Lazyload image ...
2014-12-27
منبر الكومبس: قبل يومين فقط من تاريخ الـ 29 من كانون الأول ديسمبر، وهو الموعد القانوني الذي يسمح بالإعلان رسميا عن إجراء انتخابات جديدة في السويد، توافقت أحزاب يمين الوسط المعارضة مع جناحي الحكم الحالي، الاشتراكي الديمقراطي والبيئة، على تفادي إجراء هذه الانتخابات، والتراجع بالتالي عن إعلان رئيس الوزراء نيته تنظيم انتخابات جديدة في مارس/ آذار القادم.
نصّ الاتفاق الذي أطلق عليه ” اتفاق ديسمبر ” على أن تمتنع أحزاب يمين الوسط الأربعة (المحافظين ” المدرات”، الشعب، المسيحي الديمقراطي، الوسط) عن التصويت عند إعادة تقديم الحكومة ميزانيتها الجديدة للبرلمان، إضافة إلى قيام تعاون بين أحزاب التحالف المعارض من جهة وبين أحزاب الائتلاف (الأحمر – الأخضر) من جهة ثانية، في ثلاثة مجالات على وجه الخصوص، هي: الدفاع والأمن، والطاقة، واتفاقية التقاعد، هذا التعاون سيبقى ساري المفعول إلى عام 2022. ونص الاتفاق أيضا على عدم السماح بمساس الحدود التي وضعتها ميزانية أحزاب (الأحمر – الأخضر) فيما يتعلق بدفع الضرائب المخصصة للدولة.
فيما لم يتطرق الإتفاق كما يبدو، مواضيع لا تعتبر خلافية بينهما مثل سياسة الهجرة وإستقبال اللاجئين

مقاييس الربح والخسارة جراء انجاز ” اتفاق ديسمبر ” يحددها المصطلح الذي استخدم في وصف الاتفاق överenskommelse وهو كما تدل الترجمة يعني توافق “كومبروميس” وهو نوع من الاتفاق على الحدود الدنيا، تقدم فيه جميع الأطراف تنازلات، إلى حد لا يمكن وصف أي أحد بأنه ”الرابح”.

صحيح أن حزب سفاريا ديموكراتنا “الإس دي” هو أحد أهم الخاسرين، وصحيح أيضا أن السويد هي من أهم الرابحين، لأن الاتفاق أنقذ البلاد من أزمة سياسية لم تشهد لها مثيلا في تاريخها المعاصر، إلا أن هذا التوافق قد يضع الحياة السياسية في البلاد بدون معارضة فاعلة، تقوم بدور المراقب والناقد لأداء الحكومة.
ولأنه لا يوجد حكم ناجح بدون معارضة قوية، حرصت أحزاب تحالف يمين الوسط على تأكيد المحافظة على دورها المعارض، وذلك ضمن نفس المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه عن الاتفاق. فما هي مساحة المعارضة التي ستنشط بها هذه الأحزاب الأربعة مقابل المساحة التي تركت لحزب سفاريا ديموكراتنا؟
فور الإعلان عن” اتفاق ديسمبر” سارع حزب “الإس دي” إلى تقديم مشروع قرار بحجب الثقة عن رئيس الوزراء ستيفان لوفين، بحجة أنه وعد الشعب بانتخابات جديدة، وتراجع عن وعده، ما يقلل من الثقة به كرئيس للحكومة، حسب ادعاء رئيس الحزب بالوكالة ماتياس كارلسون. وهذا ما يدل على أن هذا الحزب ينوي بالفعل تعبئة فراغ قد تتركه أحزاب يمين الوسط بعد ” اتفاق ديسمبر” .
المتابع لنتائج الاستطلاعات الأخيرة للرأي والتي أظهرت تراجعا ملحوظا في شعبية أحزاب يمين الوسط مقابل تقدم واضح في شعبية حزب الاشتراكيين الديمقراطيين وحزب “الإس دي” قد يجد تفسيرا أيضا لقبول أحزاب يمين الوسط بالحديث مع رئيس الوزراء لوفين، في اللحظات الأخيرة، بعد أن كانت أقطاب هذه الأحزاب المعارضة تكرر القول إن :” هذه مشكلة رئيس الحكومة، وعليه تحمل المسؤولية” وبالتالي انجاز التوافق الجديد.
ومع أن حظوظ الاشتراكيين الديمقراطيين بالفوز كانت بنسب أفضل في حال جرت الانتخابات الجديدة في مارس المقبل، إلا أن شبح تقدم “الإس دي” يبدو أنه أخاف الجميع.
ولكن أين حزب اليسار في خريطة الحياة السياسية السويدية حاليا؟ ما هو واضح فإن هذا الحزب يقف مع الحزب المناقض له حزب “الإس دي” في خندق المعارضة الحقيقية، أي أنهما مشتركان في الخروج من دائرة الحكم ومن دائرة التوافق مع الحكم، مع أن حلفاء الأمس الاشتراكيين الديمقراطيين والبيئة، حرصا على ذكر حزب اليسار في مناقشات الميزانية الجديدة التي ستقدم ربيع العام المقبل 2015
ومن غير المتوقع أن يظهر حزب اليسار معارضة شديدة، ويذهب أكثر إلى يسار الحكومة الحالية، ومع الاغراءات أمامه قد لا تقل عن الإغراءات الممنوحة أمام “الإس دي” إغراءات القيام بدور معارضة يسارية حقيقية للأول مقابل معارضة يمينة أمام الثاني.
تجربة الأزمة البرلمانية السويدية الحالية، والحل الذي توصلت له 6 أحزاب سياسية من أصل 8 أحزاب ممثلة في البرلمان، تبقى تجربة جديرة بالتأمل والدراسة: دراسة في فن الحكم والصراع على السلطة، الحكم والسلطة من أجل مصلحة الوطن ومن أجل صالح الوطن.

فطالما يوجد سياسة يوجد خلاف، وطالما يوجد حكومة توجد معارضة، وطالما توجد ديمقراطية حقيقية توجد كرامة للجميع.

رئيس تحرير شبكة الكومبس

د. محمود الآغا

 

Related Posts