Lazyload image ...
2017-01-14

مقالات: كانت هذه المرّة الأولى التي يشاهد فيها مثل تلك الغابات الكثيفة الموحشة, إنها تبتلع كل شيء حتى النور وأصوات العصافير, صمت مطبق لا يخترقه سوى صوت حفيف الأغصان الذي كان يشبه صوت همسات فتيات صغيرات حول مدفئة منزل ريفي في ليلة باردة, كان يتعاظم هذا الصوت مع كل هبّت ريح تسلك طريقها وسط غموض تلك الغابة المهيبة.

وقف صامتاً يتأمّل عمق هذه الغابة المظلم والريح تتلاعب بطرف بنطاله الأبيض من الأسفل فيرفرف بعنف ووتيرة منتظمة كعلم استسلام لكتيبة مهزومة, بلاد غريبة لا يعرفها, وروائح الطبيعة التي سكنت انفاسه يوماً في وطنه لم تكن تشبه روائح الأشجارهنا, حتى العشب تحت قدميه أحس وكأنه يلعن مَوْطَأ قدمه ليشعره بغربته أكثر فأكثر.

أخذ يكلم نفسه بصوت لا يشبه صوته وأنفاس مشبعة برائحة التبغ الذي لم يألف طعمه حتى هذه اللحظة

” مملكة السويد ..اسم ثقيل مهيب لا تحتمله بساطتي ودروشتي, ليست كقريتي الصغيرة ببساتينها التي أعرف كلّ شبر فيها, كلّ شتلة .. كلّ غرسة, حتى الأشجار أعرف وجعها وأعرف حين أجلس تحتها مقدار إمتداد ظلّها… مملكة السويد!!.”

كان يفكّر في منزله الذي تركه هناك خلف هذا العملاق الأخضر, كان يفكّر في صندوقه الخشبي العتيق, كان يفكّر في مستقبله المشبع بالجديد والمثقل بالتعليمات واللوائح, كان يجد مستقبله هنا مظلما, كتلك الغابة التي يحدّق بها وكأنه يحاول أن يقرأها.

ظهرت في هذه اللحظة إمرأة عجوز تجرّ بيدها كلب أبيض صغير مزّق صوت نباحه سكون المكان, أخذ يراقبها وهي تقترب منه بخطوات منهكة, راح يحدّق فيها و يبحث في تفاصيل وجهها عن إبتسامة ربما لتشعره ولو للحظات بالإنتماء الذي يفتقده.

عيناها زرقاوان بلون ستائرغرفته في موطنه الأم, أخذ يضحك في سرّه لهذا التشبيه الغريب, لاحت على وجهها إبتسامة عريضة دافئة وكأنها إبتسامة أمّه

حينما كانت تفتح له باب المنزل في القرية, حيّته تحيّة المساء بلغتها التي لا تخلو من نغم موسيقي مميز, فسارع لتحيّتها وبلغتها و بحروف متراكمة تائهة مع إبتسامة فيها لهفة الاشتياق لحضن وسكينة.

أخذت المرأة العجوز تبتعد رويداً رويداً حتى ذابت في تفاصيل الطبيعة المربكة بكثافتها وتعقيدها, وضع يده في جيبه وأخذ يعربد فيها بحثاً عن مفتاح منزله كعادته, كان يضع مفتاح منزله في كفّه ويضغط عليه بشدة, كمن يتمسّك بكيانه ووجوده على هذه الأرض الغريبة الملامح, أو ربما بسبب خوفه من فقدان هذا المنزل مرّة أخرى كما حدث معه في وطنه الأم.

إقتربت زوجته من خلفه وهي تحمل طفله لتقول له كلمات بصوت مرتجف وكأنه إرسال متقّطع لمذياع قديم على حافة نافذة زجاجية ملوّنة.

“لماذا تاتي دائماً إلى هذه الغابة؟؟..هناك بحيرة رائعة خلف تلك التلة لم تزرها مطلقاً.. ألا تريد أن تحضن إبنك”.

وضعت زوجته يدها على كتفه وسمع عندها صوت ضحكات طفله فاستدار ليشاهد صديقه وهو يقول كلمات لم يميّز بعضها ضاغطاً على كتفه مواسيا..

“ربما هذه الرسالة الأخيرة للمحققة ستعجّل في إتخاذ قرار لمّ الشمل.. قلبي معك يا صديقي…”

لم يستمع إلى ما قاله صديقه بعد تلك الكلمات, فقد أخذ يمشي بتثاقل متجها للبحيرة خلف التلّةً,كانت على وجهه إبتسامة غريبة لكنها حقيقية وفيها شيء من أمل.
بلال جركس

Related Posts