Lazyload image ...
2017-12-11

الكومبس – مقال: المنظمون لمسيرات الاحتجاج الأخيرة، على قرار الرئيس ترامب بشأن اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، والتي جابت شوارع عدة مدن سويدية، حرصوا على منع ترديد شعارات تسيئ لليهود، كدين وكمجموعة عرقية، وهناك من نبه مراراً إلى ضرورة الهتاف باللغة السويدية أو الانكليزية، لأن الهتاف باللغة العربية لا يجدي في وسط لا يفهم هذه اللغة، لكن البعض، وللأسف لم يلتزم، إما بسبب الحماس الزائد الذي شحن أجواء المناسبة، وإما عن جهل أو ربما عن تعمد وسبق إصرار على الأذى والإساءة إلى قضية عادلة ولا تزال من أهم القضايا الدولية.
هناك من يتجاهل خطورة تهمة معاداة السامية، والتي هي تهمة ليست بالسهلة، ليس لأنها فعلا تنم عن الكراهية والتحريض على مجموعة دينية أو عرقية، بل لأن التاريخ الحديث، لم ينسى بعد، الثمن الغالي الذي دفعته البشرية بسبب الكراهية العنصرية، قبيل وأثناء الحرب العالمية الثانية، عندما اشتغلت آلة القتل والدمار في قتل اليهود وعرقيات أخرى، فقط من أجل النظرة الدنيوية لكل ما هو غير أبيض وغير آري حسب مواصفات النازية التي صنفت البشر لمراتب وفقا لأعراقهم وانتمائهم وحتى وفقا لميولهم الجنسية والأيديولوجية، هذه النظرة لم ينجوا منها حتى من تحالف مع النازية ووقف ضد الإنسانية.

هناك من لا يعرف ولا يقدر أهمية أن تسمح له دولة أوروبية مثل السويد، أن ينظم مظاهرة لكي يأخذ فرصته، ويعبر عن رأيه في مساندة قضية سياسية أو إنسانية أو اجتماعية. وبدل أن يستغل هذه الفرصة لكي يلفت، على الأقل، انتباه الرأي العام، إلى عدالة ما خرج من أجله، يمكن أن يصبح المفعول عكسيا، بمجرد أن يطلق أحد المتهورين، أو الجهلة أو ربما المندسين، شعارات كراهية، لا يتردد البعض في ترديدها بعده وبقوة.
وكما أثبتت التجارب، ليس كافيا أن تكون قوة الحق موجودة حتى تكسب الرأي العام الدولي لصالحك، فهناك حق القوة الذي يفرض نفسه أيضا، وحق القوة لا يعني قوة العضلات العسكرية والاقتصادية فقط، هناك عضلات الحكمة والتنظيم والقدرة على الظهور بمظهر حضاري، والاستفادة من قدراتك وامكانياتك، وأنت تستعرض قوة الحق التي تمتلكها.

حسنا فعلت عدة جمعيات ومنظمات فلسطينية وإسلامية اليوم، بإصدارها بيانا نشرته الصحف ووسائل الإعلام السويدية، حول التبري من الخطاب المعادي للسامية، واعتبار المشكلة مع الاحتلال وليس مع الدين اليهودي أو اليهود أنفسهم، الذين وصفهم البيان بالإخوة في المواطنة السويدية، وحتى في الإنسانية.
من المهم دائما أن نعرف طبيعة المجتمع الذي نعيش به ونعرف قيمه ومبادئه، وعندما تمنح السويد، لأي جهة تعيش على أراضيها حق التظاهر، فهي تنفذ قوانين البلد والمجتمع. عندما شاهدنا الكم الكبير من الشرطة في مظاهرة السبت في ستوكهولم، قال أحدهم كم تكلفة كل شرطي فقط يوم عطلة لكي يحرس ويحافظ على تنفيذ قرارات وقوانين هذا المجتمع؟ ليس من أجل عيون المتظاهرين، وبغض النظر عن المواقف الرسمية للبلد، ولكن فقط من أجل عيون القانون والديمقراطية.
مرة أخرى، ومن أجل عدم الوقوع في “فخ معاداة السامية” أو أي فخ عنصري آخر، يستخدم من أجل تحويل الجاني إلى ضحية والضحية إلى مدان ومنبوذ، ومن أجل أن نستفيد مما هو متاح لنا من قوانين ديمقراطية في هذا البلد، يجب أن نبتعد عن خطاب العداء والكراهية لأي جهة كانت.

هذا الفخ للأسف حوّل انتباه الناس والرأي العام في العديد من الحالات عما يمارس ضد شعوب تطالب بحريتها وكرامتها واستقلالها، تماما كما يقع بعض الشباب في فخ التطرف والإرهاب غير المجدي، باسم الدين أو المبادئ القومية والوطنية، ففي الحالتين يكون الجهل وعدم القدرة على مخاطبة الآخر ومعرفة القدرات الذاتية من أهم الأسباب.
الوقوع في فخ العنصرية أو التطرف يعني أيضا إحراج الأصدقاء المحتملين وتخليهم عنك، وعدم اكتساب أصدقاء جدد، والإضرار بالتالي بقضيتك العادلة.
د. محمود صالح آغا
رئيس تحرير شبكة الكومبس الإعلامية