟ أو لأنه يدفع الضرائب ولا يخالف القوانين؟ أم أن الأمر متعلق بما هو أعمق من ذلك؟ لربما يتعلق الأمر بقبول الأعراف الاجتماعية للمجتمع مع المحافظة على الهوية؟ برأيي المتواضع قد تختلف الإجابة باختلاف الشخص الذي يوجه له هذا السؤال.. فتعريف الاندماج مختلف من شخص لآخر ومن مجتمع لآخر.

يقول روب كوبمانز أستاذ علم الاجتماع في جامعة هومبولت في برلين إن الاندماج عملية طويلة ليس لها هدف واحد فقط ينطبق على الجميع بل إن الهدف الحقيقي للاندماج هو تطور الفرد في المجتمع المضيف والوصول إلى أعلى درجات المساواة ، وبذلك يحسم عالم الاجتماع الألماني الجدل القائم عن تعريف ومفهوم الاندماج بأنه هدف يتحقق عندما يستطيع الشخص البقاء في المجتمع الجديد والحصول على وظيفة ودراسة والعيش هناك.

والاندماج بالنسبة للوافدين العرب عملية أكثر تعقيدا وصعوبة من غيرهم من المجتمعات حيث تختلط الأوراق ببعضها البعض ويتم دمج عوامل مختلفة في عملية بناء حياة جديدة في مجتمع أوربي كالسويد ، فترى الخطاب العام العربي دائما ما يصف المجتمع السويدي بهم ونحن … في إشارة نفسية واضحة لوجود مجموعتين منفصلتين بشكل تام وبطريقة تعكس نظرة فوقية من قبل الوافد العربي في بعض الأحيان ، وهذا مؤشر خطير على وجود مشاكل فردية في عملية قبول المجتمع السويدي والتعامل مع مكوناته.

ومن المؤسف أن بعض المؤسسات العربية الرسمية تتبنى هذا الخطاب بطريقة لا شعورية كبعض المساجد والمنظمات الأهلية ، فعلى سبيل المثال لا الحصر قام خطيب أحد المساجد في مدينة يوتوبوري بحث المصلين على عدم الإزعاج عند الانتهاء من صلاة التراويح في شهر رمضان الفضيل قائلا : “نحن نريد أن نعكس أفضل الصور والممارسات للسويديين ونلتزم بالهدوء حتى لا يقولوا بأن المسلمين يتسببون بالإزعاج في أوقات متأخرة”.. وإذا تمعنا في هذا الخطيب نجد الكوارث الحقيقة من النواحي النفسية والعقائدية فمن باب أولى أن يقوم الخطيب بحث الناس على عدم الازعاج في كل وقت وحين يتحدث عن المجتمع السويدي بأنهم أهل وجيران ولا يجوز لنا إزعاج الجار خصوصا في مثل هذا الوقت المتأخر من اليوم في كل الأوقات وليس فقط من أجل رمضان ويجب التشجيع على الأخلاق الحسنة في المعاملات لأنها قيم مهمة في ديننا المتسامح وليس من أجل أن يقال “عنا” بأننا نتحلى بالأخلاق الفاضلة.

فهذا السلوك الطيب حثت عليه جميع الأديان السماوية وخصوصا الإسلام حيث استوصى الرسول –ص- وصحابته الكرام بأهل الكتاب خيرا وجعلهم في ذمته وذمة المسلمين وهم تحت رعاية الخلافة الإسلامية، فما بالكم لو كان المسلمون تحت رعاية دولة غير مسلمة وهم أصحاب الأرض والدولة ولهم الفضل في دعم العديد من العائلات والأفراد ممن اضطروا لمغادرة بلادهم بسبب الحرب وظروف أخرى وبحثوا عن الأمن وعن حياة أفضل لأولادهم.

وموضوع هم ونحن موضوع متكرر جدا يحصل لا شعوريا في معظم المحادثات بين أفراد المجتمع العربي في السويد.. فللأسف لدينا نحن العرب بعض النزعات التعصبية التي لا توافق نمط الحياة في هذا العصر المتطور والسريع خصوصا وان أحوالنا حاليا لا تدعو للفخر أبدا مع وجود الكثير من التفكك والصراعات السياسية والحزبية وسيطرة المصالح الاقتصادية على فكرنا الوطني والتقدمي.. فلماذا لا زلنا نرى أنفسنا نحن أفضل من السويديين وغيرهم من الشعوب الأوروبية ونصر على انتقادهم والنظر إليهم بدونية حتى من خلال المحادثات، فلا نزال نقول هم ونحن ويكفينا نحن العرب والمسلمون بأننا كذا وكذا وبرأيي هذا الشيء لا يسمن ولا يغنى في زمن متسارع الفعل أهم فيه من التنظير والتغني بأمجاد قديمة فقدناها يوم فقدنا وحدتنا وكلمتنا وقيمتنا كمجتمع عربي واحد.

إن الوضع الراهن في العالم وخصوصا السياسات المتغيرة تتطلب من أفراد المجتمع العربي في السويد المزيد من العمل والمثابرة لجسر الهوة وبناء جيل متمكن معتمد على نفسه لا يعيش على الأطلال وإنما ينشط ويتفاعل في أي مجتمع يعيش فيه.. فيكفينا ما نعيش من ويلات في بلادنا التي أصبح حالها يدي القلب ولنكن أداة تغيير ايجابية وحقيقية في السويد نعمل سويا من أجل مجتمع تسوده قيم العدالة والمساواة ويكون لنا بصمة واضحة في البناء والتمكين.

ابتهال العالول

مديرة منح في مؤسسة سويدية

ماجستير في علوم الاتصال من السويد

 

مقالات الرأي تعبر عن أصحابها وليس بالضرورة عن الكومبس