Lazyload image ...
2015-08-05

الكومبس – مقالات الرأي: مشهدُ المئات من السُويديين الذين تجمعوا مساء أمس في ستوكهولم على عجل، وهم يُنددون بالعنصرية وبملصقات حزب سفاريا ديموكراتنا حول التسول، لا يمكن فصله عن الصراع العالمي الحالي، بين قوى التشدد والعنصرية من جهة، وقوى الديمقراطية الحقيقية التي تقف الأحزاب اليسارية والإشتراكية الديمقراطية، في مقدمتها من جهة ثانية.

فما حدث أمس، تعبير عن حدة هذا الصراع، بين معسكرين متضادين لا يمكن لهما الإلتقاء.

المعسكر الأول: أنصاره يؤيدون نظرية التفوق العِرقي لمجموعة بشرية دون أخرى، يرمون الشعوب الفقيرة وقطاعات المجتمع الضعيفة، التي دمروها بسياساتهم ونهبوا ثرواتها، بكل أنواع التهم التي تصنفهم على أنهم سبب ما يحدث في العالم من حروب وقتل ودمار، محاولين تغطية الفاعل الحقيقيالذي دفع الأوضاع الى ما وصلت عليه الآن.

المعسكر الثاني: معسكر قوى الانسانية والديمقراطية الحقيقية واليسار والعلمانية وآلاف منظمات المجتمع المدني التي ترى أن ما يحدث في العالم من حروب طائفية ودينية ومذابح وقتل، هي نتائج لأسباب موضوعية صنعتها قوى الرأسمالية المعولمة.

أصحاب هذا المعسكر يعتقدون أن هذه الشعوب أثبتت مرات عدة توقها الى العيش الكريم والى الحرية والسلام والتنمية، من خلال نضالات وثورات قامت بها ضد الأنظمة الرجعية والدكتاتورية، لكن لم يعد خافيا كيف ان قوى المعسكر الأول قمعتها وضربتها وتآمرت عليها، من خلال دعم تلك الأنظمة التي نشرت الجهل والتخلف فكان ان تحولت قطاعات غير قليلة من الفئات الضعيفة الى وقود للجماعات المتطرفة الإرهابية.

وخير دليل على ذلك، قليلة جدا هي تلك الدول والأنظمة التي تُعد دكتاتوريةولا تتلقى كل أشكال الدعم والتسليح من الدول الغربية وأوروبا.

ألعاب مكشوفة

سفاريا ديموكراتنا يلعب لعبته في ظل هذا الصراع، مستفيدا من هذه الأوضاع، ومن فشل سياسة الإندماج محاولاً إرعاب المواطن السويدي العادي، بأن الخطر قادم من الغريب والأجنبي، وهذه السياسة ليست غريبة على أحزاب لها جذور نازية، فتجارب الدول الأوروبية الأخرى تشهد نماذج مماثلة.

الحزب نشر ملصقات تعتذر من السُياح لمناظر التسول التي تغزو المدن السويدية من قبل فقراء دول الإتحاد الأوروبي، الذين يستفيدون من فتح الحدود، فيعبرون الى السويد والعديد من الدول الأخرى، للتسول.

بالطبع، الإعتذارله مغزى وغرض داخلي أكثر مما هو موجه للسياح. فالحزب يريد إستثمار تذمر السويديين من هذه الظاهرة، أي ظاهرة التسول، وتغذية المشاعر القومية القائمة على العِرق، وهي أن على التسوللا يليق بنا! فأصحاب التفكير العنصري والنازي، يريدون دائما حالهم حال كل المتشددين، أن يروا الواقع كما هم يحلمون به، وليس كما هو!

لا يريدون الإعتراف، بان التسول ظاهرة إجتماعية لها أسباب وجذور، قد لا تكون الأوساط اليمينية الأوروبية بريئة في خلقها، من خلال السياسات الإقتصادية القائمة على النهب والإستغلال وزيادة غنى الأغنياء على حساب الفقراء.

أصحاب الأفكار الجاهزة

ومع الإهتمام الذي أولته الصحافة السويدية بما حدث أمس، برزت أصوات عربية في وسائل التواصل الإجتماعي، أقحمت نفسها في نشر مواقف تفوح منها عنصرية أشد كرها من عنصرية الأحزاب المتطرفة في السويد، مستمدة من التفكير الجاهز، والسطحية في تحليل الأمور ومعرفة واقع وطبيعة الصراع السياسي والإجتماعي الذي تعيشه السويد، أثناء بروز وصعود نجم حزب سفاريا ديموكراتنا.

 

11800488_10153089837913479_2724626134360475451_n

أصحاب العديد من هذه الأصوات، تربّوا في بلدان إعتادوا فيها ان تقدم وسائل إعلام الحزب الواحد، والحكومة ذات اللون الواحد، الحقائق جاهزة وحاضرة لهم، خيطت على مقاس تفكير الحاكم والجلاد، لذلك عندما تتيح الفرص لهم العيش في بلد مفتوح مثل السويد، له تقاليد عريقة في التنوع والديمقراطية، يعجزون كما يبدو عن فهم وفك طلاسم ما يحدث!

الشعب السويدي، قال كلمته ضد العنصرية ويقولها كل يوم، رغم الضبابية وعدم وضوح الرؤية بسبب ما يسود العالم من حروب وإرهاب وقتل بدوافع عنصرية ودينية وطائفية.

إحتجاج ميترو ستوكهولم أمس، مثال واحد من مئات الأمثلة، التي تعكس قصة شعب حي، متمسك بقيم المدنية والتنوع الثقافي والديمقراطية الحقيقية، التي تنبذ العنصرية والتعصب والمتعصبين الذين أفرزهم التخلف والجهل والتشدد والإنغلاق.

1502462_789887914361352_1119695474_o

نزار عسكر

مقالات الرأي تعبر عن رأي أصحابها ولا تعكس بالضرورة موقف الكومبس

Related Posts