Lazyload image ...
2012-12-02

علي أن أشكر الفتيات المؤيدات لاسرائيل اللواتي جادلنني بصخب في وسط ستوكهولم أثناء قيامي بتوزيع منشورات لنصرة فلسطين. فمن خلل استفزازاتهن قدمن لي من حيث لا يدرين صورة واضحة عن التربية الصهيونية، وعن الحجج التي تسوقها هذه التربية لجعل جمهورها يتقبل – بل ويدعم – الاجرام الاسرائيلي بضمير نائم. 

علي أن أشكر الفتيات المؤيدات لاسرائيل اللواتي جادلنني بصخب في وسط ستوكهولم أثناء قيامي بتوزيع منشورات لنصرة فلسطين. فمن خلل استفزازاتهن قدمن لي من حيث لا يدرين صورة واضحة عن التربية الصهيونية، وعن الحجج التي تسوقها هذه التربية لجعل جمهورها يتقبل – بل ويدعم – الاجرام الاسرائيلي بضمير نائم. كانت الفتيات يكررن عبارتين بذاتهما: "الكل يكره إسرائيل"؛ و"الدفاع عن المواطنين الاسرائيليين بوجه الارهابيين". ووجدتني أتساءل أين تراني سمعت هاتين الحجتين من قبل؟ – بلى، لقد كررهما الزعماء الغربيون (الرئيس الأمريكي ورئيسة الاتحاد الأوروبي مثلاً) وكذلك وسائل الاعلام تكراراً مركزاً بالتزامن مع تركز الهجوم الاسرائيلي على غزة وكأنهم يدافعون بهاتين الحجتين عن أنفسهم بسبب تأييدهم لمجرمي حرب. كان التماثل بين كلام فتيات عاديات مغسولات الأدمغة وتصريحات رؤساء وإعلاميين شديداً الى درجة تدفع الى الشك بأن سياسة الغرب في الشرق الأوسط قد تربّت في بيت واحد مع تلكم الفتيات، هو بيت الصهيونية.

عندما تؤسس ذهنيتك على إن "الكل يكره إسرائيل" فأنت تجعل من هذه الدولة ضحية، ومظلومة، وتجعل من أي جهة تدين إسرائيل جهة ظالمة، وبالتالي تحصن ضميرك مسبقاً ضد أي موقف دولي أو شعبي مناهض للاجرام الاسرائيلي وتحصنه أيضاً ضد أي شفقة على ضحايا هذا الاجرام. وليست هذه هي الأهمية الوحيدة لفكرة "الدولة المكروهة" في التربية التي يتلقاها الرأي العام ومراكز القرار الغربية معاً، وإنما تشاطرها الأهمية قدرة هذه الفكرة على قلب الحقيقة؛ وبدون قلب الحقائق لا يوجد أي منطق في العالم يمكن أن يتقبل المنظور الصهيوني. ويتم قلب الحقيقة بتحويل "كره إسرائيل" من نتيجة الى سبب؛ فهذا الكره – وفقاً للتربية الصهيونية – ليس نتيجة لأعمال أسرائيل (الاحتلال، الاستيطان، التدمير، الحصار، الاذلال، سرقة الأرض والماء، القتل، الاعتقالات، التهويد…) وإنما هو حالة أصلية مزروعة في نفوس العرب وأن ممارسات إسرائيل – بالتالي – هي اضطرارية لحماية نفسها من العقابيل العنيفة لهذا الكره. وليس أسهل من تبرير احتلال أرض بأنه لجعل المواطنين الاسرائيليين خارج مدى نيران العدو الحاقد، ولكنه في الوقت نفسه تبرير ليس أسخف منه لكل ذي عقل فاسرائيل لا تحتل أرض الفلسطينيين لأنهم يكرهونها وإنما يكرهها الفلسطينيون لأنها تحتل أرضهم. التربية الصهيونية ليست غبية لكي لا تدرك هذه الحقائق؛ هي تدركها تماماً وتتعمد تضليل الرأي العام لخدمة مشروع توسعي بعيد المدى.

مقولة "كره اليهود" هي الوجه الآخر "لكره إسرائيل" لكن بحدود زمانية ومكانية أوسع، حيث تستعين هذه المقولة بأحداث التاريخ القديم والحديث لتدعيم فكرة أصالة الكره والعداء العربيين لليهود حتى قبل قرون من وجود دولة إسرائيل، فلا تقدم قضية الاحتلال ولا تؤخر في نية العرب القضاء على اليهود ودولتهم؛ وبالتالي لا حل أمام إسرائيل لحماية مواطنيها سوى إبعاد العرب عن حدودها لتكون في مأمن من صواريخهم.

أما الحجة الثانية، حجة الارهابيين الذين تقتلهم إسرائيل لحماية مواطنيها فغطاء أخلاقي ضروري تغطي به التربية الصهيونية عقول أبنائها لتخليص ضمائرهم من ذنب القتلى المدنيين الفلسطينيين الذين تزدحم بهم أخبار التلفزيون وصور الانترنيت. فإلقاء صفة الارهاب على الفلسطينيين هو لتبرير الارهاب الاسرائيلي ليس إلا، وصداه الذي يردده الزعماء الغربيون إسمه "حق إسرائيل في حماية مواطنيها". والاسرائيليون ينفون تكراراً تعمدهم قتل المدنيين ويقولون إن مشكلتهم هي مع المقاتلين، أو "الارهابيين". وكل هذه المسميات تقدَّم وتكرَّر بوصفها هي المشكلة الرئيسية. الفساد في هذا الزعم لا يقتصر على الناحية الفنية، أي كون الغالبية العظمى من الضحايا الفلسطينيين هم مدنيين أبرياء بصرف النظر عما يقوله الاسرائيليون، وإنما هو وقبل كل شيء في ان هذا الزعم لا يعرض المشكلة وإنما – في الحقيقة – يغطيها، أو يتغطى عنها. "العنف الفلسطيني" لم تخلقه أسباب أيديولوجية أو حتى اجتماعية كما هو الحال في بلدان أخرى، وإنما خلقه سبب مادي على الأرض هو سرقة وطن من أهله الشرعيين. بل ان "العنف الفلسطيني" لم يكن يوماً خياراً ضمن عدة خيارات متاحة فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم لم تترك القوى الدولية الكبرى للعرب ترف الاختيار حول قضية فلسطين وهذا هو الذي جعل الكفاح المسلح يفرض نفسه على القضية كتطور حتمي، وعلى الفلسطينيين كحل وحيد. وبالتالي، فما تدينه القوى الغربية الكبرى وتدعوه إرهاباً فلسطينياً إنما هي صانعته الأولى وذلك منذ وعد بلفور، صنعته بازدرائها إرادة الشعب الفلسطيني وحقه في وطنه، وبفرضها المشاريع الامبريالية (بما فيها مشروع الدولة اليهودية نفسه) على العرب وكأن الأخيرين غير موجودين. الامبريالية خلقت ضحاياها ثم راحت تدينهم عندما هبوا يقاومونها. تلك هي المسألة.

طبقاً لمواثيق الأمم المتحدة، لا إسم آخر للعنف الذي يمارسه الفلسطينيون ضد القوات الاسرائيلية غير الحق في مقاومة الاحتلال. واختزال المقاومة الفلسطينية الى وصف "إرهاب" هو هروب من بديهيات الماضي والحاضر في هذا الصراع. واستمراراً في الهروب يقول الاسرائيليون أن ما يقضي على "الارهاب الفلسطيني" هو العمليات العسكرية، أو بكلمة أخرى الحرص على استمرار دوامة العنف، مع إنهم يعلمون جيداً أن الحل الوحيد لانهاء المقاومة الفلسطينية هو إنهاء سببها الرئيسي، الاحتلال بكافة أشكاله، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة. ولأجل أن لا يتحقق هذا الهدف أبداً، لابد من استمرار حلقة العنف الى أجل غير مسمى، وجعله ساخناً بالقدر الذي يملأ كامل المشهد وينشغل به العالم بدلاً من أن ينشغل بجوهر المشكلة. وها هي الصحف ومواقف الدول تدور حول أسئلة من قبيل: من المبتدئ بالعنف؟ كيف يمكن إنهاء هذا الهجوم؟ أو حتى: ما ذنب المدنيين؟… إلخ، ولا شيء عن السبب المادي الأصلي ولا عن الحل الجذري الواضح. وحين ألفت النظر الى تورط الحكومات الغربية والاتحاد الأوروبي، عبر تصريحات واضحة، وكذلك الاعلام الغربي في مساندة الحيلة الاسرائيلية باشغال العالم بفيلم الأكشن "حماس" وفيلم الرعب "غزة" وتكرار انتاجهما بين حين وآخر، فاني أتهم صراحةً الغرب حكوماتٍ وإعلاماً بتبعيته للتربية الصهيونية وكذلك للتكتيكات الهادفة الى إنقاذ إسرائيل من المحاسبة على جرائمها.

أحداث غزة الأخيرة حرب قصيرة لها بداية ولها نهاية، لكن نهايتها لن تنهي الصراع ولن تمنع حروباً جديدة من الاندلاع في أي يوم؛ إنما الاحتلال هو القضية الأساس، وإنهاءه هو الذي ينهي الحروب قصيرها وطويلها، ولهذا فهو الذي يجب أن تتوجه إليه الجهود الدولية.



سمير طاهر

صحيفة " القدس العربي "

Related Posts