Lazyload image ...
2016-09-14

مقالات الرأي: لم أكُن أتصوّر أن تتسبّب نقرة جرس بالخطأ على باب عائلة سُويدية في عز النهار، بقدر كبير من الخوف والقلق والتوجس بين أفرادها، تليها اتصالات هاتفية، واستفسارات، وشكوك، وربما حتى بلاغ لدى الشرطة!

فطرقُ باب عائلة آمنة بالخطأ، من قبل ثلاثة أشخاص، يحملون ملامح وصفات “أجنبية” صارخة، مسألة صار لها أبعاد غير عادية في أيامنا هذه، التي نجني فيها ثمار غزوات “الجهاديين” للمدنيين الأبرياء في أوروبا.

ما حدث هو أن والدة صديق مقرب، فارقت الحياة قبل أيام في العراق، فما كان منّي ومن إثنين من الأصدقاء المقربين، سوى القيام بالواجب الإجتماعي المتعارف لدينا، في تقديم العزاء لصديقنا.

وبما أن صديقنا، اشترى مؤخراً، بيتاً في منطقة “فيلات” تكاد تكون جميع البيوت فيها متشابهة الى حد كبير، أخطأت في عنوان بيته، وقدّت السيارة الى الفرع الآخر المجاور، رغم أنني كنت مع صديق آخر عنده في زيارة قبل أيام من رحيل والدته، متوهما بأنني عرفت العنوان الصحيح.

توقفت أمام بيت، يكاد يكون نفس بيت صديقنا، حتى أن أحد الأصدقاء كان يجزم للدعابة انه لا يزال يعتقد أن بيت هذا السويدي هو بيت صديقنا للتشابه الكبير جدا بين البيتين.

وبالخطأ، طرقت الباب، بكبسة زر الجرس، مرة واحدة، فخرج رجل في الخمسينات من العمر، لا علاقة له بصديقنا، فأتضّح لي على الفور، الحماقة التي أرتكبتها، لكن صديقي بادر قبلي الى الإعتذار منه، وفعلت أنا وصديقي الآخر نفس الشيء، وانتهى كل شي، وفق قاعدة أننا بشر، وكل البشر في العالم، “ربما” يرتكبون أخطاء، في معرفة عناوين البيوت.

المهم، عزّينا صديقنا بعد ذلك، ولم أنتبه في اليوم التالي، الى أن هاتفي بدأت تصل اليه اتصالات من أرقام غريبة، وحتى بعض المكالمات من أرقام مخفية.

لا أخفي عليكم أنني أمارس في مثل هذه الحالات طقوس التجاهل والتذمر من شركات الإعلان، الى أن انتبهت أمس الى رقم غريب بدأ يلّح في الإتصال، فما كان مني الى أن جاوبت:

ألو .. أنا نزار مَن أنت؟

أنا ( … ) الذي طرقت بابه بالخطأ!

أها .. أهلا بك، لكن كيف حصلت على رقمي؟

حصلت عليه بعد أن سجلت رقم سيارتك وبحثت عنه!!

أوكي أنا أعتذر منك مرة أخرى عن ما حدث أمس.

لا ولا يهمك، لكن كنت أريد الإستفسار عن كيف يخطأ الإنسان في طرق باب الآخرين؟

يا”عمي” نحن بشر، ونخطأ، وإذا كنّا مصدر قلق وخوف لك، نعتذر مرة ثانية ويمكن لنا اعطاءك المعلومات عنّا لتسأل من تريد! فنحن كنا نريد زيارة جارك الجديد! وإسمه هو ( … ).

شكرا لك، آمل أن لا تخطأ مرة ثانية!

( إنتهت المكالمة )

بعد هذه المكالمة، عرفت أن صاحبنا لم ينم الليل من الخوف والقلق، ولم يكتف بما قلت له، فأخذ يبحث عن أسم جاره الجديد، ويريد التأكد من وجوده، ليعرف ما إذا كنّا فعلا من “البشر” العاديين الذين يخطأون، أم ” دواعش ” نخطط لشيء مريب!

عندما طلبت من صديقي المفجوع بوفاة والدته، الإتصال به وتطمينه، قام مشكورا بذلك، بالفعل، واستطاع بث جرعة مؤقتة من الطمآنينة فيه، لكنه مع هذا كان مستغربا من كيف أن الناس يغلطون في العنوان؟ وربما سأكون مسؤولا عن هذه الغلطة، لسنوات إذا ما حدث شيء في تلك المنطقة!

لن أطيل عليكم، فهذه واقعة بسيطة لكن تعكس مدلولات كبيرة جدا، تحتاج الى محللين وعلماء نفس لتفسير أسبابها وتداعياتها.

بالطبع لا أعتب على هذا الشخص، فهو في كل الأحوال يعكس، واقع حال هذا الزمن الأجرب الذي وصلته البشرية، بفعل الممارسات الإرهابية وحاضني وممولي مرتكبيها، وكيف أن جميع من يحملون ملامح شرق أوسطية هم في دائرة الشك والإتهام.

لم تكن أناقة ما كُنا نرتديه، ( صديقي كان يرتدي قميصا يحمل ماركة مشهورة ) كافيا لتعزيز شعور الأمان لدى صاحب العائلة الخائف من “شعرنا الأسود”، فهذا “الشَعر” وتلك الملامح الشرق أوسطية، هي ما تثير “الخوف” لدى مواطني هذا البلد الآمن!

جمعينا متهمون لأننا أجانب نحمل ملامح “شرق أوسطية”، مسلمين كُنّا أو مسيحيين ..

والمعادلة الجرباء لواقع اليوم هي انه لا ينبغي لنا أن نخطأ حتى في إيجاد عنوان بيت!! فالبشر “المتمدنين” لا يخطأون اليوم، وهم ليسوا مسؤولين عن إنتخاب حكومات ديمقراطية تقوم ليلا نهارا بإشباع غرائز حكامنّا الهمجيين في سفك الدماء، وتدمير شعوب بالكامل!

 وإذا كان هناك من يرتكب الخطأ فهم دائما وأبدا نحن الـ “شرق أوسطيين”!!

1502462_789887914361352_1119695474_o

نزار عسكر

[contact target_email=”nazar@alkompis.com” enable_url=””][/contact]

مقالات الرأي تعبر عن أصحابها وليس بالضرورة عن الكومبس

Related Posts