Lazyload image ...
2012-07-01

وصول امرأة يهودية يمنية وأولادها الأربعة إلى إسرائيل ربما لم يكن بالحدث المهم لولا الضجة التي افتعلتها الحكومة الإسرائيلية و"الوكالة اليهودية"، بالاستفاضة في الحديث عن ظروف مقتل زوج المرأة أهرون زنداني الذي لقي حتفه طعناً بالسكين قبل شهر في أحد أسواق العاصمة اليمنية صنعاء، وإظهار مدى إشفاق القادة الإسرائيليين على اليهود اليمنيين في الظروف التي يمر بها اليمن.

وصول امرأة يهودية يمنية وأولادها الأربعة إلى إسرائيل ربما لم يكن بالحدث المهم لولا الضجة التي افتعلتها الحكومة الإسرائيلية و"الوكالة اليهودية"، بالاستفاضة في الحديث عن ظروف مقتل زوج المرأة أهرون زنداني الذي لقي حتفه طعناً بالسكين قبل شهر في أحد أسواق العاصمة اليمنية صنعاء، وإظهار مدى إشفاق القادة الإسرائيليين على اليهود اليمنيين في الظروف التي يمر بها اليمن.

"الوكالة اليهودية" أصبغت على العملية صفات بطولية بمسحة إنسانية، عبر نشر معلومات مفصلة عن تعقيداتها وتكاليفها المادية الباهظة، وإبراز إصرار من خططوا لها ونفذوها على نقل جثة الزوج القتيل ليدفن في إسرائيل، ومواصلة الجهود لإقناع منْ تبقى من أبناء الطائفة اليهودية في اليمن بالهجرة إلى إسرائيل، وعددهم 130 شخصاً، بذريعة "كراهية اليهود والخطر على حياتهم"، وفق زعم مسؤول في "الوكالة".

قبل كل شيء، إن مقتل أهرون زنداني عمل غير أخلاقي طال روحاً بشرية دون وجه حق، وفظاعته أكثر قبحاً إذا ثبت أن خلفيته كانت بدوافع عنصرية، وكل التضامن مع أرملته وأطفاله الأربعة، فهذا واجب إنساني مستحق. لكن الحكومة الإسرائيلية و"الوكالة اليهودية" لم تقاربا مأساة عائلة القتيل من هذه الزاوية، بل حاولتا استغلالها في الدعاية لمصلحة إسرائيل، بتقديمها كواحة أمن وأمان وملجأ لليهود المنتشرين في أرجاء المعمورة، ولم تخلُ الدعاية من المزايدة على الثورات العربية والإساءة لها بمزاعم تنامي "كراهية اليهود"، فبعد حادثة مقتل زنداني ادعت مصادر رسمية أمنية الإسرائيلية وجود معلومات لديها باستعدادات تقوم بها مجموعات متطرفة لشن اعتداء على أهداف يهودية وإسرائيلية في تونس تزامناً مع احتفالات كنيس الغربية في جزيرة جربة، وهو ما نفته السلطات التونسية المختصة وثبت صحة نفيها وبطلان إدعاءات المصادر الأمنية الإسرائيلية.

إن خطاب الحكومة الإسرائيلية و"الوكالة اليهودية" بالكيفية التي وظفتا فيها جريمة قتل زنداني وترحيل زوجته وأولاده إلى إسرائيل، ينضوي في سياق دعاية سوداء ضد الثورات العربية، واستخدام لا أخلاقي لقضية إنسانية في تبرير الجرائم اليومية التي ترتكبها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، والتغطية على الجرائم التي ارتكبتها بحق اليهود العرب أنفسهم، من أجل قطع روابطهم بجذورهم وثقافتهم العربية، وتعميق الحواجز بينهم وبين المجتمعات العربية التي عاشوا فيها مئات السنيين في ظل سماحة القيم الإسلامية والمسيحية العربية.

فالمواطنون الإسرائيليون من أصول يهودية شرقية يعانون حتى يومنا من منظومة ثقافية يهودية أرثوذكسية يمارس عليهم من خلالها الإسرائيليون من أصول أوروبية اضطهاداً عنصرياً، بدأ في خمسينيات القرن الماضي تحت شعارات "تحضير اليهود الشرقيين لصهرهم ضمن مجتمع بمواصفات غربية"، و"منع تحولهم إلى جسر لإدماج إسرائيل بالمحيط العربي". وعرَّت أستاذة للدراسات الثقافية في جامعة نيويورك أيلة شوحاط واقع الإسرائيليين من أصول شرقية في كتابها "ذكريات ممنوعة"، مستعينة في ذلك على ما عانته في إسرائيل هي وأسرتها ذات الأصول اليهودية العراقية.

شوحاط خلصت في كتابها إلى أن المنظومة الاجتماعية السياسية في إسرائيل خطط لها كي تكون مبنية على نحو ينتج، بمنهجية، ويعيد إنتاج تأخر اليهود الشرقيين، وإضفاء مشروعية زائفة على عزل "المُرَكب" اليهودي" عن "المُرَكب الشرق أوسطي" لتفكيك الطوائف اليهودية في البلدان العربية والإسلامية واقتلاعها منها. ولذلك بقيت ثقافة اليهود الشرقيين ببعدها وعمقها العربي والإسلامي من جملة من تستهدفهم الأيديولوجية الصهيونية ذات البعد (اليهودي الأرثوذكسي)، ولا يدعو للغرابة أن الكثيرين من اليهود الشرقيين الذين هاجروا إلى إسرائيل مازالوا يعانون من صدمة الانتقال إليها، بفعل ما يلاقونه من اضطهاد طائفي في المنظومة المجتمعية الإسرائيلية، وتحقير لهويتهم وثقافتهم. وغالباً ما كانوا يوصفون من اليهود الغربيين بأنهم "أناس سقطوا في غيبوبة تاريخية، وحملوا معهم ثقافة اليشوف البائدة، التي تسبب عقدة دونية تدفع أصحابها إلى الانتماء لقبائل وتجمعات إثنية مفككة وغير مرغوبة"، والمقصود بـ(اليشوف) هنا ليس (التجمع الاستيطان) وهو التفسير الشائع، بل (اليشوف القديم) في إشارة إلى الجماعات اليهودية التي كانت تعيش على الصدقات.

للمصادفة كنت قبل أيام أعيد قراءة كتاب أثار اهتمامي عندما قرأته للمرة الأولى 2005، عنوانه "تحديات ما بعد الصهيونية" للكاتب الإسرائيلي إفرايم نيمني، يروي الفصل السابع من الكتاب قصة فتاة يهودية مغربية هاجرت أسرتها إلى إسرائيل، صدمها في صغرها تكرار من اختلطت معهم من اليهود الغربيين "أنت غير مغربية لأنك جميلة جداً"، وإحساسها في مرحلة الدراسة الابتدائية بشعور عميق بالاغتراب "دار أساساً حول التناقض بين ما كانت تعرفه عن نفسها، وما كان الناس يطلبون منها أن تفعله". وتضيف الفتاة التي كان اسمها هنريت دهان وغيرته معلمة الروضة إلى "أوفا": "فكوني لا أبدو مغربية جعلني محظوظة.. ثم وجدت نفسي أسيرة ما كنت عليه فعلاً كفتاة مغربية وما أراد الناس أن أكون عليه، ما جعلني أعاني من تمزق واضح بين الجيد والفاسد، والذي جاء أساساً من التصورات التي تُفرض على الناس بناء على المكان الذي هاجروا منه..".

الصدمة الأشد، والتي غيرت مجرى تفكير هنريت، أو أوفا، إلى الأبد، هي قراءتها لكتاب أطفال بعنوان "رومية الخادمة الصغيرة"، الذي نال مؤلفه ليفين كيبنس جائزة إسرائيل عن سيرته الذاتية. يحكي الكتاب قصة فتاة يمنية عمرها 12 عاماً، "مهاجرة تعاني الجوع والقذارة"، نقلها والدها إلى بيت للمستوطنين القدامى لتعمل خادمة لابن مستوطن.. تغيرت "الخادمة" في منزل أسيادها، فقد بدلوا اسمها إلى آخر أكثر قرباً من اللغة العبرية، ليصبح موريا بدل رومية، ثم اعتنوا بنظافتها وتمشيط شعرها. ويخبرنا الكاتب أن من استخدموها للخدمة عندهم "اعتقدوا أنها سنصبح كائناً بشرياً في وقت قصير، مستعداً لتعلم بعض الأمور"، وكانوا يعتبرون أن رومية، أو موريا، تحظى بميزتين هامتين، الأولى "والدها لا يطلب مالاً كثيراً في مقابل عملها"، والثانية "تبدو أفضل من أي فتاة أشكنازية لأنها تأكل قليلاً وتعمل كثيراً.. وكل ما تطلبه (رومية) هو عصا وحزام بحيث لا يستطيع الفرد أن يوجهها لمكان آخر..".

تقول هنريت وقد جاوزت الخمسين من عمرها: "عثرت على هذا الكتاب مرة ثانية عام 1991، إبان انعقاد الكتاب القومي في القدس، وعندما وضعت الكتاب بين يدي تملكتني مشاعر الاغتراب والاستياء وكراهية الذات، التي عانيت منها، وتفاقمت طوال طفولتي بسبب المعارف التي اكتسبتها من جانب البيئة الاجتماعية والتعليمية المحيطة بي، وجعلتني أصدق أن المزراحي (اليهود الشرقيين) قوم متخلفون وأغبياء وبدائيون ما اضطرني لاختيار البديل الأشكنازي، وفرض علي تدمير الجذور والهوية التي اكتسبتها من والدي.."

أما بعد؛ إن ما حل بعائلة أهرون زنداني يدعونا للشفقة عليها من وجوه عدة، مقتل معيلها وتهجيرها لزرعها في بيئة غربية عنها، وفوق كل هذا وذاك استغلالها في دعاية إسرائيلية سوداء ضد الثورات العربية، وبودنا لو كان باستطاعتنا أن نسأل هنريت اليهودية المغربية عن توقعاتها بشأن مستقبل هذه العائلة المنكوبة.

عامر راشد

أنباء موسكو

30 يونيو 2012