Lazyload image ...
2014-03-06

 

الكومبس – مقالات: رُحلّت فاطمة تلك المرأة السورية التي ألتقيتها في إحدى مساكن اللاجئين في السويد، الى إيطاليا مع زوجها وأبناءها الثلاثة، حاملة أوجاعها ومخاوفها معها، بعد أن ترك أفراد عائلتها، بغفلة منهم بصمات أصابعهم فيها، كأول بلد أوربي، حطوا فيه رحالهم

الكومبس – مقالات: رُحلّت فاطمة تلك المرأة السورية التي ألتقيتها في إحدى مساكن اللاجئين في السويد، الى إيطاليا مع زوجها وأبناءها الثلاثة، حاملة أوجاعها ومخاوفها معها، بعد أن ترك أفراد عائلتها، بغفلة منهم بصمات أصابعهم فيها، كأول بلد أوربي، حطوا فيه رحالهم.

موجع كان حال فاطمة، وعندما يبلغ الوجع أقصاه، يبحر المرء في بحر حزنٍ عميق لا نهاية له، متسائلاً كم من القسوة والعنف يمكن ان يتحمله إنسان؟

فاطمة إمرأة قوية وإن لم تعلم بنفسها ذلك. تحملت ما لا يتحمله أشرس الرجال طبعاً، ما يمكن أن يحول الإنسان الى وحش ضاري، يفترس كل من يصادفه، لكنها وبإحساس الأنثى المرهف الذي تملكه، روضت ما عاشته من قسوة وعنف، وقبلت بإن يعتاشا على جسدها الواهن وروحها الرقيقة على أن يدفع غيرها الثمن.

عاشت فاطمة تتقاذفها أزماتها النفسية وهي ترتجف من مشفى الى آخر، فيما الأطباء يكتبون لها وصفاتهم الطبية التي لم تنجح في تطبيبها. فقد كانت موجعة الروح ومجروحة المشاعر، عدا كم الأوضاع المنهكة التي عاشتها.

في سوريا وقبل أن يخيم شبح الحرب والموت على البلد وأهله، عاشت في ظروف إجتماعية صعبة للغاية، أثقلت كاهلها وأضعفت صحتها وجسدها الى درجة الإنهيار، ثم حدث ما حدث في سوريا وكأن ما كانت تعيشه لم يكن بالكافي، حرب ضروس ومعارك في قريتها، وهي وحيدة مع أطفالها الثلاثة، لا تعرف أتحمي أولادها من نيران الأطراف المتصارعة ام تحمي نفسها من وحشية عناصر ميلشيا مقاتلة، أفتى بهم رجل دين ان يكفيهم التكبير على أية إمرأة، لينالوا منها غرضهم، كونهم في حالة حرب ويجوز لهم فعل ذلك! وكأنها غابة، الإنسان فيها وحش كاسر.

خاضت فاطمة ولعامين متتاليين، مخاضات آلم عسيرة، بدأت في مدينتها السورية حلب، مروراً ببيروت ثم ليبيا وما عاشته فيهما مع أبنائها الثلاثة من برد وجوع، ثم وصلت إيطاليا بعد ان أبحرت مع أبناءها في رحلة أستغرقت أربعة أيام، قضوا جُلها بلا طعام او شراب، محشورين في قارب، حُشر على متنه 300 مهاجر، فيما لا تزيد سعته الحقيقية عن 30 شخصاً، وبعدها وصلت السويد.

للأسف، لا تجيد فاطمة فن صياغة أحزانها، شعراً او رواية، فهي لا تتقن فن جدل الأحزان بالكلمات، والا لكانت قد كتبت أروع قصة إنسانية، بطلتها إمرأة، بعثرتها الأزمان وجعلتها تتشطى على مرافىء شطآن، مجنونة المياه، لا تعرف إستقراراً على موج!

فاطمة إمرأة بسيطة، أطلعتني على سرها قبل أن يتم ترحيلها، قالت لي، بإنها مشتاقة لمنزلها في سوريا ولكل زاوية فيه، صرفت عليه من الجهد ما لا يُستهان به، إشتاقت للعيش بلا خوف من الغد على أطفالها، وإشتاقت لإن تعيد الى نفسها كرامتها التي أهينت من أكثر من معتدي، إشتاقت لأن تجد نفسها سيدة في منزلها لا تتوسل السكن والإقامة في بلدان لا تعرف عنها شيئاً.

قبل أيام إتصلتُ بفاطمة، لم أكن أعرف بترحيلها الذي تم بشكل سريع جداً، جاءني صوت زوجها بعيداً، ليخبرني بإن أوضاعهم في إيطاليا “بائسة”، ثم أعطى الهاتف لفاطمة لتتحدث، بدى صوتها أكثر بأساً من صوت زوجها، رغم معرفتي الجيدة بالآلم الذي كانت تعانيه، سالت عني وسألت عنها، أخبرتها بإنتي أتصل بها لأقدم إعتذاري عن عدم مقدرتي لزياتهم في مسكن اللاجئين، حيث إعتدت زيارتهم فيه، قبلت إعتذاري بود ومحبة، قائلة “نحن في إيطاليا، سُفرونا بشكل سريع. لم يعطونا فرصة”. ثم غاب صوت فاطمة… إنقطع الإتصال.

لينا سياوش

Related Posts