Lazyload image ...
2015-12-31

الكومبس – مقالات الرأي: لم أكن أعتقد أن في الحياة ما يكفي لتحقيق الأمنيات كلّها، وإن كانت هينّة، حتّى ليلة الكرسمس تلك التي أرشد لي فيها آخر نسطوريي آشور، أمنيّة من أمانيّ الضالة.

في طفولتي أضعتُ لعبة، هي دمية صغيرة جاءت لي بها أمّي من زيارة لأحد الأولياء، سأبقى زمناً أحلم باقتناء مثلها. لا أذكر كمّ الحزن الذي انتابني آنذاك، لكن كلّ ما أذكره أن أمّي، وقد فطنت إلى أنّ حزني كان يفوق طاقة احتمالي، أمّلتني بالحصول على واحدة شبيهة.. قالت أنّ في حياتي متّسعٌ لنيل الكثير من الآمال.

ماتت أمّي وهي تأمل باحتضان أخي الضائع منذ أكثر من ثلاثين عاماً، لكنّه لم يفعل، ولم يكن ذلك مما سيتحقق لها في الحياة. دفنتُها بمهابة تليق بأعوامها المائة، ومضيت لسبيلي في تحقيق أمنيتها. بعدها بشهور سترتفع إلى جوار قبرها في مقبرة العائلة، شاهدةٌ على لحدٍ فارغ تحمل عبارة (محمد راهي 1952.. فُقد في معركة الفاو 1986)، هكذا.. كما لو أنني جهدتُ في أن لا يخيب رجاؤها حتّى لو كان في حياة ثانية.. هذا ما أمكنني فعله.

أعود إلى دميتي فأصفها: هي مجسم لدن لكهل أبيض اللحية، بقلنسوة وقفطان أحمرين مزيّنان بفروة بيضاء، وكان يحمل خرجاً على كاهله، عرفت فيما بعد أنه يدعى (بابا نوئيل)، وما كان يحبّب إليّ هذا البابا، أنّه متى ما أُسقط على الأرض، فإنه يستقرّ كالقطّ على قدميه. كان في الأمر حيلة ما، فأسفل تلكما القدمين كانت تستقر قطعة رصاص ثقيلة، تجبر الدمية على الوقوف باستقامة دوماً.

عدت بعد دفن أمّي إلى الدار الكبيرة، ثم حزمت أمتعتي.. وكانت وجهتي واحد من أصقاع اسكندنافيا الشاسعة؛ منفاي وأمّي الرؤوم، حيث أقيم، وأجهد في أن أحيا.

في واحدة من الحانات، سألني النادل البدين، الذي بدا ودوداً وهو يقدّم لي كأس الشراب، وبعربيّة أميّز لكنتها:

  • عفواً! ألستَ كريم الذي كان يقاسمني مقعد الدراسة في الـ(أس أف إي)؟
  • بالضبط. قلتُ له، وأنت شموئيل يوخنّا بنيامين صح؟.. ما أنت فاعل يا أخي طيلة هذه السنين.

كنتُ قد تعرفت على (شموئيل)، الذي عرفت فيما بعد أنّ اسمه بالآشوريّة يعني (إسماعيل)؛ في معهد دراسة اللغة السويدية للوافدين، وكنت لعدّة مرّات قد تجاذبت معه أطراف الحديث في الفُسح التي تفصل مابين المحاضرات. كنّا حديثَي العهد بالبلاد آنذاك، وكان كلانا قدّ فرّ من وطنٍ جاحد إلى آخر وجد عند أهله مرؤءة أكثر. قال لي يومها أنّ أبواه أتيا به إلى بغداد من قرية صغيرة قرب (عينكاوة)، لكنّه ضاق ذرعاً بتهديدات رجال السلطة له وابتزازهم إيّاه في متجر الكحوليّات الذي ورثه عن أبيه، فوجد على هذا الكرسيّ، وأشار إلى مقعده، ملاذاً آمناً منهم.

تنقضي ساعتان، وأنا أردّ التحية كلّما مرّ أمامي ورفع حاجبيه، فيما يداه منشغلتان بحمل المؤونة لزبائنه. كان (أبو إبراهيم) هذا، كما يحلو لي أن أكنّيه، يحمل من الود ما يسع الجميع، يفرّق تحاياه على هذا وذاك، ويردّ على الطلبات بكلّ ممنونيّة، واضعاً بين حين وآخر طبقاً من الفول السوداني أمام زبون، ومُبدلاً كأس البيرة الفارغ بكأس مملوءٍ أمام آخر، وفي كلّ فسحة مابين هذه المهمة أو تلك، يرمقفني بذات النظرة. ولم تنفع كلّ توسّلاتي له بأخذ مبلغ الشراب الذي تناولته طيلة ساعتي جلوسي، بل راح يمنحني من كرمه أكثر حين اقترح عليّ قضاء ليلة سعيدة خارج الحانة:

  • (إزبوع) الجاي الكرسمس.. مارأيك بأن تمضيه معي في منزلي؟
  • بسّيما رابا خوني.. بالتأكيد! أجبته شاكراً بالآشورية التي تعلّمتُ فيما سبق بعض مفرداتِها.

ولم يكن أمامي في حقيقة الأمر سوى القبول، ففرصة قضاء سهرة مع هذه المائة وخمسين كيلوغراماً من الضحك والمودّة، ليست بسانحة لي أيّان أشأ. تبادلنا أرقام الهواتف، ومضيت إلى سبيلي مترنّحاً، وفي رأسي تنقر أغنيةٌ آشوريّة أحفظها منذ سنوات:

“صيدت غزالة صليلي.. غزالة خزيلي.. أينو كوما وشطرانا.. كم دربنّيلي”

أتتبّع أثر العنوان في الخارطة، ويقودني النافيغاتور صوب شارع حدّده لي هو بضاحية (سودرتاليا) الجنوبيّة، حيث يقطن أغلب المهاجرين من مسيحيي العراق.. أضغط على زرّ الجرس باليد التي تحمل باقة الأزهار، فيما أخبّيء ورائي الأخرى التي تحمل زجاجة من نبيذ شيراز المعتّق.. ثمّ يصطفق الباب الذي ستدور خلفه مراسيم الغبطة، فالليلة هي ليلة العيد الكبير.

  • إيدُخ بريخا يا أبا إبراهيم!
  • وأيّامك سعيدة ياصديقي.. سررت بمرآك ثانية!

سأصف شقّة شمّوئيل من الداخل، مجاز طويل، تدلف بعده إلى الصالة التي ملأت جدرانها الصلبان وأيقونات العذراء والقدّيسين، فيما تدلّت من السقف أشرطة الزينة والكريات الملوّنة، في الركن القريب من محل جلوسي أصيّص لنبتة صبّار خالية من الأشواك، وفي الآخر ينتصب وبطول متر تقريباً، مجسّم لـ (سانتا كلوز) إياه، بذات القلنسوة والقفطان، وعلى كاهله الخرج ذاته.. يا إلهي! إنّهُ على نفس شاكلة دميتي التي أضعتُها في طفولتي البعيدة. لا أدري لم قفزت أمامي ساعتها، صورة أمّي التي خلّفت تراب قبرها طريّاً.  كففتُ دمعتين مالحتين تحدّرتا على خديّ وكادتا تسقطان على الأرض.

  • مالخطب.. أتبكي؟ سألني حين رآني أفعل ذلك.
  • مممم.. هو تحسّس من الجو فقط.. لا عليك! تعال لنشرب نخب الوطن الجريح!

السويعات التي تقضّت برفقته، لم تخل من مشاكساتي له، ضربتُهُ على قفاه لأكثر من مرّة، ووبّختُهُ لأن وجبة الشواء التي أولمني إيّاها لم تكن بالنضج الكافي.. وسخرت كثيراً من عربيّته التي بدت لي ركيكة:

  • إزبوع الجاي نروح أنا وإيّاك للمزبح!

كان خزينه الستراتيجيّ من الشراب قد قارب على النفاذ وهو يحاول أن يبدو بمظهر الكريم الذي لا يفوقه كرماً عربيّ مثلي، لكنّ الأحداث لم تكن تجري لصالحه طبعاً، فقد لعبت بي الشمول لعبتها، وصار العقل الباطن عندي يبحث عن إيّتما أمنية لم تتحقّق. حدّثته بحقيقة أمر الدمعتين اللتين ترقرقتا:

  • أتعلم يا شموئيل.. لقد أصابني سانتاكلوزك في مقتل!
  • ماالخطب يا أبا زيدون؟
  • كنتُ في صغري قد أضعتُ دمية شبيهة.. أحببتها كثيراً وتذكّرت أمّي التي أمّلتني بالحصول على شبيهةٍ لها.

لا أتذكّر الكثير عمّا سبق تلك الفعاليّة.. لكنّ كلّ الذي أتذكّره وأنا أستعيد شريط الليلة الفائتة والصداع يكاد يفتك بي، أن شموئيل قضى الليل كلّه في محاولات لإسعادي.. غاب قليلاً ثم عاد مرتدياً نفس ملابس (بابا نوئيل)، ثمّ صار يقفز أمامي مثل نسناس داعياً إيّاي لأن أسقطه أرضاً، ليقف على قدميه مجدّداً.. تماماً بمثلما كانت تلك الدمية تفعل.

12435985_10154389247979325_1594161802_n

كريم راهي

شاعر وكاتب عراقي مقيم في السويد
مقالات الرأي تعبر عن رأي أصحابها وليس بالضرورة عن الكومبس