Lazyload image ...
2015-08-24

الكومبس – منبر: المتابع لنشرات الأخبار في هذه الأيام يمكن أن يتصور وكأن القارة الأوروبية، تتعرض إلى ما يشبه الغزو لأراضيها، ومن كل الجهات تقريبا، من قبل جحافل اللاجئين، خاصة من جهة الجنوب، من تركيا وقبرص شرقا إلى اسبانيا غربا مرورا بدول البلقان وإيطاليا وأجزاء من فرنسا، والجهة المنشودة دائما إما ألمانيا او الدول الاسكندنافية وفي مقدمتها السويد.

تصوير بعض وسائل الإعلام على أن ما يحدث على أطراف أوروبا الجنوبية يشابه الغزو، وتدعيم ذلك بصور ولقطات لجموع من كتل بشرية تحاول اجتياز الحدود، وصدامهم مع رجال الأمن، جعل العديد من المواطنين العاديين في أوروبا يتحسبون للأسوأ.

مقدونيا أعلنت قبل أيام، حالة الطوارئ في محاولة للسيطرة على تدفق اللاجئين الذين يسعون إلى الوصول إلى دول شمال أوروبا. فيما كانت الأمم المتحدة حثت اليونان ومقدونيا على احتواء “الموقف المتدهور”. وأفادت منظمة أطباء بلا حدود بأنها تولت علاج عدة أشخاص من اصابات جراء استخدام الشرطة قنابل صوتية والغاز المسيل للدموع بالقرب من قرية ايدوميني اليونانية الحدودية. وانتقد رئيس منظمة العفو الدولية للشؤون الأوروبية تعامل سكوبيه (عاصمة مقدونيا)  مع الأزمة وقال “السلطات المقدونية تتعامل على اعتبار ان هؤلاء الأشخاص مثيرو شغب وليسوا لاجئين فارين من الصراعات والاضطهاد.

هذا إلى جانب الأخبار شبه اليومية عن النجاح أو الفشل في بعض الأحيان، في انقاذ لاجئين من عرض أو شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وصل عدد من تم انقاذهم خلال 24 ساعة فقط، إلى أكثر من 3 آلاف شخص قبل أيام (21 و22 أغسطس).

 “إستثمار عواقب الهجرة عنصريا”

 التحسب للأسوأ لدى المواطن الأوروبي العادي، يعني بشكل أو بآخر تحويل الخوف والحذر من عواقب تزايد الهجرة، إلى مادة سياسية دسمة، يمكن استغلالها بسهولة من قبل الأحزاب العنصرية واليمينية المتطرفة، لزيادة شعبيتها خاصة بين المواطنين العاديين ممن يمكن اعتبارهم من أصحاب الدخل المحدود، وهم للمفارقة يعيشون عادة في ضواحي المدن الكبرى، إلى جانب فقراء المهاجرين. وهذا ما نشهده حاليا حيث تعيش هذه الأحزاب بنشوة عارمة.

 انتشار الأفكار العنصرية في هذه البيئة وجعلها وقود صراع بين مواطنين يجمعهم الفقر أو الدخل المتدني، أصبح يشكل خطرا كبيرا على النسيج الاجتماعي في أوروبا، هذا إذا أضفنا تأثير تراجع اليسار، وشعبيته في أوروبا عموما.

في أحدث استطلاعات للرأي، أجري في السويد، لم تكن المفاجئة في حصول الحزب الموسوم بالعنصرية، حزب SD على المرتبة الأولى في قائمة شعبية الأحزاب، بغض النظر عن مصداقية مؤسسة Yougov الجهة المنظمة للاستطلاع والمشكوك بمصداقيتها ومصداقية طريقتها، بل أن المفاجئة الصادمة كانت في استطلاع آخر بين، أن نسبة المؤيدين لهذا الحزب داخل رجال اتحاد النقابات العمالية LO  هي الأكبر، وكما هو معروف فان هذا الاتحاد هو معقل يساري تقليدي، ومن رحمه نشأ الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

ولعل تقارب أحزاب المعارضة الحالية من اليمين والوسط مع أحزاب الحكم اليسارية من مسألة الهجرة واللجوء فسح المجال أيضا أمام حزب SD أن يلعب دور المعارض الحقيقي لسياسات الهجرة وبالتالي الناطق الأصدق باسم المواطن العادي الخائف على أن يزاحمه اللاجئ الجديد على فرص عمله ومكان سكنه، بل على ثقافته الخاصة، وكل ذلك حسب الدعاية التي تطلقها الأحزاب والجهات اليمينية المتطرفة.

Migrants wait at Greece's border with Macedonia, hoping to enter Gevgelija, Macedonia

هل دق ناقوس الخطر؟

 

ولكن هل حان دق ناقوس الخطر؟ وكيف يمكن قراءة هذا الخطر المزعوم على القارة الأوروبية وانعكاساته على السياسة الداخلية للسويد، بشكل هادئ وموضوعي؟

نعم في أوروبا عموما وفي السويد خصوصا، يوجد قضية مهمة وملحة، أسمها الهجرة واللجوء، فرضتها أحداث خارجية تتمثل بحروب وصراعات لا يزال بعضها دائرة ليس بعيدا عن المجال الأوروبي الأمني. ولكن يجب أيضا الانتباه إلى الحقائق التالية عند تناول هذه القضية:

الحقيقة الأولى: في إحدى محاضراته قبيل الانتخابات البرلمانية السويدي في العام 2006، قال وزير الخارجية السويدي الأسبق، يان إلياسون إن السياسات الخارجية للدول باتت لا تنفصل عن مسائل السياسات الداخلية، ما يعني أن قضايا مثل الأمن والسلامة البيئية والاقتصاد وسوق العمل، أصبحت تتعدى عمل السياسة الداخلية للدول، لأن تداعيات الحروب والكوارث الطبيعية وغير الطبيعية في الدول الأخرى، هي التي تخلق أزمات داخلية، بسبب موجات الهجرة غير المنظمة  وانتشار الأوبئة والأمراض نتيجة الكوارث وانهيار الأسواق وغير ذلك.

كلام الوزير السويدي السابق وهو دبلوماسي محترف ترأس الجمعية العامة للأمم المتحدة، يجب ترجمته من خلال تقوية حضور السياسة الخارجية الأوروبية والسويدية في وقف الحروب والنزاعات الدائرة خاصة في الشرق الأوسط، القريب من المجال الأوروبي.

 

الحقيقة الثانية، لا شك أن الإعلام يساهم في تضخيم المشكلة، ومع أن السويد وألمانيا هما من أكثر الدول استقبالا للاجئين لا تزال أعداد من تم استقبالهم متواضعة مقارنة بما يمكن استيعابه ومقارنة بحجم حاجة هاتين الدولتين للاجئين مستقبلا، يبقى موضوع إدارة الاستيعاب وهو التحدي الذي يجب معالجته بطريقة عاجلة، إضافة إلى طريقة الترسيخ في المجتمع، والترسيخ له علاقة أولا وأخيرا بسياسات الاندماج.

الحقيقة الثالثة: يجب ملئ الفراغ السياسي الذي تستغله أحزاب اليمين المتطرفة، من خلال المزيد من التعاون بين الأحزاب التقليدية لاتباع سياسة لجوء وهجرة أكثر تنظيما وجدوى وواقعية، مع الأخذ بعين الاعتبار المصالح الوطنية والنواحي الإنسانية، وذلك بإصلاح القوانين المتبعة حاليا والتي تشجع على المتاجرة بالبشر وأرواحهم ووضعهم تحت مخاطر ركوب البحار وعبور الحدود وقسوة المهربين.

الحقيقة الرابعة: لا شك أن السويد تحكم من قبل مؤسسات، ولا يمكن أن تغير سياساتها بطريقة عشوائية أو حسب توجهات حزب معين، ومع ذلك يوجد مسؤوليات كبيرة أمام الأحزاب السياسة والنقابات والمنظمات المدنية، لتكون أكثر صراحة في طرح مشكلة اللجوء والهجرة والاندماج، وتداعياتها بطريقة أكثر موضوعية، وبالنقاش والانفتاح على وسائل الإعلام.

الحقيقية الخامسة: وهي تتعلق بالعمل المدني وزيادة النشاطات بين الأوساط التي لا تزال تحت تأثير الدعاية الحزبية اليمينية المتطرفة، والتي تهول من خطر اللاجئين بطريقة مبالغ بها، مع التغاضي عن الخطر الأكبر وهو تفشي العنصرية في المجتمع، ورفع درجة المسؤولية في صفوف المواطنين من أصول أجنبية لقطع الطريق على العنصريين من استغلال أي تصرف مسيء، والأهم من كل ذلك رفع درجة الشعور بالمواطنة والشراكة بالمجتمع، والتخلي عن الشعور بعقدة الدونية والاستيلاب والتهميش.

الحقيقة السادسة: يبدو أن ما يسمى بالمجتمع الدولي، وأوروبا تحديدا قد فشلوا إلى الآن في حل مشكلة اللاجئين بشكل فعال، على الرغم من الإجراءات التنفيذية المتلاحقة التي اقرتها الهيئات الأوروبية والدولية، حل مشكلة اللاجئين المتفاقمة، ينذر بما يمكن اعتباره ثورة لاجئين حقيقية، يمكن أن تمتد وتتوسع وتخلق مشاكل وقضايا أخرى، قد يكون أهمها تزايد ما يسمى بالإرهاب في قواميس دولية عديدة، وما قد يسمى بثورة الضعفاء في قواميس أخرى.

الانتباه لهذه الحقيقة ومعالجتها من جذورها يبقى هو الهدف الملح والعاجل.

د. محمود صالح أغا

Related Posts