Lazyload image ...
2014-08-14

الكومبس – مقالات الرأي: قد يكون بديهياً و ليس بحاجة لأدلة و وثائق و مستندات و أرقام و إحصائيات في زمن نحن في حاجة فيه لإثبات وطنيتنا و وجودنا و حقوقنا و مصائرنا لكثير من الاجتهاد و التأويل في عصر النصوص المقدسة.

الكومبس – مقالات الرأي: قد يكون بديهياً و ليس بحاجة لأدلة و وثائق و مستندات و أرقام و إحصائيات في زمن نحن في حاجة فيه لإثبات وطنيتنا و وجودنا و حقوقنا و مصائرنا لكثير من الاجتهاد و التأويل في عصر النصوص المقدسة.

قد يكون بديهياً أن القامشلي و الجزيرة السورية هي السلة الغذائية و الاقتصادية لسوريا فمنها القمح و القطن و النفط و الغاز و الزاد البشري الواعي و الطامح و المتعلم و المثقف.

و من البديهي ايضاً في الدول المتطورة و التي تنتمي لأبسط مفاهيم المواطنة أن تكون مثل هذه المناطق الغنية بالثروات على الاقل تحظى باهتمام و رعاية كباقي المناطق، و لكن من غير المنطقي أن تُهمل مثل هذه السلة الغذائية و الاقتصادية و عن سابق تصور و تصميم.

فمنذ عقود خلت و القامشلي تعاني من شُح في الخدمات إن لم نقل انعدامها ،إهمال متعمد جعلها مدينة عاشت إزدهاراً و تطوراً في الخمسينات و الستينات تتحول الى مدينة تعاني الامرين في الثمانينات و حتى الان.

تهميش متعمد إعلامياً و خدماتياً … الاعلام لا يسلط الضوء على معاناة أهلها و يعتبرها منطقة " نائية إعلامياً " …. لذا فإنك كواحد من ابناءها تفاجىء بل و تشعر بالمرارة عندما تقابل دمشقياً أو ساحلياً على سبيل المثال و هو مندهش من شكلك و ثقافتك و حديثك عن مقومات مدينتك لان الاعلام الرسمي " القاصر " لم يسّوق لها إلا على انها لا تزال تعيش كالبدو الرحل و ان الجمال و المواشي تسرح و تمرح في شوارعها ؟؟؟!!!!.

و خدماتياً فان الشوارع التي تُحفر لا يتم ترميمها إلا بطبقة هشة من الأسفلت ليستفيد المسؤولون من الصفقة و يأتي من يخلفهم ليصلحوا ما افسدوا اسلافهم فيستفيدوا هم أيضا دون محاسبة او حتى لفت نظر بل مزيد من الملايين المستباحة من رصيد هذا الشعب المسكين البائس.

و بقيت المدينة خارج الاهتمام كالبقرة الحلوب التي تهمل و تنسى بعد ان يجف ضرعها، و تحت شعارات و أسباب و مبررات واهية و غير مقنعة بقي اهل القامشلي يدفعون ثمناً باهضاً لتنوعهم المتفرد و بقيت منطقة و لم تصبح محافظة و بقي أهلها أسرى مراجعة محافظة الحسكة دون ان يرمش جفن لمسؤول يزيل هم السفر و التعب و المعاناة و المزاجية عن اهل القامشلي عند مراجعتهم لدوائر الدول في الحسكة.

و حُرم اهل المدينة من سندات الملكية لبيوتهم مكتفين بقرار محكمة يثبت شراء البيت و لكنه في لحظة ما قد لا يحفظ حق لاحد لذا بقيت ملكيتهم لبيوتهم في مهب الريح.

و جاءت الازمة لتتعمق آلام القامشلي و تنتقل من مرحلة التهميش الى مرحلة التهشيم ، فعلى الرغم من ان المدينة بقيت الى حد كبير بمنأى عن الاشتباكات و التفجيرات الا " بعضها " رغم قسوته ،و انحصار النار في الهشيم في ريفها إلا ان ذلك لم يكن مستساغاً على ما يبدو ،فالتنوع الديني و القومي و الاثني فيها بقي محافظاً على نسيجه المتماسك و حماها من نار الفتنة ،فاصبحت بالتالي ملاذاً آمناً للمهجرّين من المحافظات المشتعلة ، و لكن الى متى ؟؟؟؟.

فبدأ ما يسمى إصطلاحاً بـــ " القصف النفسي " لتهشيم المدينة و ضرب تماسكها في مقتل ….

الكهرباء التي كانت فائضة عن الحاجة دخلت في مرحلة تقنين غريبة التفاصيل فوصلت ساعات الانقطاع في بعض المراحل لعشرين ساعة ،و ترافق ذلك مع انقطاع المياه و انقطاع الاتصالات لشهور طويلة و الانترنت لاكثر من سنة و تضاعفت الأسعار بطريقة جنونية لاتشبه مثيلاتها في المدن المشتعلة ،و بدأ السلاح ينتشر بهدوء في ايدي الناس و تشكلت بشكل مفاجئ مجموعات مسلحة قطّعت أوصال المدينة بحواجز اسمنتية لا مبرر لها لأنه لا يوجد أي خطر من حركة الناس و لا أحد يستهدف هذه الحواجز و هؤلاء المسلحون.

و مقابل مجموعة نبتت مجموعة ثم أخرى كأنها نذير شؤم لفتنة قادمة بين اهل القامشلي التي استجارت بالحكمة و المحبة لدرء الفتنة و ليس السلاح و الحواجز التي (تحمي المدينة) كما يقال ، و هي على العكس لم تحمي الناس من الخطف و السلب و النهب و الملايين التي تدفع كفدية ، و بات المطلوب من الجميع ان يلجئوا للحلول الفردية في ظل غياب مرجعية في المدينة و تناثر المسؤوليات بين هيئات و مؤسسات و أحزاب و مجموعات بتسميات مختلفة و كثيرة دون تأثير إيجابي على رفع المعاناة عن الناس بل الكثير منهم ساهم بتعميق هذه المعاناة.

و تتالت الحلول الفردية … المياه تشترى … المولدات الكهربائية انتشرت …. خطوط الموبايل و الانترنت التركية سيطرت على سوق الاتصالات …. انتشر باعة غريبي الشكل عند زوايا الشوارع الرئيسية لبيع المحروقات المكررة و بالوان متعددة و بأسعار مذهلة … و اشترى الناس كل شيء من مالهم الخاص … الماء … الكهرباء … الاتصالات … الامن و الأمان … و المستفيدين من جميع الأطراف لا يشبعون و لا يتوانون عن اختلاق المزيد من الازمات لدفع الناس لمزيد من الحلول الفردية و لمزيد من الاستنزاف لاموالهم و اعصابهم و حياتهم.

و باتت القامشلي لغزاً ….. أهلها يهجرونها قسراً … و تفرغ من ناسها بهدوء و صخب … و تجار الازمة على اختلاف مشاربهم و انتماءاتهم يلاحقونهم بالابتزاز حتى لحظة وقوفهم الأخيرة على سلم الطائرة لمغادرة المدينة ،و بقي الريف المشتعل للمدينة بعبعاً لأهلها يُلَوح به لفرض واقع جديد و تزانات جديدة و ديمغرافيا جديدة.

الان القامشلي وحيدة بلا معين تنتظر مصيراً غامضاً ،و تحلم بأن تنجو من النار التي التهمت الوطن لعلها تبقى استثناءاً كما كانت منذ أن ولدت مدينة من رماد الموت الذي حمله أهلها معهم قبل عقود من الزمن فأسسوا مدينة مختلفة و متفردة رغم انف المهمِشين و المهشِمين و لكنهم لم يدركوا حينها أنهم يؤسسوا لغربتهم القادمة.

// ملكون ملكون //

// كاتب سوري مقيم بالسويد //

مقالات الرأي تعبر دائما عن رأي كاتبها وليس بالضرورة ان تتظابق مع رأي الكومبس

Related Posts