Lazyload image ...
2015-07-09

منبر الكومبس: كل مرة، أقرأ فيها التعليقات على صفحة الكومبس في الفيسبوك، أتذكرُ ما قاله لي رئيس التحرير ذات مرة: “من أهم ظواهر نجاح قوة انتشار الكومبس بين الجاليات العربية والناطقة بالعربية، تحولها لمرآة تعكس واقع المستوى الثقافي والاجتماعي الذي تتصف به هذه الجاليات عموما”.

فلا يمر حتى خبر صغير تنشره الشبكة على الفيسبوك، دون ان يتم تحويره، من قبل البعض، الى ما لا يتحمل، وتبدأ النقاشات العنصرية والاقتتال وكتابة الكلمات النشاز، والمعارك اللفظية السوقية.

فأمراض الجهل بالأشياء، والتعصب الديني والطائفي الأعمى، والعنصرية الفاضحة، وكذلك السطحية المفرطة، والسذاجة في تحليل ما يتم نشره، بدأت تضفي جواً ملتبساً ومشحوناً، على صفحة الكومبس في الانترنت، قد تعكس وللأسف، جزءا من صورة الواقع، رغم الجهود التي تبذلها الشبكة، لتحييد المكان الذي تمنحه للنقاش، ولجعله مكانا لتلقي الأخبار والمعلومات، جهود تُصرف فيها ساعات طويلة في اليوم، من الترجمة والتحرير والعمل الصحفي الذي تتميز به الكومبس، القائم على مزج الصحافة المحترفة، بصحافة المعلومات عن المجتمع الجديد.

هذا الجو الذي يفرضه العديد من الحاملين لهذه الأمراض من بلدانهم، يؤثر سلباً على الغالبية الصامتة من القراء، الذين يريدون الاستفادة من هذه التجربة الإعلامية الفريدة حقا من نوعها في السويد باللغة العربية.

 

واقع مرير لم تصنعه الكومبس

ومع هذا الواقع المرير الذي لم تصنعه “الكومبس”، حتماً، ويعتبر نتيجة طبيعية لما تمر به البلدان العربية من أزمات وتحولات جذرية عميقة، تتعرض الشبكة، الى هجوم عنيف، واتهامات من رهط من القراء، يريدون أن يروا الحقائق كما يتمنوها وليس كما هي في أرض الواقع، منطلقين من أفكارهم وتصوراتهم الجاهزة المسبقة، الحاملة لموروثات التخلف والجهل والتعصب الأعمى.

وكي أكون واضحاً، أتحدث هنا عن فئة القراء السلبيين دائما الأكثر تفاعلاً في الفيسبوك، وليس بالطبع، جميع المغتربين والمهاجرين، وغالبية القراء الذين يفضلون عدم المشاركة في التعليقات والنقاشات، لأسباب كثيرة، لا مجال لذكرها الآن.

البعض يحاول إظهار نفسه بانه يفهم أكثر من الآخرين، وانه “مندمج ” بالمجتمع السويدي حد العظم، فيقوم يمارس هذا الاستعلاء على الآخرين الى حد يصل إلى أنه يحدد ما يجوز وما لا يجوز، وفق “قيم المجتمع السويدي” ناسياً أو متناسياً عن عمد او جهل مطبق، انه يمارس فعل قبيح يرفضه هذا المجتمع أساساً.

هؤلاء مصابون بقائمة لا نهاية لها من الأمراض النفسية والعقد المستعصية، واحدة منها، الدونية التي يشعرون بها، وشعورهم الخفي بأنهم أقل من مواطني البلد الأصليين بكل شيء، لذلك عندما ينجح واحداً بينهم، في أي مجال من مجالات الحياة، يكون موضع إعجاب وثناء من السويديين أنفسهم، تراهم هم يسعون بكل الطرق التقليل من شأنه، وممارسة كل مظاهر الحسد والتشكيك فيه، للتنفيس عن ما بداخلهم من أمراض وعقد، في تعبير يعكس كم الخواء الذي بداخلهم.

 

السطحية المفرطة في التعليق

حتى أن أحدهم كتب معلقا على خبر نشرته الكومبس نقلاً عن التلفزيون السويدي Svt حول ما قاله بروفيسور الطب البيئي في جامعة أوميو بيرتل فورشبيري، عن أن موجة الحر العام الماضي تسببت في وفاة المئات من كبار السن، كتب قائلاً: ” ليش الكذب العام الماضي ما مات حد من الموجه ليش بتحبو تبهرو كل شي كومبس يا صديقي انتو فاشلين بدون احترامي الكم لعنكم الله”. ( إنتهى الإقتباس).

هذا التعليق يعكس جهلاً مُطبقا لدى فئة ليست قليلة، تتسم بالسطحية وقلة التعليم، توفرت لديها أجهزة تلفونات حديثة، تقوم بتصفح سريع للمواقع، وتعلق وتوجه الاتهامات، دون أن تُكلف أساسا نفسها عناء النقر على الرابط وفتح الخبر وقراءته.

فبديهي الكومبس لم تقم بإجراء أي إحصاء حول عدد من مات العام الماضي، وانما بروفيسور سويدي تحدث عن تقرير للتلفزيون السويدي، وهو مذكور منذ اول كلمة في الخبر!!

قد يكون كل ذلك مفهوماً، إذا نظرنا الى الأمر من وجهة نظر علمية تحليلية، ولعل ذلك يندرج فيما يُقال “ضريبة الفيسبوك أو التطور التكنولوجي”، فهذه الضريبة رغم الأذى الذي تُلحقه بالآخرين، فهي كما أظن، مفيدة جداً، لأنها كشفت ما كان مخفيّا لعقود، ووضعت الثقافة المتدنية تحت الضوء، من خلال أجهزة الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي.

 

ما الحل؟

نحن دائما نعتقد أن هناك مسؤولية على الجميع وان الحل هو في تحييد هؤلاء المرضى والمصرين على نقل ما هو قبيح وكريه والاحتفاظ به حتى بعد انتقالهم الى المجتمع الجديد، والحل هو في التفاعل الإيجابي، مع المواد المنشورة، وعدم الانجرار إلى تحويل النقاشات والتعليقات إلى مهاترات وشتائم والى الانحدار لمستويات متدنية في النقاش.

وما يتعلق بـ الكومبس، لا أظن أبداً، أن انتحال اسمها تارة، وإطلاق صفحات بنفس الاسم تارة أخرى، أو تحشيد الطائفيين والمتعصبين دينيّا ضدها، سيعرقل عملها، فهذا المشروع الذي تم إطلاقه قبل ثلاث سنوات، سيستمر، وينمو، لإن إطلاقه لم يكن صدفة او مغامرة صحفية، بل مشروع مؤسساتي يملك أسباب النجاح، ويبذل كل جهد ممكن لتطوير نفسه والارتقاء الى ما يصبو له، وهو أن يكون للسويديين الناطقين بالعربية، وجميع أبناء الجاليات العربية والمشرقية من مقيمين وطالبي لجوء وغيرهم صوت في هذا البلد الجميل، وجسراً لهم للدخول الى المجتمع، وصلة وصل بين بلدنا الجديد وبلداننا الأصلية.

نزار عسكر