Lazyload image ...
2012-10-27

منذ وقت ليس ببعيد، هلّلت أنقرة لسياسة خارجية قائمة على مبدأ ”عدم إثارة المشكلات مع الجيران”، حيث ستكون تركيا شريكة الجميع القوية والموثوق بها. والآن تجد نفسها على حافة حرب مع نظام بشار الأسد في سوريا، وعلى خلاف مع إيران، والعراق، وروسيا بشكل سيئ.

انظر إلى تركيا منذ عامين فحسب، كان يُوجد هنا شعب يكمن الربيع العثماني في خطواته. وبعد أن تعبت من رفض أوروبا لها، حاولت اغتنام فرص جديدة في الشرق. كان الاقتصاد مزدهراً وكوّنت أنقرة صداقات مع أعداء قدامى. وبشّر سقوط الطغاة العرب وتراجع القوة الأمريكية بظهور شرق أوسط مسؤول عن شؤونه الخاصّة. وهل يوجد نموذج للنظم الديمقراطية العربية الناشئة أفضل من تركيا؟

لا تزال إسطنبول تضج بطاقة فوضوية لاقتصاد صاعد، حتى وإن كانت وتيرة النمو قد تباطأت بشكل ملحوظ. كما أن الحكومة الإسلامية لحزب رجب طيب أردوغان، حزب العدالة والتنمية، لا يمكن أن يتم تهديدها من قِبل المعارضة السياسية الجادة. فلديها حلفاء في حركات الإخوان المسلمين بمصر، إضافة إلى ما هو أكثر من ذلك. ويخطط أردوغان لمسار شخصي من رئاسة الوزراء إلى رئاسة ذات سلطة كاملة.

لكن الزعيم التركي، مع ذلك، قد تجاوز الحد. ففي بلده، لا تتحمّل الحكومة على نحو متزايد المعارضة، حيث تتحرّش بمنتقديها في الإعلام وخارجه، وفي أحياناً كثيرة تسجنهم. ووصلت ثقة السيد أردوغان الوافرة بالنفس إلى حد جلي من الاستبدادية. وفي الخارج، لم تعد النزعة من أجل قيادة إقليمية تلامس الأرض بسبب الأحداث.

منذ وقت ليس ببعيد، هلّلت أنقرة لسياسة خارجية قائمة على مبدأ ”عدم إثارة المشكلات مع الجيران”، حيث ستكون تركيا شريكة الجميع القوية والموثوق بها. والآن تجد نفسها على حافة حرب مع نظام بشار الأسد في سوريا، وعلى خلاف مع إيران، والعراق، وروسيا بشكل سيئ.

أصبحت سوريا ساحة لصراع طائفي إقليمي. ولدى المعارضة المنقسمة دعم من قِبل أهل السُّنّة في تركيا، والسعودية، والأردن، ودول الخليج، والدعم الواسع من جانب الغرب. ويدعم نظام الأسد التابع للطائفة العلوية الشيعة في إيران، والعراق، كما أن لديه ضماناً روسياً بإحداث حالة من الشلل في الأمم المتحدة.

تم جر لبنان مرة أخرى إلى دوامة الطائفية. وتدعم قطر والسعودية الثوار السوريين من خلال تركيا؛ وتنتقم دمشق من خلال دعم الانفصاليين الأكراد في مواجهة أنقرة. ولتعقيد الأمور أكثر، يخفي الكثيرون من بين الأقليات الشيعية في تركيا تعاطفاً مع أتباع الطائفة العلوية في سوريا.

لا يمكن لوم أردوغان على هذه الفوضى. فبعد الثورات الشعبية في تونس، وليبيا، ومصر، كان يصعب على تركيا دعم اعتزام أحد الطغاة على القمع العنيف. وفي وقت سابق، تراجع الأسد عن أحد الوعود، التي قطعها وجهاً لوجه أمام الزعيم التركي، بقبول عملية التغيُّر الديمقراطي، فهو يفضل القصف المدفعي للمدنيين السوريين.

تركيا، مع ذلك، أساءت التقدير. فلقد كان حزب العدالة والتنمية بطيئاً في دعمه للثورة الشعبية ضدّ الحاكم الليبي معمر القذافي. ولم يرغب أردوغان في تكرار الخطأ عندما ملأ المتظاهرون الشوارع في سوريا، لذا أراد نهاية سريعة لنظام دمشق دون أن يفكر فيما إذا كان لديه الوسائل لتحقيق ذلك. واستخف بقدرة القوات الموالية للأسد على الصمود وبالغ في تقدير استعداد الولايات المتحدة لإهدار الدم والمال من أجل إجباره على التنحي من منصبه.

لايزال الخطاب التركي يسبق التصرفات الموجودة على أرض الواقع. ووفقاً لتقديرات المسؤولين الغربيين لايزال القائد السوري يسيطر على أكثر من 70 ألف مجموعة موالية من الجنود، إلى جانب ميليشيات الشبيحة المسؤولة عن الكثير من أسوأ صور العنف ضد المدنيين. ومع منع حدوث انقلاب من داخل دائرته الداخلية الخاصّة، أو تغيُّر في الرأي في موسكو، يمكن قول القليل لدعم الرأي القائل إن الأسد لا يستطيع الاستمرار لبعض الوقت بعد.. فالمعارضة منقسمة وأقل تسليحاً على نحو سيئ.

ووفقاً للتقديرات الرسمية، كانت نتيجة هذا إيواء تركيا أكثر من 100 ألف لاجئ سوري. وقد يكون الرقم الحقيقي ضعف هذا. وتم احتواء تبادل متقطع لإطلاق النيران بين الجيش التركي والقوات الموالية للأسد حتى الآن، لأسباب رفض الرأي العام التركي، بأغلبية ساحقة، التصعيد ليس أقلها. ولكن المواجهات المسلحة دائماً ما تكون عُرضة لأخطاء التقدير على أرض الواقع، فقد يكون أمام الجانبين بعض القذائف الشاردة فقط تفصلهما عن الحرب.

يبدو أن السخرية من مأزقه أنست أردوغان مشكلاته. فمن وقت ليس بالبعيد كانت تركيا ترحب بتراجع أمريكا عن السيطرة الإقليمية. والآن تأسف لرفض الولايات المتحدة توليها القيادة، فأفضل ما قدّمته الولايات المتحدة هو الدعم اللوجيستي والاستخباراتي للثوار والمساعدة الإنسانية للاجئين. وتريد أنقرة مناطق عازلة على الأرض ومناطق حظر طيران في الجو.

رد الولايات المتحدة هو أنها لا تملك الاهتمام الاستراتيجي الكافي لتضع قواتها الخاصّة في طريق الأذى. وهي أيضاً قلقة من أن الأسلحة المتطورة التي يتم إمداد الثوار ”المعتدلين” بها ستسقط قريباً في أيدي الجهاديين الذين احتشدوا من أجل دعم قضية المعارضة السورية.

تم التخلي عن أردوغان وهو يأمل في أن يكون باراك أوباما المنتخب للمرة الثانية أو ميت رومني الذي يتم انتخابه للمرة الأولى أكثر استعداداً في المستقبل لتحمُّل المخاطر. وعلى كل حال، فهم يتشاركون في هدف تركيا الأساسي وهو تغيير النظام في دمشق الذي يرحل غير مدمّر بقدر الإمكان من الدولة السورية الحالية. وكلما استمرت الحرب الأهلية كان من المرجح أن تسقط سوريا، مثل لبنان، في صراع طانفي مطول.

يبدو أن أردوغان، مع ذلك، غافل عن المنطق الكامن في صعوباته الحالية، فهو لايزال يلقي خطابات طويلة عن دور تركيا الجديد كقوة إقليمية في الشرق الأوسط تقوم بالكاد بإشارة عابرة لعلاقاتها الاقتصادية مع أوروبا أو علاقتها الأمنية مع أمريكا. ويبدو الأمر وكأنه يتعين على تركيا الاختيار بين الشرق والغرب. والحقيقة هي أن إحدى الركائز الغربية هي وسيلة ضغط قيمة في الشرق.

واحدة من القصص الكبرى في السنين الأخيرة هي الملاحظة التي جاءت في أعقاب الحرب العراقية هي أن الولايات المتحدة والأوروبيين لم يعد بإمكانهم أن يأملوا في خلق طقس سياسي يعتمد على الموقع الجغرافي في الشرق الأوسط. ولكن لا يعني هذا القول إن تركيا، أو أي دولة كبيرة أخرى تملك ما فيه الكفاية لأن تقوم بهذا الدور.

فيليب ستيفنز

فينينشال تايمز- الاقتصادية