Lazyload image ...
2016-11-27

الكومبس – مقالات الرأي: “يستطيع الكذب أن يدور حول الأرض في انتظار أن تلبس الحقيقة حذاءها” مارك توين. انتشرت “كذبة” أو “سوء فهم” في الآونة الأخيرة بين القادمين الجدد إلى السويد، بشكل كبير، مفادها أن الأشخاص الذين لا يشاركون في دورة “التوجيه الاجتماعي” أو ما يسمى بـ “المجتمع السويدي” من خلال برنامج الترسيخ فإنهم لن يتمكنوا من الحصول على الجنسية السويدية مستقبلاً.

تمكنت الكذبة من النضوج وسط كم المعلومات الهائل الذي يتلقاه القادمون الجدد، وبالتالي ضياع فرصة التحليل والتأكد من المعلومة، في خضّم ماراثون التنقل بين المؤسسات الحكومية المختلفة وهم حاملين لمُصنّفات تحتوي على “دزينة” من الأوراق والطلبات والمعلومات المختلفة، علاوة على الضغط النفسي الذي تعاني منه الأكثرية في بداية مشوار الحياة الجديدة والمشاكل التي سافرت مع اللاجئ واللاجئة، والمعروفة لدى الجميع.

هذا بالإضافة إلى عنصر اللغة التي تتطلب سنوات عديدة لإتقانها إلى درجة قراءة النصوص القانونية والأخبار وتحليلها وقراءة مابين السطور، وليس إلى درجة التواصل فقط التي قد يتمكن منها البعض في غضون عدة أشهر بحسب الظروف والإرادة.

منبع “الكذبة” أو سوء الفهم، أو أحد منابعها ربما، كان مجرد مقترح لحزب المحافظين Moderaterna السويدي المعارض، حين أعربت رئيسته “آنا شينباري باترا”، في 22 شباط/ فبراير 2016، عن رغبة حزبها بإلزام جميع المشاركين في خطة الترسيخ بحضور دورة المجتمع السويدي، وإجراء امتحان بها، ومن لا يتمكن من النجاح يتوجب عليه إعادة الدورة والامتحان.

حزب المحافظين يقود تحالف المعارضة في البرلمان السويدي، وبالتالي فهو غير مخول بسن قوانين وتنفيذها لوحده في الوقت الحالي، وإنما فقط يطرح رغباته من أجل جذب الناخبين بين الحين والآخر، مثل ما تفعله كل الأحزاب السياسية الأخرى عبر مقترحات تلفت الانتباه إلى أمور سقطت عن عناوين الأخبار، وبالتالي فالاقتراح ليس حقيقة علمية محفورة على ألواح صخرية طالما الحزب موجود في المعارضة.

مع استقبال اللاجئين.. ولكن؟

حزب المحافظين المذكور، الحريص على “المساواة”، ترفض البلديات الثريّة، التي صوت أغلب سكانها له، استقبال اللاجئين بحجة عدم توفر مساكن، بلدية Danderyd مثلاً، لم تقم ببناء أكثر من 10 شقق للإيجار خلال 12 عاماً، فيما تتركز عمليات البناء لبيوت التمليك والفيلات والشقق الفارهة بأسعار باهظة لا تناسب إلا الأثرياء وأصحاب الشركات، وهناك أيضاً بلديات كــ Täby و Nacka و Vaxholm والسلسلة تطول.

سياسيو هذه البلديات من حزب المحافظين أعربوا دائماً عن رفضهم استقبال سكّان جدد، ليس فقط من اللاجئين، بل أيضاً من الموظفين أو العمال السويديين الذين يتقاضون معاشات، وذلك للحفاظ على أسعار مرتفعة للمنازل المخصصة لأصحاب الشركات ورؤوس الأموال والأثرياء الذين، بالطبع، لا يتقاضون معاشات من أحد.

وللأمانة فإن العديد من هؤلاء الناخبين لا يعترضون على فكرة استقبال اللاجئين، لكنهم يفضلون بقائهم بعيداً وسكنهم في مناطق أخرى من السويد.

ماذا عن الباقين؟

في العام 2014 حصل 110,610 شخص على الإقامة في السويد، ما بين لجوء ولم شمل وإقامات عمل وأصحاب شركات وطلاب وباحثين ومواطنين أوروبيين، وفي العام نفسه كان 43,033 شخصاً مشاركاً أو مقبلاً على المشاركة في خطة الترسيخ، أي من يحصل على التعويض الأدنى قبل انطلاق الخطة.

ما يعني أن 39% فقط من القادمين الجدد، شاركوا في خطة الترسيخ عام 2014، ومن هؤلاء حضر ثلثهم فقط دورة التوجيه الاجتماعي، لأسباب مختلفة، وبذلك تنخفض النسبة إلى 13% تقريباً من مجموع القادمين الجدد إلى السويد.

ماذا عن الـ 87% الباقين؟ ماذا عن كبار السن؟ طلاب الجامعات؟ أصحاب الشركات الخاصة؟ الأطفال؟

حتى لو تلقى الأطفال تعليمهم كله في المدارس، لكن إذا اعتبرنا أن سوء الفهم أو “الكذبة” صحيحة ودقيقة، لأجبر كل هؤلاء على ترك مدارسهم وأعمالهم وشركاتهم ودور “عجزتهم” ومستشفياتهم من أجل الالتحاق بدورة التوجيه الاجتماعي كي يحصلوا على الجنسية.

“سَمِعْنا”

طبعاً لا يمكن تأكيد أو نفي أي شيء قد يحصل في المستقبل، مثلاً فرض شرط التمكن من اللغة السويدية أو معلومات عن المجتمع والتاريخ السويدي، لكن ليس بمنطق “الكذبة” ذاتها، أي تنفيذ دورة مؤلفة من ستة أسابيع تكون مصيرية في تحديد إمكانية الحصول الجنسية من عدمها!

نسبة لا بأس بها في مجتمعنا تعتمد على ثقافة “سَمِعْنا” بدل ثقافة “البحث والقراءة والاستنتاج”، ربما يعود أحد أسبابها إلى مناهجنا التعليمية التي تعتمد على الحفظ ظهراً عن قلب وعلى سؤال معلم الصف دوماً، مصيباً كان أم مخطئاً، دون أي عناء في البحث والاستنتاج، وتؤدي بذلك انعكاساتها إلى تضارب ثقافي مع من تلقى تعليمه في السويد، الذي اعتاد البحث بشكل ذاتي حول أي معلومة يريدها.

للاطلاع على آخر تحديثات ومتطلبات وشروط الحصول على الجنسية السويدية، يتوجب الدخول دوماً وأبداً على الموقع المصدر، أي موقع مصلحة الهجرة migrationsverket.se المخولة قانونياً وحصرياً بمنح الجنسية السويدية، بدل الحصول على معلومات من أشخاص غير مخولين ولا مؤهلين، وبالتالي نَقع في فخ “سَمِعْنا”.

1401856_10153514325975276_387528370_o

نادر عازر

ملاحظة: المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس بالضرورة عن الكومبس، كما أنه لا يمثّل أي جهة أخرى.


Foto: Karl Baron