Lazyload image ...
2015-08-14

الكومبس – منبر: لا يحدث دائما في بلد مثل السويد، أن يتعرض المارة في أماكن عامة لاعتداءات مباغتة، لكن طالما أن السويد تنتمي إلى العالم الحقيقي، ولا يعيش سكانها في المدن الفاضلة، يمكن أن يحدث ذلك.

قبل عدة سنوات قام أحد الأشخاص وبشكل مفاجئ بمهاجمة المارة وسط المدينة القديمة في ستوكهولم مستخدما أداة حادة، نقل على أثرها عدة أشخاص إلى المستشفى حالات بعضهم كانت حرجة، الشرطة ألقت القبض على الجاني، وتبين فيما بعد أنه يعاني من أزمات نفسية، ووضعت المسؤولية على العاملين بمركز العلاج النفسي الذين سمحوا له بمغادرة المركز قبل التأكد من سلامة حالة النفسية.

نسبة وقوع حوادث في الشوارع والأماكن العامة في السويد، أقل من غيرها في بلدان أخرى، والسبب لا يعود إلى قوة الأمن والمخابرات السويدية، ولا إلى كبر أنف وعيون عناصر هذه الأجهزة، السبب بكل بساطة، أن نظرية الأمن العام مرتبطة أيضا بما يسمى الأمن الاجتماعي، فالمجتمع مسؤول عن تأمين الحد الأدنى من احتياجات البشر، ومسؤول عن سلامة صحتهم النفسية والجسدية.

في البحث عن أسباب جريمة الإثنين الماضي في مدينة فيستروس، شمال غرب العاصمة، والتي باتت تعرف بـ “جريمة إيكيا” نجد أن هناك تغاضيا واضحا عن أهمية هذا الارتباط، بين أمن المارة في الأماكن العامة وبين الأمن الاجتماعي، عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع طالبي اللجوء، خاصة ممن طالت فترات انتظارهم في مراكز اللجوء والهجرة.

لا يوجد أي مبرر للقتل أو استخدام العنف، هذا شيء مفروغ منه. ولكن السؤال هو كيف نحمي المجتمع من أعمال القتل والعنف، وكيف نمنع المسببات التي تنتج هذه الأعمال.

هل يمكن ضمان سلوك طالب لجوء شاب يعيش لأشهر طويلة بأقل من 800 كرون بالشهر، دون أن يحاول السرقة مثلا؟ وهل يمكن ضمان تصرف شخص عاش في ظروف الحرب والمعارك والعنف، أن يبقى ينتظر أشهر طويلة دون أن ينعكس ذلك على صحته النفسية؟ وكم من حالات تفريق للعائلات وتشتيت شملها، بسبب قوانين وتعليمات لم الشمل، وبصمة دبلن وغيرها أدت بالتالي إلى حدوث حالات موت وانتحار ومحاولات انتحار وتهديد باستخدام العنف، مما أدى إلى تصدع و شرخ بنظام الأمن الاجتماعي.

من المهم أن تشكل “جريمة إيكيا” حافزا للتغير، لا كما يطالب اليمين المتطرف، بمنع الهجرة أو الحد منها، فهذا ليس حلا، لأن المماطلة بالبت في الملفات والتأخير بفرز نزلاء مراكز اللجوء إلى البلديات هو السبب، في اكتظاظ هذه المراكز، التي يجني أصحابها أموال طائلة من أرباح، بينما تتزايد مشاكل ومأسي سكان “الكامبات” ومراكز اللجوء مع كل يوم تأخير.

اختلاف التعامل والتناول لهذه الجريمة على لسان السياسيين والمحللين وعبر وسائل الإعلام، لم يمنع من ملاحظة مشتركات مهمة، ميزت طريقة تعاطي المجتمع السويدي مع مثل هذه الأزمات أو الحوادث، مشتركات أعطت مثالا قد يؤكد على الطابع السويدي الخاص المتبع في مثل هذه الظروف. ولعل أهم هذه المشتركات، تعامل وسائل الإعلام بطريقة بعيدة عن التحريض والتهويل وإطلاق الأحكام المسبقة وتعميم المسؤولية على المجموعة التي ينتمي لها المتهم. إضافة إلى البحث عن المسببات وتحليل الواقعة بشكل منطقي للاستفادة من دروسها.

الجريمة التي التصق أسمها بمكان حدوثها في أحد متاجر “إيكيا” العلامة التجارية الشهيرة في عالم المفروشات والأثاث المنزلي، أعادت إلى أذهان العالم سماع قصة إخبارية قد لا ترتبط بعلامة “الستايل” السويدي هذه المرة، فمعظم دول العالم تعرفت على أسلوب وطريقة تفكير السويديين من خلال ما تنتجه وتعرضه سلسلة هذه المتاجر، فيما يكاد يرتبط اسم السويد، بالأمن والهدوء ورغد العيش وحرية وديمقراطية المجتمع.

ولعل هذا ما أعطى لجريمة إيكيا، مساحات واسعة في وسائل الإعلام العالمية، والتي تناقلت خبر طعن أم خمسينية حتى الموت هي وابنها العشريني في وضح نهاري صيفي من قبل شاب له ملامح سمراء، مع الإشارة غير البريئة، من قبل بعض هذه الوسائل، إلى قبول السويد لأعداد كبيرة من اللاجئين في السنوات القليلة الماضية.

الواضح أن هذا الشاب الأسمر المتهم بالقتل قد قدم خدمة لا تقدر بثمن، لأصحاب خط في السياسة السويدية، يتبنى العداء للمهاجرين ولسياسة الهجرة السويدية المتبعة حاليا، هذا ما نقرأه بتصريحات أطلقتها وتطلقها جهات يمينية متطرفة، منها تصريح الناطق باسم حزب “SD” بيورن سودر، عندما تهكم على ما قاله رئيس وزراء السويد السابق فريديك راينفيلدت بأن على السويد أن تفتح قلبها للمهاجرين ممن يستحقون الإقامة على أرضها هربا من العنف والحروب والاضطهاد، “هذا هي النتيجة جراء فتح قلبك يا فريدريك” التهكم اعقبه تحذير للشعب السويدي حول ضرورة الانتباه من خطر سياسة اللجوء والهجرة التي تتبعها الحكومة الحالية والحكومات السابقة، حسب ما كتبه سودر على صفحته في الفيسبوك.

الأصوات الأكثر واقعية من اليمين المعتدل استغلوا الحدث، للإعلان عن ضرورة تحمل مسؤوليات أكبر اتجاه سياسة الاندماج، التي وصفت من قبل البعض بالسياسة الفاشلة. فشل سياسة الاندماج يردها هؤلاء إلى بعدها عن الواقعية. ما المقصود بالمطالبة بسياسة اندماج تتمتع بواقعية أكثر؟ سؤال يمكن تخمين الإجابة عليه، ولكن ودائما حسب التوجهات السياسية لصاحب الإجابة، فهل الواقعة تعني الذهاب أكثر إلى التشدد؟ أم المطالبة بتغييرات تتعلق بسياسة الهجرة واللجوء وبطريقة استيعاب وترسيخ القادمين الجدد؟

وتبقى هذه الأسئلة تنتظر إجابات ما بعد الصدمة، صدمة ” جريمة إيكيا” لإعادة الاعتبار لنظرية الأمن الاجتماعي القائم على سلامة المجتمع وعدم التمييز بين مكوناته، خاصة أن طالبي اللجوء ممن طالت فترات انتظارهم أصبحوا جزء من هذا المجتمع، ولا يمكن التغاضي عن احتياجاتهم ولا يمكن تجاهل وجودهم بيننا وفي متاجر وشوارع وطرق ومدارس مناطقنا.

محمود أغا

د.محمود صالح آغا

رئيس تحرير شبكة الكومبس

Related Posts