Lazyload image ...
2015-03-29

منبر الكومبس: اعتادت الأم أن تسأل ابنتها في كل مرة ترجع البنت إلى البيت من المدرسة، السؤال التقليدي: كيف كانت المدرسة اليوم؟

العائلة التي استقرت حديثا في السويد، بعد رحلة معاناة وهروب من ويلات الحرب في سوريا، بدأت تكتشف رويدا البلد الجديد ونظامه الاجتماعي وعاداته وتقاليده، ومن الطبيعي أن يكون لدى الوالدة فضول حول الحياة المدرسية لابنتها نتالي ( اسم مستعار) البالغة من العمر 15 عاما، والتي بدأت تدرس في إحدى مدارس مدينة نورشوبينغ (180 كم جنوب ستوكهولم).

سؤال الأم التقليدي كان في البداية، يفتح شهية نتالي على الإجابة، لأنها كانت ترى اختلافات عديدة بين المدرسة السويدية الجديدة ومدرستها السابقة في سوريا، اختلافات قد تكون أحيانا بسيطة لكنها كانت مثيرة لفضول المقارنة لدى الفتاة.

ولأن نتالي جديدة في السويد فهي تدرس دروسا تحضيرية مع فتيات وفتيان مثلها وصلوا للسويد حديثا، ومن الطبيعي أن تصادق عددا منهم، بحكم اللغة الأم المشتركة، وطول ساعات البقاء معا على مقاعد الدرس.

مع الوقت، وبعد عدة أشهر خف حماس نتالي على الإجابة، عندما تبادر الأم لطرح السؤال المناوب، كيف كانت المدرسة اليوم؟ وأخذت تكتفي ببضع كلمات للإجابة مثل: “ماشي الحال”، “عادي” أو “ما في شي”. لكن الأم لاحظت أن الفتاة لا تريد أن تحكي كل ما لديها بل ربما تعاني من شيء تخفيه ولا تريد أن تتحدث عنه.

اكتشاف الطائفية بين أبناء المهاجرين من بلد واحد في السويد

بعد إلحاح من الأم، صارحت نتالي أمها بأمر جديد اكتشفته بمدارس السويد، لم يكن موجودا في المدارس السورية، كما عبرت الفتاة لأمها، عندما قالت لها: صديقاتي القادمين مثلي من سوريا، يتحدثون طوال الوقت عن اختلاف ديانتي عن ديانتهم، ولا يتركون مناسبة كبيرة أو صغيرة إلا ويستغلونها للمقارنة بين “نحن” وأنتم” أو يحاولون ادانتي من خلال أفعال وأعمال منسوبة للدين الذي أحمله، تقول نتالي بانفعالية وحزن، وتضيف: المشكلة أنني لا أشعر بأنهم يكرهونني، بل على العكس، يتقربون مني أحيانا، ولكن حديثهم عن الدين مبالغ به إلى درجة أصبح يؤثر على نفسيتي وأشعر أنني شاذة بينهم، وفي كثير من الأحيان يسألونني أسئلة تتعلق بتفسيرات دينية كبيرة عليهم وأنا لا أعرف أيضا الإجابة عليها مثل لماذا عندكم كذا؟ ولماذا تتصرفون بكذا، والغريب أنهم يجيبون عني أحيانا ويذكرون لي أن هذا مكتوب في كتابنا، بل يذكرون أيضا اسم القائل أو موقع ومكان النص الذي يستشهدون به لإحراجي.

حاولت الأم تهدأت ابتنها، والاستفسار أكثر عما يحدث بين هؤلاء المراهقين وهم لا يزالون بمقتبل العمر، هل الجميع يشارك بمضايقتك؟ “لا” تجيب الفتاة المشكلة من يقوم بذلك هم من أحسبهم أصدقائي، أي أقرب الفتيات مني، وهم يحبون التقرب مني والتحدث معي لكني ألاحظ أنهم يتعمدون اثارتي بالمواضيع الدينية وكأنهم لم يروا بحياتهم شخص يختلف عنهم دينيا، وتتساءل الفتاة أمام أمها هل هذه هي السويد فعلا؟

ليس فقط التلاميذ في المدرسة من يتحدثون بالطائفية

قد تكون إلى الآن هذه القصة مقبولة إلى حد ما، فهؤلاء المراهقون أو الأطفال في الحقيقة، لا يحملون ذنبا، لأنهم جُدد على المجتمع السويدي، بل الذنب ربما يقع على الأهل وعلى الظروف التي أدت إلى تزايد الشعور بالطائفية لديهم، ولأن الطفل يتأثر بأهله فمن الطبيعي أن ينقل ما يسمعه وما يحس به في المنزل إلى المدرسة، لكن الأمر الذي لا يمكن تحمله أو تصديقه عندما تشارك معلمة، موظفة من قبل وزارة التربية في المدارس والصفوف السويدية بتأجيج الكراهية وإثارة الطائفية بين التلاميذ أثناء الدرس.

وهذا ما حدث عندما انضمت نتالي للمرة الأولى إلى صف تعليم اللغة العربية، وفي الحصة الأولى التي تحضر بها مع زملائها، دخلت المعلمة، إلى الصف وهي لا تعرف كما يبدو أن نتالي، تنتمي إلى ديانة أخرى تختلف عن ديانة البقية التي اعتاد ان تدرسهم في هذا الصف.

تقول نتالي إن المعلمة الجديدة لم تتوقع أنني من ديانة مختلفة عن ديانتها وديانة بقية التلاميذ، ومع أول مناسبة أخذت تتحدث بصورة طائفية فجة: أنتم تعرفون كيف يقوم “أصحاب الدين الآخر” بقتلنا واغتصاب نساءنا وتشريدنا، هل يمكننا أن ننسى ما يمارسه “أصحاب الدين الآخر….”؟

عدد من التلاميذ في الصف حاولوا أيقاف المعلمة عن الحديث من خلال محاولة ارسال إشارات لها بالأيادي والعيون لكي تنتبه إلى وجود تلميذة جديدة من “الدين الآخر” لكن المعلمة لم تنتبه واسترسلت بالحديث.

المعلمة التي تتلقى راتبها من دافعي الضرائب تساهم بتأجيج الطائفية

المعلمة التي من المفترض أن تعلم التلاميذ إضافة الى مادة اللغة العربية، التسامح والمحبة وتعاليم المجتمع السويدي الذي يمنحها راتبها من دافعي الضرائب، أخذت تغذي لدى التلاميذ روح الكراهية على ديانة أخرى، فهي لم تستخدم أسم تنظيم أو حزب أو جماعة، بل استخدمت أسم دين معين، وهذا ما أثار غضبي عندما سمعت قصة هذه الفتاة مع مدرستها السويدية الجديدة وهذا ما دعاني للكتابة لكم.

طبعا كان موقف المعلمة حرج جدا في اليوم التالي، عندما علمت بالأذى الذي ألحقته بطفلة هربت مع أهلها من جحيم الحروب التي تتغذى بالطائفية في بلادها إلى بلاد جديدة من المفترض أن حضارتها ومجتمعها الحالي يتغذى على التسامح والمساواة.

تقول نتالي أن المعلمة أخذت تتودد مني بشكل لافت، وتحاول تصحيح الخطأ الذي وقعت به، وتقول لها كلمات جميلة وعبارات اطراء ومجاملة بشكل مبالغ به، وهذا يثبت أنها تعرف عواقب وصول كلامها واسلوبها الطائفي إلى إدارة المدرسة أو إلى إدارة المصلحة التعليمية.

جهل الآباء وتوريث أبنائهم للكراهية لا يقتصر على دين واحد

يجب الانتباه هنا إلى أنني غير معني بتوضيح عن أي ديانة تنتمي المعلمة أو التلميذة نتالي، لأن هذا ليس هو المهم، وإذا تصور أحد أنني ألمح للكشف عن أي ديانات أتكلم، فهذه مشكلته، أنا فقط أردت أن أنقل صورة عن مشكلة جدية تتعلق بمستقبل أطفالنا بهذا البلد، فهل يجب أن نورثهم آفة الكراهية والحقد الطائفي وهم يشقون طريقهم في المجتمع الجديد؟

قد لا يكون أهل نتالي ملائكة وقد يمارسون هم أيضا تلقينها دروسا بالكراهية لديانة المعلمة وتلاميذها، وقد يكون مكان نتالي فتيات من ديانات مختلفة في مدارس مختلفة بالسويد، فالأمر هنا ليس لإدانة أحد لأنه يمثل دينه بطريقة حاقدة ومغالطة لتعاليم التسامح والمساواة، بل لإدانة أي فكر انعزالي وانطوائي يحمله الآباء والكبار ويريدون زرعه بعقول أبنائهم حتى هنا في السويد، فما بالك حين تكون الناقلة معلمة منتدبة من المجتمع السويدي وتمارس هذا الفعل القبيح!

في هذه المرة اقنعت نتالي أهلها بعدم ضرورة تقديم شكوى ضد المعلمة ليس لأنها تخاف من عقاب ينتظرها من قبل زملائها، بل لأنها تعرف أنها تنتمي هي وزملائها في الصف إلى جيل جديد وبعد فترة سترى نفسها معهم جنبا إلى جنب بصورة أخرى في المجتمع الجديد، صورة تمثل المستقبل ولا تنتمي إلى أفكار الكراهية من الماضي البغيض.

أرسلت من قبل أحد أقارب نتالي، وتم تحرير النص من قبل الكومبس

الكومبس يحتفظ باسم المدرسة واسم المعلمة وبمعلومات أخرى