Lazyload image ...
2016-01-07

الكومبس – مقالات الرأي: في بلاد الجملة الفعلية تشتاق إلى المبتدأ والخبر، تشتاق إلى قصيدة صوفية زاهدة بكل أنواع الفعل فتصف وتصف وتصف إلى ما لا نهاية دون أن ينظم المدقق اللغوي بحقك مخالفة عند ثاني كلمة بأنك أهملت فعل الكون كما في اللغات الأجنبية، بيد أنك في بلاد الجملة الفعلية تستطيع التجول بين الفصول الأربع دون الاتيان بأي  فعل يخدش رونق الطبيعة، أنظم ما شئت من الشعر البحتري ولكن إياك أن تركل أوراق الخريف بعين الشذر، فوحدها الطبيعة تصون المبتدأ والخبر من النواسخ في الكثير من عناوينها العريضة.  

تقتات الحروب على الأخضر واليابس فتختفي الحدود بين الريف والمدينة، تختفي الفصول ويختفي الشاعر مع جعبة الكلام، يتغير معنى الأشياء ومعنى الفصول.  كم تغنت أرواحنا قبل ألسنتنا بقصيدة الشاعر العبقري ميخائيل نعيمة ” سقـــــف بيتي حــــديد ركن بيتــي حجــر فاعصفي ياريــــــــاح وانتحــــــب ياشجر واسبحـــي يا غيــــوم واهطلي بالمـــطــر واقصفي يا رعــــــود لست أخشى خطــــر من سراجي الضئيل أستـمد البـــــــــصر كلــما الــليل طــــال والظــلام انتــــــشر وإذا الفــــــجر مـات والنـــــــهار انتــحـر فاختــفي يـا نجـــوم وانطفـىء يـا قمـــــر  باب قلبـي حصـين من صنـوف الكـــــدر  وازحفـي يا نحوس  بالشقــــــا والضـجــر لست أخشى العذاب لسـت أخـشى الضـرر وحلــــيفي القــضاء ورفيقــي القـــــــــــدر”..  لا شك أن المعنى اختلف بالنسبة لطفل كان بالأمس يردد هذه القصيدة على مقاعد الدراسة أو في طريق العودة إلى البيت، بينما هو في هذه اللحظات على ظهر قارب مطاطي تعصف به الرياح  وتتقاذافه الامواج لتحمله نحو المجهول.  

نعم سيختلف معنى الشتاء ومعنى الهجرة.. الهجرة كلمة بحجم رواية بل روايات، وهجرة الناس القسرية ليست كهجرة الطيور، وهجرة الطيور في الواقع ليست كما في الشعر والأدب ففي الطريق ينفق منها الكثير دون أن تكترث البشرية أو حتى يصلها الخبر.

في اختلاط المعاني واختلاف الأماني بين شاعر يجلس على شرفة التأمل وطفل تحت الأنقاض أو في أعالي البحار.. لا شك أن الشاعر سيجد نفسه مرغما على التنازل عن فعل التأمل، فكل الحقائق سوف تنعكس على وجه القمر عبر بث مباشر لن يحتمله قلب الشاعر ولن يطاوعه القلم الذي يأبى أن يكتب نصف حقيقة، فالحقيقة الكاملة لن تصل بعدما أصبح العالم يمارس كل أنواع الكذب كأن يعد بترميم طبقة الأوزن مثلا، فيما يعجز عن إطعام الجياع أو إيواء الهائمين على وجههم في البر والبحر، فالموقف من الطبيعة هو موقف أخلاقي مثل الموقف من الإنسان، تلبي الطبيعة بمعناها الكوني المحسوس حاجات البشر على تنوعها مادية وروحية، إذ لا تقتصر حاجة الانسان على المكونات الأساسية التي تبقيه على قيد الحياة من غذاء، ماء، وهواء، علاوة عن تعاقب الليل والنهار في حركة دائبة تكون نظام الحياة البشرية بين الحاجة للسكون والراحة والنشاط اليومي” وجعلنا الليل لباسا والنهار معاشا”، ويأتي بعد ذلك الحاجة لاستخراج مكنونات الطبيعية من معادن ونفط وغيرها من احتياجات الانسان المتعددة والمهمة لتسير شؤون حياته.  في هذه الحركة الدائبة للكون والإنسان بوصفه الكائن البيئي الأول تحتاج البشرية إلى أعادة صقل وصياغة القيم الإخلاقية بعيدا عن منطق الاستهلاك والمصالح، لأن المعضلات الكونية تبدأ من صغائر الأمور لتكبر وتجلب الكوارث التي لن تبقي ولن تذر، ولن يكون هناك متسع لحماية المصالح إو أشباع روح الاستهلاك التي أعمت أعين البشرية عن كل جميل في الطبيعة أو في العلاقات الإنسانية.

IMG_6713

مصطفى قاعود

Related Posts