Lazyload image ...
2017-04-28

منبر الكومبس: انخرط‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬أحد‭ ‬الأحزاب‭ ‬العربية  ‬اليسارية‭ ‬فترة‭ ‬طويلة،‭ ‬ودرس‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬دول‭ ‬المعسكر‭ ‬الاشتراكي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬إلى‭ ‬السويد‭ ‬ويستقر‭ ‬بها.

‭ ‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬حديث‭ ‬معه‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬السويدي‭ ‬وكيف‭ ‬يعطي‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬الفرص‭ ‬للشباب‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬عمر‭ ‬مبكر‭ ‬لكي‭ ‬يتدربوا‭ ‬ويشعروا‭ ‬بطعم‭ ‬جني‭ ‬الأموال‭ ‬بنفسهم،‭ ‬قص‭ ‬عليّ‭ ‬قصة‭ ‬ابنته‭ ‬عندما‭ ‬تقاضت‭ ‬أول‭ ‬راتب‭ ‬لها‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬عمر‭16‬‭ ‬عاما،‭ ‬بعد‭ ‬عدة‭ ‬أيام‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬مطعم‭ ‬الوجبات‭ ‬السريع “«‬ماكدونالدز‮”. ‬

‭- ‬أتت‭ ‬ابنتي‭ ‬إلى‭ ‬المنزل‭ ‬غاضبة‭ ‬وهي‭ ‬تقول‭ ‬لنا: ‬تخيلوا‭ ‬لقد‭ ‬أخذوا‭ ‬من 800 كرون ضرائب‭ ‬من‭ ‬راتبي؟‭ ‬كيف‭ ‬ذلك؟‭ ‬هذا‭ ‬مبلغ‭ ‬كبير‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي،‭ ‬أنا‭ ‬جدا‭ ‬غاضبة،‭ ‬تباً‭ ‬لنظام‭ ‬الضرائب‭ ‬القاسي‭ ‬في‭ ‬السويد،‭ ‬لقد‭ ‬تعبت‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬لكي‭ ‬يخصمون‭ ‬مني‭ ‬هذا‭ ‬المبلغ‭!‬

وتابع‭ ‬صديقي‭: ‬نظرنا‭ ‬أنا‭ ‬وزوجتي‭ ‬إلى‭ ‬بعضنا‭ ‬البعض‭ ‬ولم‭ ‬نستطع‭ ‬أن‭ ‬نكتم‭ ‬ابتسامة‭ ‬تحولت‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬ضحكات‭ ‬عالية،‭ ‬وحاولنا‭ ‬أن‭ ‬نشرح‭ ‬للفتاة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المبلغ‭ ‬سيذهب‭ ‬إلى‭ ‬خزينة‭ ‬الدولة‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬تأمين‭ ‬المدارس‭ ‬والجامعات‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬والشيخوخة‭ ‬والدفاع‭ ‬والأمن‭ ‬والشرطة‭ ‬والنظافة‭ ‬والبيئة‭ …‬الخ‭.‬

صديقي‭ ‬المخضرم‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬أنهى‭ ‬قصته‭ ‬قال‭ ‬لي‭ : ‬هل‭ ‬تعلم‭ ‬أنني‭ ‬هنا‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلد،‭ ‬عرفت‭ ‬المعنى‭ ‬الحقيقي‭ ‬للمقولة‭ ‬الشيوعية‭ ‬أو‭ ‬الاشتراكية‭ ‬المعروفة،‭ ‬‮«‬‭ ‬كلٌ‭ ‬حسب‭ ‬طاقته‭ ‬ولكلٍ‭ ‬حسب‭ ‬حاجته‮»‬‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬خبرته‭ ‬وتعلمته‭ ‬نظرياً‭ ‬أثناء‭ ‬حياتي‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬استقراري‭ ‬في‭ ‬السويد‭. ‬عندما‭ ‬رأيت‭ ‬النظام‭ ‬الضريبي‭ ‬وتناسبه‭ ‬مع‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬يغطيها‭ ‬للأفراد‭ ‬وللمجتمع‭.‬

صديق‭ ‬آخر‭ ‬حدثني‭ ‬عن‭ ‬جارته‭ ‬التي‭ ‬تبلغ‭ ‬حوالي‭ ‬التسعين‭ ‬من‭ ‬عمرها،‭ ‬قائلاً،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬يتناوب‭ ‬على‭ ‬خدمة‭ ‬هذه‭ ‬السيدة‭ ‬الهرمة‭ ‬والمريضة‭ ‬فريق‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬الموظفين،‭ ‬لغسل‭ ‬ثيابها‭ ‬وتحضير‭ ‬الطعام‭ ‬لها‭ ‬وتنظيف‭ ‬منزلها‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هنالك‭ ‬من‭ ‬خدمات،‭ ‬وأردف‭ ‬متسائلاُ،‭ ‬كم‭ ‬يا‭ ‬ترى‭ ‬كلفة‭ ‬هذه‭ ‬الخدمات؟‭ ‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬الحكومات‭ ‬أو‭ ‬المجتمع‭ ‬لا‭ ‬يحسب‭ ‬ولا‭ ‬يضع‭ ‬فواتير‭ ‬على‭ ‬مصاريف‭ ‬خدمات‭ ‬أي‭ ‬شخص،‭ ‬طالما‭ ‬هذا‭ ‬الشخص‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الخدمات‭ ‬وهو‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة،‭ ‬ولأن‭ ‬الإنسان‭ ‬وكرامته‭ ‬غالية‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬موارد‭ ‬لكي‭ ‬تأمن‭ ‬عدم‭ ‬المساومة‭ ‬عليها‭ ‬وامتهانها‭. ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬نظام‭ ‬ضريبي‭ ‬عادل‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬يسعى‭ ‬لأن‭ ‬يكون‭ ‬غير‭ ‬ظالم،‭ ‬يأخذ‭ ‬من‭ ‬المواطن‭ ‬حسب‭ ‬دخله‭ ‬وقدراته،‭ ‬ويعطي‭ ‬لمواطن‭ ‬آخر‭ ‬حسب‭ ‬حاجاته‭ ‬ومتطلباته‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬له‭ ‬العيش‭ ‬كإنسان‭ ‬حر‭.‬

ليس‭ ‬ذلك‭ ‬فقط،‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬نظاما‭ ‬ضريبياً‭ ‬يتمتع‭ ‬بالعدل‭ ‬والصرامة‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تؤمن‭ ‬الموارد‭ ‬الضرورية‭ ‬لحماية‭ ‬نفسها‭ ‬وللمحافظة‭ ‬على‭ ‬الديمقراطية‭ ‬كمبدأ‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬حكم‭ ‬المجتمع،‭ ‬فعندما‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬إجراء‭ ‬محاكمة‭ ‬كلفت‭ ‬الدولة‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الكرونات،‭ ‬بسبب‭ ‬الشك‭ ‬بعدم‭ ‬أهلية‭ ‬المحكمة‭ ‬السابقة،‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬المال‭ ‬هو‭ ‬وسيلة‭ ‬لإقامة‭ ‬العدل‭ ‬وعدم‭ ‬خسارة‭ ‬الثقة‭ ‬بالنظام‭ ‬القضائي‭.‬

لهذا‭ ‬السبب‭ ‬كانت‭ ‬السويد‭ ‬توصف‭ ‬بالدولة‭ ‬الاشتراكية‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬نظامها‭ ‬رأسمالي،‭ ‬ونسب‭ ‬قول‭ ‬لأحد‭ ‬المسلمين‭ ‬عندما‭ ‬زارها‭: ‬لقد‭ ‬وجدت‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬مع‭ ‬أني‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬مسلمين‭ ‬‮«‬

 

رئيس تحرير شبكة الكومبس الإعلامية

د. محمود صالح آغا

Related Posts