Lazyload image ...
2016-09-11

الكومبس – مقالات الرأي: في مثل هذا اليوم 11 سبتمبر، التاريخ المرتبط بهجمات إرهابية هزت الولايات المتحدة والعالم، حصلت السويد بدورها على هزة إرهابية خاصة بها، عندما فارقت أنا ليند وزيرة الخارجية قبل 13 عاماً الحياة بعد أن طعنت في اليوم السابق بسكين مطبخ من قبل شاب من أصل صربي، وسط متجر في قلب العاصمة السويدية.

على عكس عملية اغتيال رئيس الوزراء السويدي ألوف بالمه، قبل 17 عاماً من اغتيال أنا ليند وبمكان لا يبعد إلا أمتار قليلة عن الحادث الأول، كشفت الشرطة والقضاء السويدي القاتل واقتنعت بدوافعه، فيما لاتزال عملية اغتيال بالمة يلفها الغموض والتكهنات.

انهيال الشاب الصربي ميهايلو ميهايلوفيتش على ظهر هذه الشخصية السياسية المتميزة وعلى بقية جسدها النحيل بسكين مطبخ كبيرة، في وضح النهار ووسط أشهر متاجر العاصمة، كان سببه وحسب اعترافات القاتل بعد فترة على اعتقاله، هو كرهه للسياسيين.

فقد تمت محاكمة ميهايلو ميهايلوفيتش عام 2004 وحكمت عليه محكمة الاستئناف بالرعاية الطبية النفسية الشرعية. كان ميهايلوفيتش قد أصر خلال الاستجوابات معه أن أصوات في داخله كانت قد تحكمت به ليهجم على أنا ليند ويقتلها، لكن المحكمة العليا لم تصدقه ولهذا لم يحاكم كمريض نفسيا في النهاية، بل حكم عليه بالسجن المؤبد. واتضح فيما بعد أن ميهايلوفيتش كان قد لعب دور المختل عقليا عن قصد لكي يتفادى الحكم بالسجن. باتت دوافع الجريمة غامضة لحد ما وأصبحت مصدر جدالات وحوارات وتخمينات عديدة على مدار العشر سنوات التي أعقبت الجريمة.

ومن الطبيعي ألا يفهم السويديون والعالم كله وقتها، أو لا يزال يتساءل، لماذا تُقتل وزيرة سويدية شابة وسط متجر، وهي تتسوق مع صديقتها في وضح النهار! ولماذا يكون الجاني شخص مختل ويعاني من أزمات نفسية، تصادف وجوده ومعه سكين مطبخ كبيرة، مع وجود ضحيته، في نفس الوقت وفي عين المكان.

أنصار نضرية المؤامرة

من السهل على أنصار اللجوء إلى “نظرية المؤامرة” تعليل السبب، من خلال الإجابة على هذه الأسئلة: ألم تكن هذه السياسية الواعدة، تشكل قلقا بل وخطرا على سياسة “البوليس الدولي” الأمريكية، وأعوانها في السويد وأوروبا، بعد إعلان “الحرب على الإرهاب”؟ ألم تكن آنا ليند أول المنتقدين لتداعيات هذه الحرب المجنونة التي تجاوزت الحدود الجغرافية والسياسية والسيادية لعدة حكومات، رضخت وتغاضت عن انتهاكات تعرض لها مواطنين ورعايا تابعين لها؟ خير مثال على ذلك موقفها العلني من قصة المصريين المبعدين من السويد بطائرة أمريكية إلى القاهرة أثناء حكم مبارك.

ألم تلهم مواقف هذه المرأة الشابة كل المدافعين عن قضايا الحرية والعدالة الدولية في العالم؟ خاصة عندما انتقدت بوضوح وعدم مواربة سياسة الاستيطان والقمع والتنكيل التي تمارسها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟

أنصار نظرية المؤامرة، يعتقدون جازمين بأن أسباب مقتل آنا ليند العام 2003 هي نفسها اسباب مقتل أولف بالمه العام 1986 الفرق الوحيد أن الجاني المنفذ في الجريمة الثانية لا يزال حرا طليقا، بينما يقبع منفذ الجريمة الثانية في السجن إلى الآن، هذه الأسباب تتعلق بالدرجة الأولى بمواقف الشخصيتين المناصرة للحرية وحقوق الإنسان، في العالم وبطبيعة الحال في بلادهما السويد.

في بلد مثل السويد، تغلب عادة الواقعية على العواطف، من الصعب أن تجد أغلبية مؤيدة لاستنتاجات مبنية على افتراض “المؤامرة” المدبرة مسبقا. أغلب الناس، هنا اقتنعت بأن الصدفة هي من جمعت بين شخص مريض نفسيا ويعاني من أزمات وبين شخصية سياسية مرموقة، في نفس الزمان والمكان، وأن هذا الشخص المتسلح دائما بسكين في سترته، نفذ رغبته بالانتقام من المجتمع الذي خذله وتخلى عنه من خلال اغتيال شخصية سياسية معروفة.

رواية قيام “المحافل الدولية” بتنفيذ القتل

ليس فقط العاطفيين من دول خارج السويد، هم من تبنى رواية القتل المنظم للوزيرة السويدية، بل أيضا هناك من يعتقد بوجود ونفوذ قوة ما يطلق عليهم “المحافل الخفية” وهي عادة قوى منظمة غير علنية، تخطط وتنفذ ما تراه مناسبا لحماية مصالحها العليا، ويدعي أصحاب هذه النظرية أن السويد تمتلك مثل هذا “المحفل” أو “الجيش السري” والذي يمنع وصول غير المرغوب بهم إلى المراكز الحساسة في الحكومة وقيادات الدولة، خاصة أن ليند كانت المرشح الأقوى لرئاسة الحزب الاشتراكي الديمقراطي وبالتالي رئاسة الوزراء السويدية.

رواية “النظرية الواقعية” التي تبنتها الحكومة وحتى المجتمع السويدي، مقابل “نظرية المؤامرة” التي لا تزال باقية في أذهان العديدين، تبدو أنها هي الأقرب إلى التصديق لأنها دعمت بتحقيقات وتحريات مطولة من قبل الشرطة ودوائر الأمن السويدية، والتي لم تجد أية ارتباطات للمنفذ الصربي بأي جهة منظمة، إلى جانب تأكيدات طبية تشخص حالة القاتل النفسية، والتي تظهر قابلية قيامه بجرائم قتل مماثلة.

يقول الصحفي إدوارد أونسغورد الذي ألف كتابا عن القاتل، إن المجتمع يجب أن يتعلم من جراء الكشف عن دوافع هذه الجريمة خاصة فيما يتعلق بالتهديدات ضد السياسيين.

“العديد منا يعلم أن هناك تهديدات توجه للسياسيين من قبل أشخاص تعاني من مشاكل اجتماعية أو نفسية. فقد يشعرون هؤلاء بالغضب والمرارة، ويجب علينا أن نأخذ شعورهم هذا بعين الاعتبار” ويضيف

” ميهايلوفيتش كان أحد هؤلاء الأشخاص الذين يشعرون أن المجتمع بكامله قد تخلى عنهم. إذ كان يواجه صعوبات في العلاقات الاجتماعية وفي المدرسة وكان وضعه العائلي صعب جدا حيث كان والده مدمن على الخمر وكان يضربه. أما والدته فكانت ضعيفة. كل هذا جعل من هذا الشاب، إنسانا يبدو عليه السكون، لكنه كان يحمل بداخله عدوانية شديدة. والغريب أنه لم تفعل إي مؤسسة اجتماعية، كالمدرسة أو مؤسسة طبية مثلا، ٍأي شيء لمساعدته”

ومهما تكن أسباب مقتل آنا ليند، تبقى هذه الشخصية، وبعد 13 سنة على رحيلها، مثالا للإنسان قبل أن تكون علما للسياسة، لأنه وببساطة كانت تمارس السياسة من منطلق الحرص على الإنسان وقيمته، ليس في بلادها وحسب، بل في كل أنحاء العالم.

اليوم يتذكر العالم هذه الشخصية السياسية الإنسانية من خلال مواقف التضامن مع المظلومين وقضاياهم في كل العالم، من خلال دفاعها عن حقوق المرأة، والدفاع عن حقوق الإنسان بشكل عام، يتذكر العالم إمراه نحيلة الجسد، لكنها تملك شجاعة قلب كبير، شجاعة الحق والمنطق والإنسانية.

نبذة عن حياة أنا ليند

من مواليد 19 يونيو 1957 في ستوكهولم، اغتيلت في 11 سبتمبر 2003، سياسية سويدية تنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي. وكانت عضوا في البرلمان أعوام 1982-1985 و1998-2003، واستلمت وزراه البيئة 1994-1998 ثم اصبحت وزيرة خارجية منذ العام 1998 إلى وقت اغتيالها .

أنا ليند هي ابنة الفنان ستيفان ليند درست القانون وانتخب في عام 1984 في رئاسة الشبيبة التابعة للحزب الاشتراكي الديمقراطي وهي اول مسؤولة أنثى في هذا المنصب. كان التزامها واضحا في التعاون والتضامن الدولي، والقضايا البيئية.

تزوجت أنا ليند في 21 يونيو 1991مع  بو هولمبرغ، وأنجبت منه ولدان.

رئيس تحرير شبكة الكومبس

د.محمود صالح آغا

Related Posts