Lazyload image ...
2016-08-15

الكومبس – مقالات الرأي: اشتعلت الحرب في دول المنطقة العربية، وتعالت صرخات النزوح والهجرة من ويلاتها، ولم تنته بعد فلاتزال متأججة تضرم نيران حقدها على الانسانية خاصة في البلاد العربية.

وقد عني الكثيرون بالجوانب الانسانية و بتقديم الدعم الغذائي والطبي والسكني، لكن غاب عنهم إيلاء الجهود أيضا للجانب النفسي لأولئك الناس الذين نالت الحرب من خليتهم الاسرية وأودت بهلاكها.

من خلال عملي في أحد المكاتب الإستشارية الاجتماعية راعني ما يعاني منه الوافدون إلى أوروبا وعجزهم عن إدارة مشكلاتهم الزوجية والتي من اهمها الطلاق ومن خلال قراءتي لمشكلاتهم بدا جليا أن تلك المشكلات لم تكن وليدة الحرب فقط بل هي تراكمات سنوات طوال، بيد أن ظروف الحرب والنزوح والهجرة أبلغتها للذروة نتيجة الظرف النفسي المتأزم لكلا الزوجين في البلد الجديد، ومعاناتهم اصلا من مشكلات التكيف الإجتماعي، فغاب الإحترام والإهتمام وماتت المشاعر وكثرت المشاجرات الانفعالية والمفتعلة وكثرت الاعباء المالية وتفشت الخيانات وتهتكت الأستار.

من المعروف أن البلاد العربية تعيب في مفهومها وعاداتها وتقاليدها أمر الطلاق وتتمسك بالرابطة الاسرية رغم التنافر والتناحر وصعوبة التعايش، فالموانع القهرية للطلاق سواء كانت اجتماعية أم اقتصادية أم دينية كانت تدفع لاستمرار هذا الزواج والإبقاء على ديمومته، وقد طرحت أهم هذه الموانع القهرية في مقالة سابقة أذكر بعضها:(مسايرة الضوابط الاجتماعية، عدم إنصاف المطلقة العربية، الخوف من قطيعة الارحام وتاثير زواج الاقارب في الخصومة بين الاسر، تدخل الاهل في حياة وقرارات الابناء لما بعد زواجهم، تمسك المرأة بالاولاد خوف المرأة من الرجوع لسلطة الأب والأخ إلى ما هنالك…).

لهذا وبعد غياب هذه الموانع القهرية تكشفت الانفعالات المكبوتة المتمثلة بعدم التوافق الزواجي بشتى أشكاله الفكرية والعاطفية والاجتماعية والروحية والنفسية، مما أدى إلى انفجار انفعالي هائل وأصبح الطلاق أمرا عاديا و كشف عن الوهن لبعض تلك العلاقات المتسمة أصلا بالانفصال العاطفي وهشاشة الروابط الاسرية وسوء الاختيار أو ارتفاع سقف التوقعات من أحد الشريكين قبل الزواج، مما جعل الكثيرين من الوافدين إلى أوروبا يقدمون على الطلاق كحل وحيد وأصبحت دول المهجر ساحة لتصفية الحسابات وغدا الشريكان كمصارعين في حلبات الملاكمة. فإذا كان الطلاق ليس بالأمر المحبب ضمن المجتمعات العربية لكن وبحسب الشريعة الاسلامية هو أنسب الحلول اذا ما غاب الحب وإرواء المشاعر والعواطف والتفاني وبعد ان يحدث الفشل في إنعاش الحياة الزوجية واعادة هيكلتها، هنا تكون كل الطرق مؤدية للطلاق.

الطلاق من أهم المشكلات التي تواجهها الاسر العربية ولاسيما القادمين إلى أوروبا وبلاد المهجر، وللأسف غاب عن الكثيرين أن الطلاق قرار واختيار فكما ان هناك زواج ناجح هناك أيضا طلاق ناجح ، والعكس تماما.

لابد من اتخاذ قرار الطلاق بعد أن تغلق جميع الأبواب وتستنفذ جميع الحلول بكل هدوء وتراضي، وعلى الشريكين إدارة هذا الخيار بشكل عقلاني واع متحضر وأن يكون الطلاق ذا طابع أخلاقي فهذا يعكس صورة ايجابية ناضجة، وإنه لمن كمال النضج والوعي أن يقدم الطلاق كمشروع له استراتيجيات تحفظ حقوق الجميع، إذ لابد من اﻷناة والتمهيد والتخطيط فللطلاق آدابه وقدسيته وخصوصيته كما للزواج.

ومن المشين بحق الشريكين أن يأخذ طابعا ثأريا إنتقاميا ممزوجا بالتشهير والتحقير والتلاعن وإسقاط اﻵخر، فلا بد للشريكين المحافظة على خصوصية الطلاق فما كان خاصا في الزواج يبقى خاصا إلى ما بعد الطلاق، كسلوكيات الشريك والعلاقة الحميمية والكثير من التفاصيل المشابهة فمن كمال الاخلاق وقمة الرقي لدى الشريكين عدم التشهير وإنتقاص الآخر والابقاء على مساحة للتواصل مع الطرف الذي ابتعد عن الابناء بكل أدب، وإعتبار الطلاق مشكلة قد تمر بحياتنا.

ومن الخطأ أن تكون كل حياتنا فالطلاق العنيف والانفعالي والمتشنج له آثار سلبية جسيمة تنعكس على الشريكين إن لم يدار بتعقل وعلى الأبناء بشكل خاص لأنهم يتحملون الكفل الاكبر من تبعات هذا القرار، وهنا يتجلى دور الأب والأم ويتكشف الوعي لديهما عند إظهار التوازن أمام الأبناء حرصا على سلامتهم النفسية والسلوكية والحد من معاناتهم، فلابد من التشاركية والتشاور بين الشريكين بعد الانفصال فيما يتعلق بالأبناء لتنشيطهم وتحفيزهم بما يحقق لهم التكيف الإجتماعي الإيجابي وإبعادهم عن الاضطرابات النفسية.

ختاما: الزواج الناجح يوازي الطلاق الناجح لكل إستراتيجياته ومقوماته وآدابه وقدسيته وخصوصيته في الطرح والادارة. فهل نرتقي بأخلاقنا وتعاملنا مع الشريك وهل باستطاعتنا إيجاد مؤسسات إستشارية إجتماعية ونفسية بحجم معاناة جالياتنا العربية المقيمة والوافدة؟ فالامر خطير وينذر بكارثة مهولة لكل الاسر. رفقا بالقوارير… رأفة بالازواج… حرصا على الابناء. أدام الله أواصر المحبة ووقاكم شر الطلاق.

أنس الأطرش

مقالات الرأي تعبر عن أصحابها وليس بالضرورة عن الكومبس