Lazyload image ...
2016-10-26

الكومبس – مقالات: في دمشق حكى الكون حكاية طويلة عنها ، وعنا ، حكاية خفيفة الدم عن مدينة مُسلية تستهلك يومياً آلاف الأطنان من السكر و اللحوم بأنواعها ، و الخضار و المكسّرات . إنها مدينة أكولة لم تسدّ نفسها بشاعة الأبنية الإسمنتية التي تفتقد العمارة الجميلة ، ولا حلاقة شعرغوطتها الطويل، ولا تجفيف نهرها النحيل الذي صمد آلاف السنين و إختفى في سنوات كأن ساحراًأدخله في قبعته ! توسّعت لتصبح شيئاَ يشبه المدنية و يشبه الريف و يشبه البادية .

تحكي الحكاية عن كائنات يُسمَّون المشّترون يشترون ما يريدون متى يريدون. حين ضاقت الأماكن بهم دخلوا المدينة القديمة ليلتهموها كجوعى. وحدها خالتي كانت أخر الصامدين. خالتي التي تشبه الورود التي تزرعها في – أرض الديار – تجاهلها كل رجال الأرض، خافوا من جمالها، ظنّ الجميع أنَّ فيض المحبة و الاهتمام الذي تقدمه لزرّيعتها و قططها مسًّ . بعد أن يئِست من الأقارب و الجيران كانت جدتي ترغمها على الذهاب معها  إلى  كل حمامات السوق ، علّ إحداهنّ تتقدَّم لخطبتها، كان يرعبهنَّ قدّها و هي تمشي كعارضة أزياء تمازح الجميع داخل مقصورات الحمام، تلف المئزر حول خصرها و تلبس القبقاب الخشبي و تخفي صدرها تحت شعرها الطويل الأسود الداكن و قد أخذت من ورق شجرة النارنج لون عينيها. تلك الشجرة دائمة الخضرة التي طلب جدي قبل موته أن تّقطع لأن جذورها تقتلع الحجارة السود التي ترصف  – أرض الديار -. ماتت جدتي و لم ترى خالتي عروساً ، اعتقد الجميع أنها بقيت وحيدة في بيت كبير فيه أربع عشرة غرفة و خمس شجرات – نارنج ،كباد ، ليمون حلو ، ليمون حامض ، أكدنيا – و داليتين من العنب – البلدي و الحلواني – و مئات من –شقف – الزّريعة الصغيرة و الكبيرة و الأحواض التي تلتف حول –أرض الديار – الذي حوَّلته قطعةً من الجنة برفقة عائلة من القطط جدّهم كان أول قط تحتفظ به و هي طفلة. كانت تضع على رقبتهم طوق تصنعه من الخرز، وحين يموت أحدهم تضعه في – سك – من الجلد الصناعي لتدفنه في أرض كانت لجدي مقابل باب شرقي استملكتها الدولة. لم تكن وحيدة كانت تغني كل يوم – للجوري و الفل و المكحلة و السجادة و الشب الظريف و المستحية و كف العروس و راخي شعرة و لسان الحماية …- تعانق أسياخ الزنبق البلدي و تطبطب على الدالية و تعطي أوراق النارنج  لكل من يريد أن يطبخ الرز بحليب ، و توزع الشتلات لكل من يريد. كانت تزرع في أصص فخارية و تنك من كل المقاسات و كانت إذا أعطت إحداهن  زريعة و ماتت عندها تقطع صلتها بها، لأنَّها ترى ذلك رسالة من الزّريعة أنها شريرة و سيئة النية. يدها الخضراء لا تنضب تعطي الحياة و كأنها تعزف لحناً رشيقاً. حين كنت صغيراً كانت مدرستي الابتدائية في نفس الحي و كانت والدتي تسمح لي بالبقاء عندها هتى المغرب، كانت تساعدني في حل الوظائف، و تطبخ لي أطيب الطعام و كأني رجل البيت المدّلل، كان موعد عودتي من المدرسة هو نفسه موعد غنائها لورودها و زريعتها، كانت تفتح لي باب البيت و هي تتابع الغناء و ترحب بي بالاشارة و تسحبني إلى البحرة في منتصف أرض الديار كي أغسل يديّ إذا ماحاولت تجاهل ذلك، و في الشتاء كانت تقف في الليوان لتحتمي من المطر و تغني و كأنها مطربة على مسرح  أمام جمهور،  تشد شالها الأخضر على كتفيها من شدة البرد. كانت تتقدم في سرّ المحبة  و تتقدم في العمر أيضاً، يضعف صوتها جراء الضجيج أثناء تحول بيت جارتها -إم كاسم- إلى  فندق و بيت جارتها -أم نبيل – إلى مطعم غادرتا الحارة و تركتاها مع الضجيج و رائحة الفحم و الأراكيل. شكت همها لزّريعتها و كأنها تتنبأ بكارثة، كانت قلقة ممّا كانت تتوقعه، عاد خالي من غربته الأميركية بشكل مفاجئ مطالباً بحصته في الإرث بعد ما تواصل معه المشترون و قدموا له عرضاً كبيراً  مع التهديد و الوعيد.

تمسكت خالتي بموقفها الرافض حتى ذلك اليوم : تركت باب البيت مفتوحاً و سقت الزّريعة و أطعمت القطط  و دخلت إلى غرفتها الباردة  لتموت بالقرب مِمَّن تحب. حين دخلنا البيت في اليوم التالي كان لون البيت رمادياً، الدالية أسقطت أوراقها في غير موعدها  والأرض ملأى بحبات النارنج و الليمون، اصفرَّ كل أخضر في المكان و ذّبُلَ. كان ذلك يوم توقيع عقد البيع و كان المشترون قادمين و كان أيضاً انتحار جماعي في المكان .

Screenshot_٢٠١٦١٠٠٦-٠٩٢٩٥٦

أسامة شاكر

نورشوبينغ – السويد

Related Posts