Lazyload image ...
2012-06-05

داء الفلسطينيين هو الاحتلال الإسرائيلي، ودواؤهم ودواء منطقة الشرق الأوسط بزواله، أما مسكنات المساعدات المالية فتذهب هباءً إذا لم تقرن بشبكة أمان سياسية..

نعم؛ شبكة أمان سياسية فلسطينية وعربية ودولية بأسرع وقت ممكن.. هذا ما يحتاجه الفلسطينيون وهذا ما ينفعهم.

أصدرت لجنة متابعة مبادرة السلام العربية في اجتماعها الأخير، الذي عقدته في الدوحة الأحد الماضي، بياناً في ختام أعمالها، دعت فيه الدول العربية إلى الوفاء بالتزاماتها المالية، وفق قرارات القمم العربية، لدعم موازنة السلطة الفلسطينية، وتوفير شبكة أمان مالية لها بأسرع وقت ممكن بمبلغ مئة مليون دولار شهرياً، في ضوء ما تتعرض له من ضغوطات مالية، واستمرار حجز إسرائيل لأموال الضرائب المستحقة للسلطة.

تطبيقاً للمثل القائل "إذا أردت أن تنظر إلى القاع المظلم فلا بأس أن تطل عليه من السفح المشرق"، لن نشكك في تجاوب الدول العربية الممولة مع الدعوة. ولن نربط هذه الدعوة بقرار الإدارة الأميركية في شهر نيسان (أبريل) الماضي، الذي قضى بالإفراج عن أموال الدعم الأميركي للسلطة، ومبادرة دول الاتحاد الأوروبي لتقديم مساعدات مالية عاجلة لحكومة سلام فياض. وسنضع جانباً نكث غالبية الدول العربية بوعود الدعم المالي للسلطة الفلسطينية، أو تأخرها وتلكؤها في تسديدها، وتناقص المساعدات العربية بشكل مطرد مقارنة مع مساعدات الدول الغربية المانحة، فما تلقته السلطة الوطنية سنوياً من المساعدات العربية بين عامي 2007 و2009 هو (450) مليون دولار، مخصصة لتمويل النفقات الجارية، انخفض إلى (256) مليون دولار سنوياً في عامي 2010 و2011، ما يعني انخفاضاً بمعدل (190) مليون دولار سنوياً، مع العلم أن المعدل الأعلى-حسب تصريح أدلى به سلام فياض- يظلُّ أقل بكثير من التزامات قادة الدول العربية في إطار قممهم. لكن لو أخذنا بالحكمة القائلة "التمس لأخيك ألف عذر وعذر"، يُشفع لحكومات الدول العربية الممولة أنها كانت تزيد المساعدات وقت الأزمات السياسية التي مرّت بها السلطة.

ومن باب حسن الظن نقول: إن لجنة المتابعة وباقي الدول العربية، على امتداد ألون طيف (الموشور) السياسي العربي، لم تبخل ببيانات التأييد السياسي للقضية الفلسطينية ومنظمة التحرير والسلطة، وفي الاجتماع الأخير أكدت اللجنة "ضرورة الالتزام بالمرجعيات المتفق عليها لعملية السلام، وبخاصة قرارات مجلس الأمن 242 و338 و1515". وشدّدت على أن "استئناف المفاوضات المباشرة يتطلب قبول إسرائيل بمبدأ حل الدولتين على حدود 1967، ووقف جميع النشاطات الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية"، وكذلك دعمها لـ"خطة التحرك الفلسطيني التي عرضها الرئيس الفلسطيني محمود عباس إزاء التزامات استئناف المفاوضات المباشرة، ومتابعة المساعي لعضوية فلسطين في الأمم المتحدة".

كل هذا جيد، لكن، وترانا مكرهين على استخدام هذا الحرف كلازمة في الكتابات السياسية العربية، هل تكفي بيانات التأييد والتأكيد والتشديد والتنديد؟ وهل لنا أن نلتمس عذراً لبقائها حبراً على ورق؟ وهل ثمة سفح مشرق نطلُّ منه على القاع المظلم لفشل القمم واللجان العربية في تحويل قراراتها وبياناتها إلى سياسة تدب على الأرض دعماً للقضية الفلسطينية والقضايا العربية الأخرى؟

كنا سنتوسَّم خيراً في المستقبل، لو أن اجتماع لجنة المتابعة على المستوى الوزاري اختتم بوعد توفير مظلة أمان سياسية لمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، إلى جانب مظلة أمان مالية، بناء على الأسس الواردة في البيان الختامي، فهذا ما يحتاجه الفلسطينيون في مواجهة صلف حكومة نتنياهو وانحياز إدارة أوباما وميوعة مواقف دول الاتحاد الأوروبي. لأن غياب دور سياسي عربي فاعل في توفير شروط تسوية سياسية تتيح للفلسطينيين تحصيل حقوقهم، شجع الإدارات الأميركية والحكومات الإسرائيلية والأوروبية على تحويل سلة المساعدات المالية للسلطة إلى أداة للضغط على الفلسطينيين، من أجل تقديم تنازلات سياسية مقابل لقمة الخبز وحبة الدواء، الأمر الذي يعمل على ترجمته، ويكرس جهده له، ممثل اللجنة الرباعية الدولية في الشرق الأوسط رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، استناداً إلى فلسفة "مشروع الشرق الأوسط الكبير" سيء الصيت، والذي نظَّر المحافظون الجدد من خلاله لضرورة القفز عن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، وإعطاء الأولوية للتعاون الاقتصادي بين دول منطقة الشرق الأوسط، وتحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين في قطاع غزة والضفة ومجموع دول المنطقة، للحدِّ مما يسمى في المصطلحات الأميركية والإسرائيلية بـ (التطرف والإرهاب). وقد فضح رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت استغلال الحكومات الإسرائيلية للمساعدات المالية التي تقدمها الدول المانحة للسلطة الفلسطينية، بتأكيده عشية انعقاد مؤتمر باريس لدعم السلطة الفلسطينية -كانون الأول (ديسمبر) 2007 بمشاركة (68) دولة- أن إسرائيل تؤيد خطط الدعم المالي للفلسطينيين من زاوية تخفيف أعباء الاحتلال، بإقران تقديم المساعدات مع تقديم القيادة الفلسطينية التزاماً بإعطاء الأهمية الأولى في إنفاق المساعدات لمكافحة أعمال المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي!.

كنا نأمل أنْ يطمئننا وزراء خارجية لجنة المتابعة بوجود وعي كامل لديهم لحقيقية أنَّ بقاء الوضع على ما هو عليه، من عدم توفير الحدِّ الأدنى من الإسناد السياسي الرسمي العربي لمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، يساهم في خلق بيئة إستراتيجية للحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة كي تواصل مشاريع الاستيطان لنهب المزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتهويد القدس، بما يمنع مستقبلاً إمكانية قيام كيان فلسطيني مستقل وقابل للحياة. إلا أننا لم نبلغ مقصدنا في الاجتماع الأخير للجنة المتابعة.

وما لم تُقلِع الحكومات العربية في المقام الأول، وحكومات الدول المانحة في المقام الثاني، عن الاكتفاء بالتركيز على المساعدات المالية للفلسطينيين، دون إسنادها بضمانات أو التزامات سياسية للعمل على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة في العام 1967، سيبقى حال الجهود الدولية المبذولة لإيجاد تسوية سياسية للصراع الفلسطيني والعربي- الإسرائيلي كحال جهود طبيب يكتفي بمعالجة العوارض المرضية، ولا يحرك ساكناً لمداواة أصل الداء.

داء الفلسطينيين هو الاحتلال الإسرائيلي، ودواؤهم ودواء منطقة الشرق الأوسط بزواله، أما مسكنات المساعدات المالية فتذهب هباءً إذا لم تقرن بشبكة أمان سياسية..

نعم؛ شبكة أمان سياسية فلسطينية وعربية ودولية بأسرع وقت ممكن.. هذا ما يحتاجه الفلسطينيون وهذا ما ينفعهم.

عامر راشد

أنباء موسكو

5 يونيو 2012

Related Posts