Lazyload image ...
2015-07-27

الكومبس – الصحافة السويدية: نشرت أمس الأحد المسائية السويدية “أفتون بلادت” مقالا للكاتب والصحفي السويدي المعروف يان غييو، سلط فيه الضوء على ازدواجية معايير الصحافة الغربية، في تحديد مصطلح “الإرهاب” وعلى من تطلق هذه التهمة، إذا ارتكب مجرم أبيض وغير مسلم جريمة جماعية فهو “قاتل متسلسل”، وإذا ارتكب نفس الجريمة مجرم مسلم فهو “إرهابي”. ذلك لأن اللغة هي سياسة، كما يكتب يان غييو في مقالته الأخيرة. شبكة الكومبس اتصلت بالكاتب، وحصلت منه على موافقة خطية بترجمة المقال إلى العربية ونشره بموقع الكومبس، فيما قام الزميل الكاتب العراقي سمير طاهر بالترجمة

نص المقال

ثلاثة على الأقل من الارهابيين السابقين نالوا جائزة نوبل للسلام: مناحم بيغن، الذي كانت سلطة الاحتلال البريطانية في فلسطين قد صنفته كإرهابي، وأصبح فيما بعد رئيس حكومة إسرائيل. وياسر عرفات الذي كان مصنفاً كارهابي وبعد ذلك تقاسم مع الأول جائزة نوبل للسلام. أما الثالث فهو نيلسون مانديلا الذي يُفترض أنه أكثر إرهابيي العالم حظا من الحب والاعجاب. وكان النازيون الألمان قد وصموا جميع معارضيهم في البلدان التي احتلوها بالارهاب. وهكذا فان هذا المفهوم كان ينتقل جيئة وذهاباً عبر عقود من السنين. حتى إذا وصلنا إلى أيامنا هذه غدت وصمة الارهاب مخصصة للمسلمين.

قبل شهر من الآن هاجم رجل أبيض يميني متطرف كنيسة في تشارلستون بولاية ساوث كارولينا وقتل تسعة أشخاص سود بدافع معلن هو إن القتلى كانوا يغتصبون النساء البيض ويشكلون تهديداً للعنصر الأبيض. وبعد الحادث بأسبوع أحرقت خمس كنائس مماثلة في الجنوب الأمريكي. لكن ليس لأية وسيلة إعلام ولا لأي شخص سياسي أن يحلم بأن يصف هذا الفعل بكلمة إرهاب، فالجاني كان أبيضاً وكان على الأخص مسيحياً، ولهذا فبدلاً من أن يوصف بأنه إرهابي نجده قد وصف بمصطلح “قاتل جماعي”.

إن هذا النظام اللغوي المدفوع بدوافع سياسية يشمل حتى السويد. فعندما اعتقل في الأسبوع الماضي شخص نازي وآخر سياسي في حزب سفيريا ديمكراترنا او ديمقراطيي السويد (المعادي لسياسية الهجرة) لحيازتهما كمية كبيرة من المتفجرات وصواعق التفجير، لم ينبس أي أحد بكلمة إرهاب، حيث إن الجانيين ذوَي الدوافع السياسية كانا أبيضين. لا حاجة لأن نكون مسيّرين بنظرية المؤامرة لكي نتوقع أنه لو كان الجناة مسلمين لكان مصدر الخبر يحتوي صوتاً آخر.

في الآونة الأخيرة أضحت هناك شعبية للتكهن بكيفية حصول أول هجوم إرهابي في السويد، حتى إن هذا قد دفع أحد كتاب الأدب البوليسي المعروفين الى إصدار كتاب تحت عنوان “سقوط ألميدالن” يدور حول هجوم واسع النطاق يشنه المسلمون على أسبوع السياسيين السنوي في منطقة ألميدالن بجزيرة غوتلاند. وقد احتفت صحيفة سفينسكا داغبلادت بالكتاب على يد كاتب أعمدة الى جانب قبطان حربي كتب مرتعداً بأنه “في الأربعاء الماضي مرت أربع سنوات على الهجوم المقزز في أوتويا” (المخيم الذي قام فيه إرهابي عنصري بقتل 69 شاباً وشابة في النرويج). الهجوم؟! أن يقوم إرهابي وبدافع سياسي علني تام الوضوح بقتل 69 شاباً لأنهم من شبيبة الحزب الاشتراكي الديمقراطي؟ أجل هذا يدعى “هجوماً”، كلمة ألطف بكثير من كلمة “إرهاب”.

إن هذا التوق الى أول عمل إرهابي حقيقي نتعرض له، والذي ينتشر بين كتاب الأدب البوليسي ومحللين سياسيين آخرين، يغدو أمراً شديد الغرابة. فمن المعقول أن نعتقد بأن الهجومين “الحقيقيين”، أي اللذين قام بهما مسلمون، واللذين شهدتهما السويد حتى الآن ينبغي أن يكونا كافيين في هذا السياق. كان المفجر الانتحاري تيمور عبد الوهاب قد فشل بلا شك في عمليته، ومثله فشل طالبا المدرسة اللذان حاولا إحراق منزل الفنان لارس فيلكس، ولكنهما أحرقا نفسيهما، وتركا بطاقتي هويتيهما في مكان الجريمة، وحكم عليهما بحكم مشدد باعتبارها جريمة إرهاب، بينما لو كانا أبيضين لكانت المحكمة على الأغلب قد رفضت هذا الوصف واعتبرت جريمتهما شغب صِبْيان.

بقدر ما أفهمه فان النتيجة الهزيلة لهذه المحاولات هي التي جعلت كتاب الأدب البوليسي ومحللين آخرين يرغبون بأن ينظروا الى الأمام، صوب هجمات إرهابية نتائجها أكبر، وعلى الأخص أول هجوم كبير بحق.

ولكن المرة الأولى التي حدث فيها عمل إرهابي ذي كفاءة، في تاريخ السويد الحديث، كانت هي التي حصلت بين عامي 1991 و 1992 عندما حاول “رجل الليزر” يوهن أوسونيوس أن يقلل أعداد ذوي البشرة السمراء بين السكان، وتقريباً لذات الدافع الذي كان وراء عصابة كوكلكس كلان. وحكم عليه عن جريمة قتل واحدة وعشر محاولات قتل. وقتها لم تكن كلمة إرهاب تتكرر في القاموس السياسي السويدي كما تفعل اليوم ولكن لو استخدمنا منظوراً تأريخياً فلن يخالطنا شك في توصيف حقيقة هذا العمل.

وقل الشيء نفسه في حالة الارهابي بيتر مانغس الذي حكم عليه عن جريمتي قتل وأربع محاولات قتل وعدة حالات إطلاق نار ضد أهداف من بينها مسجد ودائرة الشرطة في مدينة مالمو. فاتباعاً لنمط أمريكي، أطلق الكثير من وسائل الاعلام على هذا الارهابي وصف “قاتل متسلسل”، وكأن الأمر يتعلق بنشاط رياضي ما. وأخيراً لدينا أندرس بهرينغ بريفيك، النرويجي الذي قتل بعمله الارهابي 77 إنساناً. قليلون – إن وجدوا – من الكتاب البورجوازيين وكتاب الأدب البوليسي هم الذين يرغبون بأن يصفوا هذا الشخص بالارهابي، وذلك لأنه أبيض، ومسيحي، وعضو سابق في حزب التقدم النرويجي (اليميني المحافظ).

في الولايات المتحدة مات أناس في هجمات شنها يمينيون متطرفون بقدر من ماتوا على يد إسلاميين منذ عام 2011 الى اليوم. ووفقاً لسلطات الشرطة في الولايات المتحدة فان اليمين المتطرف أكبر بكثير من الارهاب الاسلامي وتهديده أكثر فاعلية. ورغم ذلك ظل التنظيم اللغوي محافظاً على قرار ثابت لا يتزحزح: ففي حين كان الجاني الأبيض، الذي قتل تسعة أفراد في إحدى الكنائس بدافع إرهابي علني وجليّ، قد صار (في الاعلام) “قاتلاً متسلسلاً”، فان الجاني الذي نجى من القتل في الهجوم على ماراثون بوستن والذي أدين بالقتل، صار (في هذا الاعلام) “إرهابياً” وبلا تردد.

لقد كانت الحرب الباردة، الحقبة التي سبقت زمننا هذا، مطبوعة بشدة بلغة معينة تقول لنا بشكل واضح من هو الطيب ومن هو الشرير. واليوم، خلال “الحرب على الارهاب”، اتخذت اللغة أنماطاً مماثلة. في لغة زمننا هذا لن يحدث أبداً أن يطلق على مجرم متسلسل مسلم وصف “قاتل متسلسل”. فاللغة هي سياسة. والأمر لا يتعلق بالمسلمين فقط وإنما يشمل حتى المعارضين لليمين.

نص المقال باللغة السويدية كما نشرته صحيفة أفتون بلادت

لمحة عن الكاتب:
يان غييو هو كاتب وصحافي سويدي معروف، ولد في ستوكهولم 17 ينايير 1944 من بين مؤلفاته سلسلة من الروايات الجاسوسية تدور حول جاسوس اسمه كارل هاملتون، وثلاثة روايات خيالية تاريخية عن تمبلر نايت، آرن ماجنوسون. وهو صاحب واحدة من أكبر شركات النشر في السويد التي يملكها جنبا إلى جنب مع ليزا ماركلوند وزوجته. اشتهر الكاتب في السويد خلال فترة توليه التحقيقات الصحافية. وما زال الكاتب نشطا في مجال الصحافة ككاتب في صحيفة أفتون بلادت السويدية، والتي نُشِر له فيها الكثير من المقالات السياسية.

ولد يان غيو في سودرتاليا احدى مقاطعات ستوكهولم من اب فرنسي الاصل الذي كان يعمل في السفارة الفرنسية في السويد ومن ام تدعى ماريان التي هي الأخرى من أصل نرويجي. اكتسبت يان غييو الجنسية الفرنسية عند الولادة، وأصبح مواطنا سويديا في عام 1975.