Lazyload image ...
2012-07-15

دخل النزاع الدائر في سورية مرحلته الأخيرة، الأمر الذي يدل عليه ازدياد الجهود الدبلوماسية والنشاط العسكري بداخل هذا البلد وخارجه بصورة ملحوظة. ويتولد انطباع بأن نهاية الأزمة السورية قريبة، وإن يتعذر على أحد أن يتنبأ بما سيعقب ذلك.

وكشفت الأحداث الأخيرة عن وجود تباين معين في الرؤى المبدئية بداخل القيادة الروسية لمكانة روسيا في العالم والأساليب الواجب إتباعها لتأمينها.

دخل النزاع الدائر في سورية مرحلته الأخيرة، الأمر الذي يدل عليه ازدياد الجهود الدبلوماسية والنشاط العسكري بداخل هذا البلد وخارجه بصورة ملحوظة. ويتولد انطباع بأن نهاية الأزمة السورية قريبة، وإن يتعذر على أحد أن يتنبأ بما سيعقب ذلك.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن أحداث الشرق الأوسط كشفت عن وجود تباين معين في الرؤى المبدئية بداخل القيادة الروسية لمكانة روسيا في العالم والأساليب الواجب إتباعها لتأمينها.

نذكر أن القرار الذي اتخذه الرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف في آذار/مارس من العام الماضي حول عدم اللجوء إلى حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار مجلس الأمن الدولي الذي أجاز استخدام القوة العسكرية ضد دولة ذات سيادة (ليبيا، تحديدا)، أثار تساؤلات ومجادلات كثيرة لدى الرأي العام الوطني حول الأسباب الكامنة وراء هذا القرار غير الاعتيادي للغاية بالنسبة للكرملين. ورغم أن تفسيرات وتوضيحات عديدة من الممكن إيرادها بهذا الخصوص يعود أحد أسباب اتخاذه العامة إلى كيفية فهم ميدفيديف لأولويات سياسة بلاده في الحلبة الدولية.

وخلال سنوات ولايته (2008 – 2012) ساد توجه واضح إلى اعتبار روسيا "دولة إقليمية كبرى"، مهما كان مجال نشاطها الفعال واسعا للغاية، إذ يمتد من تخوم أوروبا القديمة غربا حتى شواطئ المحيط الهادئ شرقا حيث تلعب البلاد دورها الطليعي. صحيح أن ميدفيديف قال في تصريح مدوي أدلى به في آب/أغسطس 2008 إن روسيا "عاقدة العزم على الدفاع عن مصالحها الخاصة المتميزة بكل السبل والوسائل"، وكان ذلك في أعقاب "حرب الأيام الستة" في جنوب القوقاز حين دخلت روسيا في المواجهة مع جورجيا لمساندة أوسيتيا الجنوبية ما جرى اعتباره وقتذاك بمثابة إظهار رغبة روسيا الاتحادية بل وتصميمها على التوسع من جديد. ولكن اتضح فيما بعد أن الرئيس ميدفيديف كان قاصدا بمفهوم "مجال مصالح بلاده الحيوية" الأراضي المتصلة بروسيا جغرافيا.

ونقول هنا للمقارنة إن الاتحاد السوفيتي، الذي استمر وجوده حتى نهاية العام 1991 لم يكن له مجال محدد للمصالح، بمعنى أن مجاله الجيوسياسي كان يشمل كوكبنا كله، شأنه في ذلك شأن الولايات المتحدة الأميركية. أما روسيا فاختلف الأمر معها، طبقا لمفهوم ميدفيديف "الليبرالي"، والذي انطلق من تصوره بشأن ليبيا أنها لا تدخل في مجال نفوذ روسيا ومصالحها الحيوية. بالطبع، إن وجود عقود بحجم 4 مليارات دولار بين موسكو وطرابلس شيء جيد، غير أن هذه الصفقات لا تتعدى إطار "مشاريع الأعمال" فقط التي يجب ألا تدخل روسيا بسببها في مواجهة جديدة مع الولايات المتحدة وأوروبا والمخاطرة بمستقبل علاقاتها الإستراتيجية مع هذين القطبين في أهم الميادين والاتجاهات.

أما الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين الذي تولى مهام منصبه بعد ميدفيديف في أيار/مايو 2012، فتختلف نظرته إلى العالم الخارجي بعض الشيء عن نظرة سلفه. فمن جهة، لا يعتبر بوتين (مثل زميله ميدفيديف) روسيا "دولة عالمية عظمى" في المفهوم السوفيتي القديم، وهو يرى أيضا أن لها مجالا جغرافيا محدودا لمصالحها الحيوية ينحصر في أوراسيا حيث يعتزم بوتين بلورة فكرته الإستراتيجية العزيزة على قلبه بإقامة اتحاد أوراسي في غضون 5 – 6 سنوات بمشاركة روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وبعض الجمهوريات السوفيتية السابقة الأخرى سيكون من شأنه الربط بين أسواق أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ. وفي الوقت نفسه يصف بوتين المنظومة الدولية العالمية ككتلة واحدة ذات عناصر مترابطة كليا. ولذا يقف الرئيس الروسي الحالي بحزم ضد أي تطاولات على سيادة الدول التي يعتبرها من "المقدسات" في القانون الدولي المعاصر، منتقدا على هذا الأساس تدخل الغرب في شؤون الغير الذي يؤدي إلى الإخلال بالتوازنات القائمة وزعزعة الاستقرار وإثارة الفوضى والفلتان الأمني على النطاقين الإقليمي والعالمي، في رأيه. ومن هنا يعتقد بوتين، بخلاف ميدفيديف إلى حد ما، أن روسيا يتوجب عليها عدم التركيز على إقليمها الأوراسي وحده، بل والتأثير بقدر المستطاع على تطور الأوضاع الحالية والمستقبلية في باقي مناطق العالم.

وينظر الرئيس بوتين إلى قدرة دولته (وأي دولة أخرى في العالم) على ممارسة مثل هذا التأثير باعتبارها أداة للمقايضة والمبادلة بإمكانيات وطاقات العمل الخارجي مقابل تعزيز الامتيازات الخاصة للتحرك والنشاط ضمن مجال مصالحها الحيوية المباشر، جغرافيا. بعبارة أخرى، ينطلق بوتين من مفهوم مفاده أن اللعب على امتداد الساحة العالمية كلها ولو بشكل متقطع يساعد على تثبيت حق روسيا في تصرفها الممتاز في الفضاء المحيط بها.

وترك التباين في هذه التصورات العقائدية بين الرجلين أثره على سلوك روسيا في الحالتين الليبية والسورية. فقد اعتمدت روسيا خلال ولاية ميدفيديف نهج التحفظ والنأي في الحالة الأولى، بينما تبنت موسكو موقفا صلبا للردع والتأثير في الحالة الثانية.

ولكن لا بد من الإشارة إلى وجود خط قد تفقد موسكو كل نقاطها المكتسبة وراءه في الحالة الثانية الآنفة الذكر، وهو الإطاحة بنظام بشار الأسد بالقوة. ومن الممكن حدوث هذا السيناريو ليس فقط من خلال تدخل دول الناتو العسكري بل وعبر تحرك القوى الداخلية المعتمدة على المساعدات السياسية – المعنوية والعسكرية – التقنية من الخارج. وفي هذه الحالة بالذات يمكن أن تخسر روسيا ببساطة ثمار لعبتها نظرا لنضوب إمكانياتها لمواصلة دعم النظام السوري في المحافل الدولية.

من هذا المنطلق ينبغي على روسيا، منطقيا، الاستعداد لإجراء انتقال سلس للسلطة في دمشق. وليس من أجل تأمين مواقع لها في سورية الغد لأن هذا الأمر يعتبر قليل الاحتمال، بل لإتمام جولتها وإظهار تلك الحقيقة البديهية أن حضور روسيا كان ضروريا لإنهاء الأزمة بل وربما كان التوصل إلى نهايتها أمرا مستحيلا دون مشاركة موسكو.

ووفق نظرية "الواقعية السياسية" تماما التي صاغها عالم السياسة الأميركي هانز مورجانثو في حينه، لا تنصب جهود روسيا على البقاء في سورية أو في الشرق الأوسط تحديدا، بل وعلى حفاظها على ما يسمى بـ "سلطة التحكم" إلى جانب الهيبة والنفوذ، أي من أجل الإبقاء على قابليتها للتأثير على سير الأحداث واستمرار تواجدها في ساحة الملعب الدولي والنظر إليها – في عيون اللاعبين الآخرين – باعتبارها قوة كبرى ذات شأن.

فيودور لوكيانوف، رئيس تحرير مجلة "روسيا في السياسة العالمية"

أنباء موسكو

14 يونيو 2012

Related Posts

مؤسسة الكومبس الإعلامية © 2021. All rights reserved
Privacy agree message   سياسة الخصوصية , مؤسسة الكومبس الإعلامية
No, Review