Lazyload image ...
2012-12-13

الكتابة عن تجربة جديدة لقاص معروف كفاتح عبدالسلام تتطلب قراءة معمقة لنصوصه الجديدة، ومقارنتها بما نشر من نصوص سابقة، وبما كتب مجايلوه من نصوص، ومقارنة الرؤيتين، لمعرفة ما جد لدى هذا القاص، ومعرفة ما هي المتغيرات على نصه الإبداعي بعد غربته عن وطنه، لأكثر من اثني عشر عاما في بريطانيا، واظهار كيف أثرت البيئة، والمجتمع البريطاني في رؤى هذا الكاتب العراقي، وما هيمن منها على نصه الذي كتب في بيئة أجنبية.

الكتابة عن تجربة جديدة لقاص معروف كفاتح عبدالسلام تتطلب قراءة معمقة لنصوصه الجديدة، ومقارنتها بما نشر من نصوص سابقة، وبما كتب مجايلوه من نصوص، ومقارنة الرؤيتين، لمعرفة ما جد لدى هذا القاص، ومعرفة ما هي المتغيرات على نصه الإبداعي بعد غربته عن وطنه، لأكثر من اثني عشر عاما في بريطانيا، واظهار كيف أثرت البيئة، والمجتمع البريطاني في رؤى هذا الكاتب العراقي، وما هيمن منها على نصه الذي كتب في بيئة أجنبية.

نحن إذًا أمام جملة مقارنات، بعضها يتعلق بالنص القصصي كنص منعزل عن ذات الكاتب، يقارن بإبداعاته السابقة في القصة والرواية، التي أصدرها القاص في العراق في الثمانينيات ابتداء من مجموعته الأولى "آخر الليل.. أول النهار" التي صدرت عام 1982، و"الشيخ نيوتن" عام 1986 وما تلا ذلك في التسعينيات: "فحل التوث" عام 1993 و"حليب الثيران" عام 1999، وجزء آخر يقارن بين تقنيات القص المستخدمة فيما سبق من تجربته، ومجموعته القصصية الجديدة، لرصد التغيرات الرؤيوية لدى هذا القاص من خلال ما أزعمه من تغيير شامل لنظرته للحياة، ومن خلال عينين جديدتين ركبتا قسرا فوق عينيه، يرى بهما من خلال وجوده في غير بلاده الأصلية، لعادات وأحوال لم يألفها في طفولته وشبابه، لكنه اضطر إلى تقبلها والعيش معها في المجتمع الجديد.

لقد توجهت إلى القاص أضواء النقد عند ظهور أول مجموعة قصصية له، واشادت بالتقنيات التي استخدمها في كتابة قصص مجموعته الأولى، وأعني هنا مجموعته القصصية الأولى "آخر الليل.. أول النهار" التي صدرت عام 1982، وبعد ذلك مجموعته "الشيخ نيوتن" عام 1986، ورحب الوسط الثقافي العراقي في تلك السنوات بهذا القاص الحيي، النحيل العود، الذي كان دائم الابتسام، كثير الصمت، بالغ الوسامة، وقد كنا نرى في ابتسامته لغة خطاب اضافية تغطي على صمته، في سنوات شحت فيها الضحكة، والابتسامة على وجوه المبدعين الشباب في العراق، بسبب ظروف الحرب العراقية الايرانية (1980 – 1988) التي أثخنت قلوب العراقيين بجروح فجائعها. هذا الشاب القادم من شمال العراق، وتحديدا من مدينة الموصل، استطاع أن يضع البيئة الموصلية، وميثولوجاها المتفردة، وما يعيشه الناس في هذه المدينة العراقية العريقة من أحداث، وعادات وتقاليد، بمتناول اليد، وتحت أنظار العراقيين جميعا، من خلال رؤية فنية عميقة، وحس شعبي أخاذ، ولغة مقتصدة في غاية الجمال، والإتقان، وطرح جريء في تطويره لتقنيات القص.

ان ما ابدعه عبد السلام في سنوات الشباب في القصة العراقية لايزال في ذاكرة أبناء جيله من القصاصين والنقاد، وهو علامة مضيئة في القصة العراقية الحديثة، وقد امتد هذا الإبداع ليصل بنا إلى رؤية ما متعنا به هذا المبدع من قصص جديدة في مجموعته القصصية الجديدة "عين لندن" التي صدرت هذا العام 2011م، ولنا أن نتفهم الطفرة الكبيرة في نصه القصصي، فالقاص مر بتجربة غربة مريرة، وأثرت الأحداث في بلاده العراق فيه كثيرا، وهو يراه يمزق أشلاء بفعل آلاف الأطنان من القنابل والمتفجرات الشديدة، وأنواع أسلحة الدمار وخلال ثلاث حروب مدمرة، ويحاصر بأبشع أنواع الحصار، وبتكالب الجلادين والمجرمين على أقدار الناس في بلاده، إلى درجة أن نصوص مجموعته، وفي كثير من الأحيان تتماهى مع المأساة، وتنهل منها من خلال مرايا مقابلة، ولكن التغيير الأكبر الذي حصل في ذهن المبدع حين التقى وجها لوجه البريطاني صانع الحدث الأكبر في بلاده، ونعني بهذا الحدث، احتلال العراق في 9 أبريل عام .2003

القصة لدى القاص عبدالسلام في "عين لندن" خرجت عن مألوفها السردي، واختلطت بجنس آخر هو السيرة المستترة خلف قناع العينين المراقبتين، للأحداث في بيئة معادية للأبطال، فهي تشعر بخوف وغربة ساردها، وشعوره الدائم بأنه دخيل على عالم غير عالمه، وأنه كما لو كان يتجسس على جيرانه، من البريطانيين أو على الغرباء من الكاريبيين والهنود والباكستانيين، الذين هاجروا إلى بريطانيا، وبالرغم من ان السارد هو ذاته في كل قصص المجموعة، فهو العراقي الوحيد، الذي له بنيات بنائية نفسية، وفكرية، وذوقية، متشابهة مع جميع أبطال قصص المجموعة، مما جعل القصص ترتبط بخيط واحد – بطلها المشترك – الذي جمعها كخيط المسبحة، فهو يوسف الشاب المهندس المعماري في قصة "عين لندن" المحبط الذي يغادر شركة بريطانية بعد رفض طلبه في الحصول على وظيفة، بداوع عنصرية، وعدم فهم تام من الآخر ـ البربطاني ـ لدوافع وإنسانية.

هذا الشاب، الذي يرى في ازقة بريطانيا الضيقة سمة تعود إلى القرن الثامن عشر وعلى البريطانيين مغادرتها، ليتمتعوا بشوارع واسعة، حتى لو اضطروا إلى تفجير تلك الأزقة الضيقة، وتعبيره الأخير يضعه في دائرة الاشتباه في أنه إرهابي (التهمة الجاهزة اليوم للعرب والمسلمين في أمريكا وأوروبا)، وهو أيضا ذلك العراقي الضحية الذي لاتزال شظية صاروخ في ساقه، أطلقه طيار بريطاني على ورشته في الموصل أثناء احتلال العراق عام 2003 وجاء ذلك العراقي المصاب مهاجرا إلى بريطانيا ليعيش فيها كلاجئ، واسماعيل الذي يعاني تعذيب الضمير لأنه لا يستطيع استقدام أبيه إلى لندن، لمعالجته من صمم نفسي، عاناه الأب بعد سماعه لانفجار سيارة ملغمة قرب بيتهم في العراق في قصة ماراثون المسافات القصيرة.

301253_2454527720413_2085929257_n(1).jpg

الكاتب فيصل عبد الحسن

وفي قصة "الناقوس لا يقرع الاحاد" يستخدم القاص المرايا المقابلة لعكس مأساة العراقيين من خلال معاناة الآخر البريطاني، فالبطل شيخ بريطاني "توماس" وولده يقاتل في مدينة البصرة مع جيش بلاده، وينقل لنا القاص مشاعر العائلة البريطانية، التي عانت هي أيضا ويلات الحرب بموت أبنائها في الحرب، ومن خلال خوف العائلة المستمر من قرع نواقيس الكنيسة القريبة، التي تعلن لأهل المدينة جثمانا جديدا لأحد الجنود القتلى من العراق، هي أيضا صورة معتمة ينقل القاص من خلالها مأساة العائلات العراقية، التي قتل أبناؤها خلال الحرب الأخيرة، ومشاعر آبائهم وأمهاتهم، إذ يختفي البطل العراقي، ويتحول إلى عينيين رائيتين لأحزان هذه العائلة البريطانية، وينقلها لنا عبر سرد محايد، وتعاطف إنساني عميق مع ضحايا الحرب من الطرفين، وهذا يوضح النظرة الإنسانية للأدب، ومهمة الأديب السامية لفضح الظلم، وتأشير مناطق الظلام، والقبح، فيما يحدث حولنا وعلينا من أحداث بتجرد، وفهم موضوعي عميق لأسباب الحرب، ودواعيها والمتسببين بحدوثها.

وفي قصة "لحظة الاستنساخ البشري" تهيمن العين الرائية التي ترى في شوارع لندن، ومقاهيها شخصيات عاشت في العراق، ولها تأريخها المهني كشخصية "ذي النون" أستاذ اللغة العربية، وامرأة أخرى كانت تعمل مسجلة في جامعة عراقية، لكنها اليوم تعمل ممرضة في عيادة طبية في لندن، وندهش حين نكتشف أن الرائي يعاني مرضا نفسيا، فيقرب صور ما يراه من شخصيات بريطانية، ليجعلها قريبة الشبه من أخرى عايشها أو رآها الرائي في وطنه العراق.

النص لدى فاتح عبدالسلام في مجموعته "عين لندن" هي مقارنات بين جزئيات الحياة في بريطانيا والعراق من خلال استذكاره عناصر وثيقة بالميثولوجيا العراقية وفهمه العميق للفولكلور الشعبي الموصلي، والفهم الديني الإسلامي، وربما يوضح ذلك خير توضيح نصاه العميقان "حديقة عباس في ساوث هول" و"جنية الساعة الحادية عشرة" فالنص الأول ينقل لنا بطريقة العين الرائية، مشاعر عائلة بريطانية تدور حول عباس العراقي، ووالده القادم من العراق، وهما يعتقدان ان عباسا وأباه هنديان قدما من الهند ليعيشا في بريطانيا كمهاجرين، يقول البريطاني لزوجته: – تحدث أمور غريبة هنا، قلت لك مرارا، لعلنا آخر انجليزيين في هذا الحي الهندي . – لكن عباسا ليس هنديا.

– ليكن.. كلهم أغراب. قال بتهكم: اخفضي صوتك أنا وأنت وحدنا الغريبان في هذا الحي.

ويشتهر ما فعله أبوعباس في بريطانيا، حين حرث أرض حديقة منزل ابنه في اليوم الأول من وصوله إلى بريطانيا، ليجعل البركة تهبط على المنزل، وساكنه على عادة أهل الموصل، وبالفعل تهبط بركات تلك الحراثة مما يحقق شهرة كبيرة لابنه، ومنزله المبارك، ويحرص البريطانيون التعلم من هذا الفولكلور العراقي، لتحقيق أمنياتهم الكثيرة، ومباركة اعمالهم، وتبلغ شهرة هذا الفعل القصر الملكي البريطاني فيغمز القاص ساخرا من البرود البريطاني، والتمسك بالتقاليد من خلال حرص المبعوثين من القصر الملكي، لمعرفة إن كان ممكنا أن يقوم شخص ما من القصر بدلا من الملكة بحراثة أرض القصر، لتنال بريطانيا البركة، وهم مصممون على أخذ الاذن بذلك بشكل مباشر من أبي عباس ذاته، صاحب فكرة حرث الأرض، ولم يكونوا على علم أن الأب ترك ابنه في بريطانيا، ورجع إلى العراق وتوفي في بلاده منذ سنتين.

وتنقل لنا قصة "جنية الساعة الحادية عشرة" ما يعنيه عالم الأشباح والجنيات في الفولكلور العراقي، الذي ركبه لنا السارد العراقي الذي يعيش في أطراف لندن على عجوز مهاجرة، فقيرة يظنها جنية من جنيات الموصل، لغرابة الملابس الرجالية التي ترتديها، وعرجها الخفيف، وسلوكها الآلي اليومي المريب، وهي تمر من أمام شقته في وقت محدد من كل يوم.

مجموعة قصص "عين لندن" للقاص المبدع فاتح عبدالسلام، هي احدى أهم المجموعات القصصية العراقية التي صدرت في العقد الأخير خارج العراق، وقد اتسمت بعمق نصوصها، ولغتها القصصية السلسة، التي يمكن وصفها بأنها لغة سرد مؤدية، ومؤثرة جدا، مع تقنيات سرد طورها عبر سنوات من المران في هذا الفن الأدبي الراقي، واستخدم فيها القاص تقنية عين الكاميرا، التي تجدها مبثوثة في كل ثنايا النصوص تقريبا، فلم تكن العين التي جعلها الكاتب عتبة للمجموعة "عين لندن" قد جاءت من فراغ بل هي إشارة ذكية، للقارئ من ان متنه القصصي، هو نتاج مراقبة مستمرة للندن، وأحوال ساكنيها من العرب والهنود طوال سنوات، والعين المستخدمة للاستبصار، هي عين ذكية رصدت وسجلت حياة المهاجرين في بريطانيا. * صدرت المجموعة عن الدار العربية للعلوم ناشرون/ بيروت – لبنان/ 107 من القطع المتوسط.

بقلم : فيصل عبدالحسن