Lazyload image ...
2014-12-05

الكومبس – مقالات الرأي: كثيرا ما يحلم المرء لو أن جمهورية أفلاطون الفاضلة حقيقة ماثلة في مكان ما على هذه الأرض لتكون ملاذا للمستضعفين ؛ لكنها للأسف ليست أكثر من يوتوبيا لمجتمع مثالي خيالي لا يعيث الانسان فيها فسادا؛ لذا هي غاية لا تدرك.

اذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يهاجر فورا (جلال عامر).

الكومبس – مقالات الرأي: كثيرا ما يحلم المرء لو أن جمهورية أفلاطون الفاضلة حقيقة ماثلة في مكان ما على هذه الأرض لتكون ملاذا للمستضعفين ؛ لكنها للأسف ليست أكثر من يوتوبيا لمجتمع مثالي خيالي لا يعيث الانسان فيها فسادا؛ لذا هي غاية لا تدرك.

بعض الدول ؛ وهي قليلة جدا تحاول تحقيق ولو جزء يسير من رؤية أفلاطون ولعل السويد هي واحدة من تلك الدول حيث العدل أساس الملك قولا وفعلا ؛ والحاكم في خدمة المحكوم. وهذا هو سر الابداع والتقدم وتبوء مكانة مرموقة بين دول العالم. لكن عندما يقع أي مجتمع رهينة فكر سلطوي وحكم جائر يصبح المجتمع مرتعا للفساد والنفاق والمحسوبية والقمع والتخلف.

من الأمور العادية جدا أن ترى مسؤولا كبيرا سواء برتبة وزير أو مدير عام ذاهبا الى مكان عمله على ظهر دراجة هوائية أو متنقلا بمواصلات عامة أو حتى سيرا على الأقدام دونما تكلف أو ازعاج وبلا حراسات أو اغلاق للطرقات.

القانون فوق الجميع من أعلى هرم السلطة حتى أدناها دونما تمييز؛ والنقد لأي مسؤول ينظر اليه على أنه وسيلة لتحسين الأداء . ولعل ما حصل للقائد الأعلى لجهاز الشرطة في السويد وهو بمرتبة وزير عندما كان يقود سيارته بسرعة 45 كم/سا في منطقة حضانات أطفال ومدارس حيث السرعة لا يجب ان تتجاوز 30 كم/سا ؛ حيث رصدته دورية شرطية من جهازه فحررت بحقه مخالفة مادية . ردة فعل الوزير كانت التقدم بطلب الاستقالة فورا من منصبه بدعوى أنه خالف قانونا كان منوط به حمايته.

قد يستغرب الكثيرون أن مهنة جامع القمامة هي مهنة شريفة ولا ينظر لها بدونية ؛ على النقيض من ذلك ان من يمتهنها محظوظ كون مرتباتها عالية جدا وليس كل من يريد العمل بها يصل الى مبتغاه ؛ أما بعد انتهاء ساعات العمل فقد تجد جامع القمامة هذا جالسا في أحد المطاعم بجوار أحد الشخصيات المجتمعية الراقية دون تمييز بينهما بل قد تجدهما يتجاذبان بعض الحديث ولا يخجل جامع القمامة من التعريف بمهنته.

كذلك المهاجرون في السويد الذين تقارب نسبتهم 10- 12% من التعداد الكلي لهم نفس حقوق السكان الأصليين دونما تمييز . وللمهاجر الحق في حرية الاعتقاد والتعبيرعن انتمائه الوطني للبلد الأم بكل حرية دون رقيب أو حسيب أو خوف من عسس السلطة ؛ كما أن حفاظ الأبناء على لغة الأم ينظر اليه على أنه اثراء للثقافة ؛ لذا توفر الدولة مدرسين لهذا الغرض في كل المدارس.

بعد هذا السرد المبسط لا بد من اجراء مقارنة بين واقع الفلسطينيين في بلاد الأشقاء وبين حياتهم في السويد.

التجربة الفلسطينية

النموذج الصارخ لما يعرف بازدواجية المعايير هو في التجربة الفلسطينية التي بفترض أنها قضية العرب والمسلمين الأولى !.

منذ العام 1948 والفلسطينيون مشردون في كافة أصقاع الأرض والسواد الأعظم منهم يقيمون في مخيمات داخل الوطن بعيدا عن مدنهم وقراهم التي سلبت منهم أو في مخيمات أعدت لهم في دول الجوار العربي وكلها تفتقد الى مقومات الحياة الانسانية الكريمة.

أي سياسي عربي لا يكتسب صفة الوطنية مالم تكن القضية الفلسطينية جزءا من خطابه السياسي وحتى اللحظة لم يتحقق شيئا من أطنان وعود التحرير.

النقيض من ذلك تفضحه الوقائع والمماراسات ؛ فوثيقة السفر التي يحملها الفلسطيني لا قيمة لها في كثير من البلدان ؛ حتى عند بعض البلدان العربية المصدرة لها ؛ وهناك قصص وحكايا تشيب لها الرؤوس عما تحمله ويتحمله الفلسطينيون من حملة الوثائق.

هناك ظلم تاريخي لحق بالشعب الفلسطيني؛ والعالم بأسره يتحمل مسؤولية هذا الظلم لكن يبقى ما كابده الفلسطينيون على أيد ذوي القربى أشد مضاضة.

في لبنان كان هناك 15 مخيما؛ أربع منها دمرت : مخيم النبطية 1973 ومخيمي تل الزعتر وجسر الباشا 1976وأخيرا مخيم نهر البارد 2007.

ثم هناك مجزرة شاتيلا وصبرا والآف الشهداء ؛ وحرب المخيمات التي قادتها حركة أمل وفوق كل ذلك القانون الذي يحرم على الفلسطيني مزاولة أكثر من 70 مهنة ووظيفة.

في العام 1990 عندما احتل العراق الكويت اتهم الفلسطينيون بالولاء للنطام العراقي وتم تهجير قرابة ال 270000 فلسطيني ظلما وعدوانا بين عشية وضحاها. علما أن الفلسطينيين كانوا أول من ساهم في بناء الكويت الدولة.

وفي احتفالية الفاتح من سبتمبر عام 1995 أعلن معمر القذافي عن طرد كل الفلسطينيين المتواجدين فوق الأراضي الليبية ونفذ وعده بأن القاهم في الصحراء بين العقارب والأفاعي.

في العراق وبعد سقوط نظام صدام حسين تعرض الفلسطينيون الى الكثير من عمليات القتل والتشريد ووجد الكثيرون أنفسهم في مخيمات الوليد على الحدود السورية ومخيم الرويشد على الحدود الأردنية وتركوا ليواجهوا مصيرهم في الصحراء الى أن امتدت لهم يد البرازيل والتشيلي.

في سوريا وقع الفلسطينيون ضحية تقاطع نيران بين معارضة ومولاة كما هو حاصل الآن. مخيم درعا دمر عن بكرة أبيه ؛ ومخيم اليرموك من لم يمت قتلا مات جوعا وماعاد المكان الدمر صالحا للعيش وكذا الحال في مخيمي النيرب وحندرات في حلب . ورغم وقوف الفلسطينيين على الحياد الا أنهم فقدوا حتى اللحظة 900 شخص والآف المعتقلين في سجون النظام . والأدهى أن أبواب النزوح الى دول الجوار قد أوصدت في وجوههم.

أما في فلسطين فهناك سلطة بلا سلطة ؛ وعلى أرضها قد تقتل بدم بارد على أيد جنود الاحتلال الاسرائيلي ولا يحاسب القاتل على فعلته ؛ أو قد تنزع منك أرضك بقانون عسكري ولا من يعيد لك حقك ؛ أوقد تؤمر بهدم بيتك أو تدفع للجانب الاسرائيلي مقابل القيام بهذه المهمة ؛ وأشجار الزيتون التي تعتاش على ثمارها الآف الأسر الفلسطينية قد تحرق أو قد يقوم المستوطنون بسرقة المحصول.

في فلسطين لا أمان فقد تعتقل اداريا وتقبع في السجون الاسرائيلية لأشهر وسنوات دون أن تعرف التهمة الموجهة لك . وفي فلسطين عليك أن تحمل هويتك على الدوام لأنك معرض لحواجز عسكرية ثابتة ومتحركة.

أما في غزة فعليك أن تتوقع الموت تحت أي ذريعة ؛ أو أن ينتهي بك المطاف في العراء بعد أن يدمر بيتك أمام سمع وبصر العالم وعليك أن تنتظر رحمة ربك التي قد تأتي أو لا تأتي كي تعود الى آدميتك؛ أما الشهداء فهم ذمة الله.

وفي غزة قرابة مليوني فلسطيني يعيشون في سجن كبير بين رحى الكيان الاسرائيلي وسندان مصر التي تتحكم بالمعبر الوحيد بين القطاع والعالم الخارجي والمعاملة عند معبر رفح حدث ولا حرج.

فلسطينيو الداخل من حملة الجنسية الاسرائيلية ليسوا أفضل حالا من أشقائهم فهم أيضا محرمون من الكثير من الحقوق والحريات الممنوحة للاسرائيليين اليهود.

في السويد لا وجود لأي من هذه الاجراءات المجحفة؛ فالمواطنة تعني المساواة ويكفي أن تحصل على حق الاقامة لتعامل معاملة المواطن من أبناء البلاد دونما تمييز . وأكاد أجزم أنه لو كانت السويد في دول الجوار لما طالت غربتنا الى هذا الحد.

بقلم قيس مراد قدري