Lazyload image ...
2012-07-24

تردد في بعض الصحف العربية مؤخراً أن أحد أهم الموضوعات التي ناقشها وفد حركة "حماس" في زيارته الأخيرة للقاهرة، هي رغبة قيادة الحركة في إعلان قطاع غزة منطقة محررة، وقطع كل روابط القطاع مع إسرائيل، من معابر وعلاقات اقتصادية وتجارية، وتحويلها كلها باتجاه الحدود مع مصر والعلاقات معها.

تردد في بعض الصحف العربية مؤخراً أن أحد أهم الموضوعات التي ناقشها وفد حركة "حماس" في زيارته الأخيرة للقاهرة، هي رغبة قيادة الحركة في إعلان قطاع غزة منطقة محررة، وقطع كل روابط القطاع مع إسرائيل، من معابر وعلاقات اقتصادية وتجارية، وتحويلها كلها باتجاه الحدود مع مصر والعلاقات معها. وحسب مسؤولين في "حماس"، بناء على ما ذكرته بعض الصحف، كان هذا الموضوع النقطة الرئيسية في اللقاء الذي عقده الرئيس المصري محمد مرسي مع وفد "حماس" برئاسة خالد مشعل. وهو ما نفته الحركة جملة وتفصيلاً

قيادة منظمة التحرير ورئاسة وحكومة السلطة الفلسطينية كانت قد سارعت بالتحذير من عواقب الخطوة التي قد تقدم عليها "حماس"، لكنها استبعدت موافقة مصر عليها لأنها طرحت سابقاً على المصريين ورفضوها لما تلحقه من ضرر كبير بالقضية الفلسطينية، كونها تعفي الاحتلال من مسؤولياته كقوة احتلال ما زال متواصلاً على قطاع غزة من خلال الحصار، لتلقي بها على كاهل مصر، وتكرس الانقسام الكياني بين قطاع غزة والضفة الفلسطينية.

عموماً؛ وبغض النظر عن صحة ما تردد من عدمه، فإن الموضوع كان منذ سبع سنوات موضع أخذ ورد، وكانت هناك دعوات من قبل أكثر من فصيل فلسطيني، لم يتم الدفع بها كملف خلافي رئيسي لأن الظروف الداخلية والإقليمية لم تكن تساعد على ذلك، ولم تعط تلك الدعوات أهمية تذكر، لكنها لم تحسم في ذهن من كانوا يؤيدونها، وبقي بعضهم يتمسك بهذه الفكرة الخاطئة.

بالعودة إلى الانسحاب الأحادي الجانب الذي استكملته إسرائيل في 12 أيلول/سبتمبر 2005، إن السياق السياسي للانسحاب في ذلك الوقت وُضِعَ في إطار سعي حكومة شارون آنذاك للمضي قدماً في محاولة فرض "تسوية مؤقتة طويلة الأمد"، لا تتعدى "دولة فلسطينية بحدود مؤقتة، ودون تواصل جغرافي بين فسيفسائها المرسوم والمحاصر بجدران الضم والفصل العنصرية والكتل الاستيطانية"، كخيار وحيد أمام السلطة الفلسطينية، وتأجيل قضايا الصراع الجوهرية لأجل غير مسمى، ليصار إلى قضم الحقوق الفلسطينية وإسقاطها تدريجياً. وبانسحابها أحادي الجانب من قطاع غزة، اختارت حكومة شارون التخلص من العبء الإستراتيجي الديمغرافي والأمني للقطاع، وفرضته بدعم من الولايات المتحدة الأميركية، كواحد من مسارات تطبيق "خطة خارطة الطريق الدولية"، بمصادقة اللجنة الرباعية الدولية، ونجحت في ذلك بتضليل المجتمع الدولي، وحرف أنظاره عن أطماعها الحقيقية وممارساتها الاستيطانية في الضفة الفلسطينية والقدس.

وفي ظل غياب أي موقف دولي أو عربي متوازن وفاعل، نجحت الضغوط الأميركية على السلطة الفلسطينية بتحويل هروب إسرائيل من أعباء احتلالها لقطاع غزة إلى مكسب إستراتيجي إسرائيلي، تمثل في "اتفاقية المعابر" (اتفاقية رفح) بين الحكومة الإسرائيلية وحكومة السلطة الفلسطينية، الموقعة بتاريخ 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2005، والتي أعطت للاحتلال الإسرائيلي سيطرة مطلقة على حركة الأفراد والبضائع من وإلى قطاع غزة، والتحكم بإغلاق وفتح المعابر، ما أدى لاحقاً إلى مأساة الحصار الإسرائيلي الشامل والمتواصل على قطاع غزة منذ آذار/مارس 2006، دون أن يحرك العالم ساكناً.

ويمكننا القول إن شارون الذي أدرك حينها حقيقة موقف المستوطنين، القابل للمساومة على إخلاء مستوطنات قطاع غزة، مضى بثقة نحو الأهداف التي أرادها من وراء خطة الفصل، ولخصها بالقول: "بودي أن أقلص الضرر، وأن أبقي ما يمكن إبقاؤه، إذ أن الخطط التي ستظهر كالفطر بعد مطر رعدي ستكون خطراً على دولة إسرائيل". وبذلك يكون شارون قد أراد خطة الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة كمخرج للتهرب من استحقاقات الضغط الدولي، ولمقايضة مستوطنات غزة بمستوطنات الضفة، وتمرير مخطط الجدران العازلة وتهويد ما تبقى من القدس الشرقية، مع إدراك كامل منه أن معركة كسر عظم مع المستوطنين لن تحصل كما توهم البعض في نتائج صناديق اقتراع الليكود على الخطة، لأنه كان قد رتب كل ما يلزم لدفع مقابل مادي مجزٍ للمستوطنين على حساب الأميركيين المستعدين للدفع، أي أنه كان يبيع هروبه من جحيم المقاومة والديموغرافيا في قطاع غزة، مقابل استكمال مخطط جدران الضم والفصل العنصري في الضفة الفلسطينية وتهويد القدس.

وكدليل على أن الانسحاب الأحادي الجانب من قطاع غزة شكّل إعادة تأسيس للسياسات الإسرائيلية منذ عام 1967، تتخطى اتفاقيات أوسلو، أنشأ شارون حزب "كاديما" في تشرين الثاني/نوفمبر 2005، أثر خلاف حاد بينه وبين الجناح الأكثر تطرفاً في قيادة حزب "الليكود" على خلفية خطة الانسحاب، وشارك في تأسيس الحزب عدد من قادة حزب "الليكود" الذين انشقوا مع شارون عن الحزب، ومجموعة من أعضاء الحكومة الإسرائيلية حينها وأعضاء في الكنيست الإسرائيلي. بالإضافة إلى أعضاء قياديين بارزين من حزب العمل على رأسهم شمعون بيريز، وغالبية الصف الأول من حزب تومي ليبيد الذي تلاشى نهائياً في انتخابات 2006. واستطاع حزب كاديما في الانتخابات المبكرة التي دعا لها شارون في آذار/مارس 2006، أن يثبت نفسه كواحد من أهم الأحزاب الرئيسية في إسرائيل وأكثرها قوة ونفوذاً رغم حداثة تأسيسه، بفوزه بـ29 مقعداً في الكنيست، بعد أن نجح في استقطاب القاعدة الانتخابية لليكود وأحزاب اليمين الوسط, تحت شعار التمسك بنهج الانسحاب أحادي الجانب الذي شق طريقه شارون في نهاية العام 2005. وفي بداية تسلمه لمهمة رئاسة الوزراء خلفاً لشارون أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت أن حزبه ملتزم بالاستمرار على نهج الانسحابات المنفردة من بعض مستوطنات الضفة الفلسطينية، وينوي تنفيذ خطة انفصال أحادية الجانب عن الضفة الفلسطينية، مع احتفاظ إسرائيل بالقدس وبالكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة. ومع تراجع فكرة الانسحاب الأحادي تراجع دور حزب "كاديما"، حتى بات فاقداً لمبررات استمراره في الحياة الحزبية والسياسية الإسرائيلية.

ورغم صحة القول بأن ما ساعد على إجبار الإسرائيليين على اتخاذ قرار ذاتي بالانكفاء عن داخل قطاع غزة، ما يمثله القطاع من عبء أمني وديمغرافي على المستوى الإستراتيجي لدولة الاحتلال، وأنه لا يجوز مقاربة ذلك مع الضفة الفلسطينية والقدس، حيث الأطماع الاستيطانية الحقيقية لإسرائيل، إلا أن تمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه أكد للإسرائيليين والعالم، المرَّة تلو الأخرى، أن بقاء الاحتلال من عدمه ليست قضية داخلية إسرائيلية، وأن منطق القوة العمياء لن يستطيع فرض حل يخالف أسس السلام الشامل والمتوازن، الذي يضمن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من كل الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة في عدوان الخامس من حزيران/يونيو 1967، وفي المقدمة من ذلك القدس الشرقية.

لكن إسرائيل بانسحابها أحادي الجانب من قطاع غزة أجرت مقاربة في صالحها، يمكن أن تحاول تكرارها في الضفة، بتجاهل مبدأ الوحدة الجغرافية لكل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، واعتبار القطاع وحدة جغرافية منفصلة عن الضفة والقدس، للتنصل من الالتزامات التي يفرضها عليها القانون الدولي كقوة احتلال. كما أن خروج قوات الاحتلال من باطن قطاع غزة لا يعني انتهاء الاحتلال، حيث أن القانون الدولي لا يعطي لدولة الاحتلال الحق بإعلان إنهاء احتلالها ما لم يترتب على ذلك ممارسة الشعب المحتل لحقه في تقرير المصير، وثبوت أن دولة الاحتلال لم تعد لديها قدرة على ممارسة السيطرة الفعالة على الأرض.

بناء على ما سبق، الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة لم يغير من المركز القانوني لأراضي القطاع بوصفها محتلة، وبوصف إسرائيل قوة احتلال تنطبق عليها المسؤوليات المبينة في اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، واتفاقية لاهاي عام 1907. وأي دعوة لإعلان القطاع أرض محررة سيصب في مصلحة إسرائيل، وسيساعدها على تنفيذ مخططها بتأبيد الانفصال بين غزة والضفة الغربية، للقضاء نهائياً على آمال الفلسطينيين بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على كامل أراضيهم المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس.

عامر راشد

أنباء موسكو

24 يوليو 2012

Related Posts