Lazyload image ...
2016-08-24

الكومبس – مقالات الرأي: في حي جميل من أحياء مدينة مالمو السويدية، يسكن المناضل والشخصية الوطنية العراقية المعروفة (عبد الواحد كرم السلمان “أبو حسام”)، الذي قارع الظلم والقهر والإظطهاد منذ بداية أربعينيات القرن العشرين، ووقف بوجه سياسات الحكومات الرجعية في العهد الملكي، وكان نزيلاً دائماً في سجون حكومات العهد الجمهوري المختلفة، لوقوفه المستمر مع العمال والفلاحين ومناصرة المرأة والفقراء، إلى أن غادر العراق أواخر السبعينات، ليبدأ رحلة الغربة في المنافي المتعددة، حتى استقر به المقام في مملكة السويد نهاية ثمانينات القرن الماضي، وما زال أبو حسام وهو في التسعين من العمر في ذلك الحضور اللافت، حيث تغمره روح الشباب ويشع الأمل من نظراته ويحتفظ بذاكرة ثرية، تزدحم فيها الأحداث والمواقف والقصص والحكايات والطرائف والنوادر، والحنين إلى وطن انتزع منه عنوة وهو يتكأ على جرح غائر ما زال ينزف حتى اليوم.

هناك الكثير من الأحداث والمواقف والأعراف الجميلة التي طواها النسيان في بيئة وطبيعة أهوار العراق، التي أعادت لها الأمل مؤخراً منظمة (اليونسكو) في الأمم المتحدة، وصنفتها ضمن التراث العالمي في شهر تموز / يوليو عام (2016)، مسقط رأس (أبو حسام) في ريف العمارة ناحية المجر الكبير منتصف عام (1927)، في مجتمع فلاحي تسوده المودة والألفة الأسرية والتعاون والتلاحم العشائري، بالرغم من سطوة السراكيل وظلم الإقطاع والصراع الطبقي السائد آنذاك، فتعلم القراءة والكتابة في (الكّتاب) لمدة عام واحد، قبل أن تفتح الدولة المدارس الإبتدائية في ريف العمارة عام (1932) بطلب من شيوخ العشائر، ليلتحق بها وهو دون السن المسموح بها.

المدارس الإبتدائية في الريف

“أرد شيوخ العشائر أن يتعلم أولادهم التعليم المنهجي الصحيح فطالبوا الحكومة بفتح مدارس في مناطقهم الريفية، وأن تسمى هذه المدارس بأسمائهم فكانت مثلاً مدرسة: (المجيدية بأسم مجيد الخليفة، الحميدية بأسم حمود إبن خليفة، المنشدية بأسم سلمان المنشد، والشوائية بأسم شواي) وهكذا، وأغلب هذه المدارس في العمارة كانت عند (آل إزيرج)، بسبب الكثافة السكانية وكثرة شيوخ العشائر لديهم، وكل شيخ منهم يريد مدرسة بأسمه فأصبحت (12) مدرسة في ناحية المجر الصغير، بينما في ناحية المجر الكبير كانت ثلاثة مدارس فقط لدى الشيوخ (حمود ومجيد وفيصل)، وفي الكحلاء مدرستين لبيت محمد العريبي وبيت فالح الصيهود”.

وقد أكمل (أبو حسام) الصف السادس الإبتدائي عام (1938)، ولصغر سنه لم يتمكن من إكمال دراسته في (دار المعلمين الإبتدائية) في بغداد مثل أقرانه الأكبر سناً، الذين درسوا فيها لمدة سنتين وأصبحوا معلمين في المدارس الريفية التي تعلموا فيها، وقد تثقفوا بثقافة المدينة وتشربوا من أفكار الحركة الوطنية، ولمسوا انعكاسات الحرب العالمية الثانية وتداعياتها على العراق وعموم المنطقة، وعادوا محملين بالعلم والثقافة والوعي السياسي لينشروه بين الناس.

الإنتفاضات والأفكار التنويرية

“أنا واحد من هؤلاء الناس الذين استقبلوا هذا الوعي وتأثروا بهذه الأفكار التقدمية وأصبحوا من الدعاة لها،  وقد أثمر هذا الوعي عن تشكيل (جمعية أصدقاء الفلاحين في العمارة)، وأنتشرت أفكار حزب التحرر الوطني (الحزب الشيوعي) المحظور بين الفلاحين، وقد تم اعتقالي لحين محاكمتي عام (1942)، لتوقيعي على مذكرة تطالب بإجازة حزب التحرر الوطني، ثم قامت العديد من الإنتفاضات ومنها (انتفاضة آل إزيرج عام 1952) ضد شيوخ العشائر، الذين أرادوا أن يتملكوا أرض الدولة (الأميرية) فإنتفض الفلاحون ضدهم، وشكلوا الوفود وذهبوا إلى بغداد لمقابلة المسؤولين، ومطالبتهم بمنع شيوخ العشائر من تملك أرضي الدولة، وقد ترأست وفداً من ثلاثين فلاحاً من العمارة وأنظم إلينا المئات من بغداد، وقابلت رئيس الوزراء (أرشد العمري) ولكن دون جدوى.

وقد تحدثنا إلى العديد من رؤساء الصحف منها صحيفة الأهالي (الجادرجي)، والجبهة الشعبية (طه الهاشمي)، وقد نشرت الصحيفتان ملخصاً لمطالبنا، ثم ذهبنا إلى الجواهري وتبادلنا معه أطراف الحديث، فسألنا عما إذا سمعنا به من قبل، فقرأت له قصيدته المشهورة التي أحفظها (نامي جياع الشعب نامي)، فتعجب من ذلك، فقلت له: أني أقرأ لتلاميذ المدارسة القريبة منا، أشعارك وأشعار الرصافي حتى يحفظونها عن ظهر قلب، فخصص الجواهري افتتاحية جريدته للحديث عن مطاليبنا، ونشر نص المذكرة في الصفحة الثانية، فشكرناه على ذلك وأعطانا (15) نسخة من الجريدة وزعناها على أصدقائنا في الريف، وقد أصبحت منذ ذلك الحين معروفاً بين الأهالي، وبقي الحال كما هو عليه حتى قيام ثورة 14 تموز عام 1958 المجيدة”.

غربة الأهل والوطن

بعد ثورة 14 تموز رشح أبو حسام بالتزكية إلى (الإتحاد العام للجمعيات الفلاحية)، الذي كان يرأسه المناضل الكبير (كاظم فرهود)، وشارك لاحقاً في قيادة العديد من الجمعيات والإتحادات الفلاحية، بعد صدور قانون الإصلاح الزراعي الذي قضى على سلطة الإقطاع، وقانون الأحوال الشخصية الذي أنصف المرأة العراقية، وقانون النفط الذي وقعه الزعيم عبد الكريم قاسم، وقالت عنه الدوائر الأجنبية (لقد وقع قاسم على إعدامه)، وغيرها من القوانين لصالح عموم الشعب، فأزدهرت الحياة بكل تجلياتها وعم الخير على الجميع، وصدقت تلك المقولة وأعدم قاسم بعد إنقلاب (1963).

“كنت وقتها عضواً في محلية البصرة ومسؤول الأطراف في بغداد ومرشح للمنطقة في الحزب الشيوعي العراقي، وبعد إلقاء القبض علي وتعذيبي ومحاكمتي، صدر الحكم علي بالسجن (15) عاماً ورحلت إلى سجن (نقرة السلمان)، الذي قضيت فيه أربعة أعوام نقلت بعدها إلى سجن (الحلة)، وقد حفرت مع مجموعة من رفاقي منهم (جاسم المطير ومظفر النواب) وغيرهما، نفقاً يؤدي إلى خارج السجن ولم أوفق بالخروج من النفق، بعدها نقلت مع آخرين إلى سجن الرمادي وأضربنا فيه عن الطعام، ثم إلى سجن بعقوبة حتى عام (1968) حيث أطلق سراحي”.

في اشتداد الهجمة على الشيوعيين عام (1978)، غادر أبو حسام العراق إلى سوريا ثم لبنان وإلى سوريا ثانية، حتى وصوله إلى السويد عام (1989) لاجئاً سياسياً، حيث تلقى الرعاية والأهتمام ومارس حقه لأول مرة في حياته، حين أدلى بصوته في الإنتخابات السويدية باعتباره مواطناً سويدياً، وكان يومها ضيفاً على القنوات الفضائية العربية، ويحاول أبو حسام التأقلم والتغلب على تداعيات العمر وأمراض الشيخوخة، ويشكر السويدين دولة وشعباً لما يقدمونه له من راتب تقاعدي ومنزل يليق به ورعاية صحية على مدار اليوم، كل هذا لن يهون عليه غربة الأهل والوطن وصعوبة العيش منفرداً، فيستعين بالذاكرة لتسرح به في تلك المرابع من أهوار الجنوب التي جفت كما جفت مآقي العيون.

IMG_1551

محمد المنصور.

مقالات الرأي تعبر عن أصحابها وليس بالضرورة عن الكومبس

Related Posts