Lazyload image ...
2014-05-29

الكومبس – مقالات الرأي: بعد توقف قطار الانتخابات البرلمانية الأوربية وما تمخضت عنها من نتائج، بات دعاة الاتحاد الأوربي في قلق حقيقي من تبعاتها. ففي الوقت الذي ينشد هؤلاء تقوية شكيمة الاتحاد الأوربي ومنحه صلاحيات تثلم بعض الشيء من صلاحيات البرلمانات الوطنية وأيضا ترفع من أسهم ما يسمى بالقوة السياسية والاقتصادية لأوربا الموحدة، نجد أن الانتخابات قد أفرزت نتائج تهدد هذين الملمحين بعقر دار مؤازريها. فقد جلبت النتائج صداعا شديدا لأصحاب الوحدة الأوربية بعد أن ظهر للعيان الصعود المدوي للمناهضين لبناء أوربا الموحدة من الأحزاب اليمينية والمتطرفة التي دائما ما تفصح برامجها عن عداء سافر للأجانب وتناغم مع خيار تفكيك الاتحاد الأوربي الذي يسبقه تشكيك دائم بمؤسسات الاتحاد وجدوى وجودها.

الكومبس – مقالات الرأي: بعد توقف قطار الانتخابات البرلمانية الأوربية وما تمخضت عنها من نتائج، بات دعاة الاتحاد الأوربي في قلق حقيقي من تبعاتها. ففي الوقت الذي ينشد هؤلاء تقوية شكيمة الاتحاد الأوربي ومنحه صلاحيات تثلم بعض الشيء من صلاحيات البرلمانات الوطنية وأيضا ترفع من أسهم ما يسمى بالقوة السياسية والاقتصادية لأوربا الموحدة، نجد أن الانتخابات قد أفرزت نتائج تهدد هذين الملمحين بعقر دار مؤازريها. فقد جلبت النتائج صداعا شديدا لأصحاب الوحدة الأوربية بعد أن ظهر للعيان الصعود المدوي للمناهضين لبناء أوربا الموحدة من الأحزاب اليمينية والمتطرفة التي دائما ما تفصح برامجها عن عداء سافر للأجانب وتناغم مع خيار تفكيك الاتحاد الأوربي الذي يسبقه تشكيك دائم بمؤسسات الاتحاد وجدوى وجودها.

من الجائز القول أن الأحزاب الكبيرة المساندة لفكرة أوربا الموحدة ما زالت تمتلك الأغلبية في البرلمان الأوربي ولكن في المنظور العام نجد أن أحزاب اليمين المتطرف واليسار الراديكالي قد استطاعت ثلم مساحات حقيقية من جرف تلك الأحزاب داخل لوحة المقاعد في برلمان الاتحاد.وظهر جليا أن البرلمان القادم سيكون أكثر تجزئة وانقسام من سابقه، وأن أوربا ستواجه احتمالات ليست بالسهلة في تقرير خيارات برامج واستراتيجيات منظوماتها المؤسساتية، والتي يؤكد البعض من قادة الاتحاد على أمكانية أعادة توجهاتها بما يتناسب ووضع برلمان الاتحاد وخيارات مكوناته.

احتفاظ الأحزاب المؤيدة لأوربا موحدة بغالبية 521 مقعدا من أصل 751 من الجائز أن يبقي الاتحاد الأوربي على سابق عهده، على الأقل في الوقت المنظور، ولكن مع وجود أحزاب اليمين المشككة بأهمية الاتحاد الأوربي، يشكل لوحده وضعا غير مستقر وقدرة غير كافية ممكن لها أن تضعفه مع مرور الوقت . من الجائز أن تكون النقطة الأولى التي سيثيرها أعضاء البرلمان من خصوم الاتحاد، وتحت قبة البرلمان بالذات، هي استعادة بعض الصلاحيات الوطنية التي منحت سابقا للاتحاد الأوربي وإخضاعها مرة أخرى للقرار الوطني. في ذات الوقت سيكون الصراع محتدما حول رئاسة مفوضية الاتحاد. فمعاهدة لشبونة توصي قادة أوربا الأخذ بالاعتبار ما يتمخض عن نتائج الانتخابات في اختيار رئيس المفوضية، وهذه المعاهدة التي تنفذ بنودها منذ عام 2009 تهدف إلى أصلاح مستمر لمؤسسات الاتحاد الأوربي وعمليات صنع القرار فيه وتطوير سياسات مشتركة بين أعضاءه ومنح منسق السياسة الخارجية صلاحيات مناسبة ليكون بما يماثل وزيرا لخارجية الاتحاد والمتحدث الرسمي باسمها. وتوصي معاهدة لشبونة القادة الأوروبيين بأن "يأخذوا بالاعتبار نتائج الانتخابات في اختيارهم رئيس المفوضية. وسبق أن كانت هناك وعلى مدى عمر البرلمان الأوربي نزاعات حادة بين أعضاءه حول المرشح للسياسة الخارجية الأوربية أي رئاسة مفوضية الاتحاد. وفي هذا الجانب فأن الخلاف دائما ما يكون على تفسير النص اللغوي الذي قدمته معاهدة لشبونة. فالمجلس الأوربي وأيضا البرلمان يفسران النص بطريقة مختلفة. البرلمان الأوربي يشير لقوة التصويت، والناخبون هم من يختار بطريقة غير مباشرة رئيس المفوضية أي أن النجاح والقوة العددية هما من يفرضان طبيعة الشخص المرشح.

دائما ما كانت أحزاب يسار الوسط الديمقراطية واليمين الاجتماعي اللبرالي تتخوف من صعود أحزاب اليمين المتطرف ومثلها بعض أحزاب اليسار الراديكالي المعارضة لمؤسسات الاتحاد بل لمجمل فكرة الوحدة الأوربية، لتجد لها بعد ذلك موطئ قدم داخل البرلمان وتصبح قوة تفرض شروطا بعينها على مسيرة الاتحاد. ولكن انتخابات 25 أيارـ مايو 2014 كانت صادمة للكثيرين بعد أن دفعت لعضوية البرلمان أعداد ليست بالهينة من هؤلاء ليشكلوا قوة ضاغطة يمكن لها أن تزعزع وتحد من أطروحات الطرف الأخر المؤيد لأوربا الموحدة. وتمثلت قوة اليمين المتطرف في فوز الجبهة الوطنية في فرنسا التي تترأسها مارين ابنة مؤسس الجبهة جان ماري لوبان وحصولها على ما نسبته 25.41 % وحزب بريطانيا المستقلة بقيادة الداعي لانسحاب بريطانيا من الاتحاد نايجل فاراج حيث حصل على نسبة 29 % من القوة التصويتية في بريطانيا وحزب الفجر الذهبي اليميني المتطرف اليوناني الذي حصل على ثلاث مقاعد من مجموع المقاعد المخصصة لليونان ومثله حزب الحرية اليميني النمساوي وغيرهم من أحزاب اليمين المتطرف الذي كانت تصريحاتهم ضد الأجانب مثيرة وصادمة للرأي العام . ففي تصريح همجي للمتطرف جان ماري لوبان قال: المسيو إيبولا كفيل بحل المعضلة في غضون ثلاثة أشهر، ويعني في تصريحه هذا ترك الأفارقة على بؤسهم متمنيا أن يجتاحهم مرض إيبولا المعدي حيث يتكفل بالقضاء عليهم ويوقف تدفقهم نحو فرنسا. وجاراه اليميني المتطرف أندرياس مولزير عضو البرلمان الأوربي عن حزب الحرية اليميني في النمسا حين قال : ماذا يحدث لأوربا لو حكمتها مجموعة من الزنوج؟ ستكون هناك فوضى عارمة.

اللافتة التي ترفعا بشكل سافر أحزاب اليمين المتطرف التي صعدت إلى البرلمان في الانتخابات الأوربية 2014 ،دائما ما كانت تضرب على وتر الأزمة الاقتصادية في بلدان أوربا مشيرة لتدفق المهاجرين وكونهم يشكلون أحد أهم الأسباب في نشوء وتصاعد الأزمة الاقتصادية.ولم تقتصر تصريحاتهم على الطبيعة العنصرية لا بل كانوا سباقين في طرح أفكارا ومناهج للحد من تلك الهجرة لا بل منعها بشكل نهائي ، وفي دعواتهم تلك يشيرون دائما إلى منافسة المهاجرين في مواقع العمل وارتفاع نسب البطالة بين أوساط أبناء الوطن. ومثل فوز أحزاب اليمين المتطرف وما تقدمه من أفكار بالضد من المهاجرين قلقا مشروعا داخل دول الاتحاد الأوربي وخوفا متصاعدا من زيادة حدة التمييز العنصري والصراع المجتمعي وما يترتب عليه من عمليات سوف ترفع بدورها من حدة الأزمات وتصدع مقومات المجتمعات التكافلية وترفع من وتائر الأزمات الاقتصادية دون أن تكبحها.

هذه الإشكالية وغيرها من المسائل التي تعاني منها بلدان أوربا يمكن أن تفرض سطوتها على نقاشات البرلمان الأوربي القادم وتصعد أزماته، بعد أن خيب الناخب الأوربي الكثير من توقعات مؤيدي الاتحاد الأوربي بعزوفهم عن التوجه لصناديق الاقتراع، حيث بلغت نسبة التصويت في جميع بلدان الاتحاد البالغ عددها 28 دولة ما معدله 43.11 % وهي نسبة متدنية حين مقارنتها بانتخابات عام 2009 ، وسجلت أضعف مشاركة في جمهورية سلوفاكيا التي انضمت للاتحاد الأوربي عام 2004 حيث بلغت النسبة 13 % من العدد المتوقع للناخبين ، في الوقت الذي شكلت نسبة التصويت قوتها الظاهرة في جمهورية بولونيا التي بلغت قوة التصويت فيها 76 % . وفي الترتيب النهائي لخارطة برلمان الاتحاد الأوربي القادم يبقى الوضع السابق قائما ولكن اللوحة الجديدة دفعت إلى الواجهة بمستحقات جديدة حتما ستكون منها رهانات القوى القومية المتطرفة المشككة والمناهضة لأوربا الموحدة.

من مجموع عضوية البرلمان 751 مقعد حصدت أحزاب يمين الوسط اللبرالية الديمقراطية منها 214 مقعدا وأحزاب يسار الوسط الديمقراطية على 189 مقعدا وأحزاب الخضر والبيئة حصلت على 72 مقعدا في حين حصلت أحزاب ليبرالية أخرى على ما مجموعه 189 مقعدا وأحزاب يسارية على 42 مقعدا وأحزاب اليمين القومي المتطرف على أكثر من 46 مقعدا وتقاسمت أحزاب بمختلف التسميات البعض منها يميني أو يساري متطرف باقي مقاعد البرلمان.

فرات المحسن