Lazyload image ...
2012-06-14

يصعب التكهن بمآلات الأمور في سورية، وتختلط الخطوط الواضحة والخفية لتتشابك وترسم لوحة يصعب فك طلاسمها، وتتداخل الأخبار مع التحليلات، ويُمزج الصدق بالكذب لتخرج روايات مختلفة عن حكاية واحدة لا يمكن التنبؤ بخاتمتها مهما كان خيال المتلقي واسعاً، وتزيد القراءات المتضاربة الغموض غموضاً، وتشوش الرؤية دون أن تحجب ظلالا عميقة من سواد ممزوجة بألوان دماء.

يصعب التكهن بمآلات الأمور في سورية، وتختلط الخطوط الواضحة والخفية لتتشابك وترسم لوحة يصعب فك طلاسمها، وتتداخل الأخبار مع التحليلات، ويُمزج الصدق بالكذب لتخرج روايات مختلفة عن حكاية واحدة لا يمكن التنبؤ بخاتمتها مهما كان خيال المتلقي واسعاً، وتزيد القراءات المتضاربة الغموض غموضاً، وتشوش الرؤية دون أن تحجب ظلالا عميقة من سواد ممزوجة بألوان دماء. وعلى الأرض لا صوت إلا لصدى نداءات وابتهالات يتناهى بعضها إلى الأسماع، واضحاً حيناً، ومتقطعاً في أغلب الأحيان، وكثير منها بقي أسيرا في حناجر أطفال ونساء وأبرياء قضوا وتحولوا أرقاماً لا يتورع القاصي والداني عن المتاجرة بدمائهم.

أرقام ترتفع يوماً وتتناقص في يوم آخر، تسترعي اهتمام العالم حيناً، ويتناساها في معظم الأحيان، لكن جميع الأطراف داخلية كانت أم خارجية تتفنن في استغلال المأساة لخدمة أهدافها السياسية وتوظيف "عداد الأرقام، والمجازر" لشيطنة الخصم، والتدليل على صحة نهجها المتبع، والجميع ينسى، أو يكاد، البعد الإنساني لإزهاق الأرواح، وانعكاسات ذلك على مستقبل البلاد.

فوضى كونية

تعقد تصريحات الأطراف المتصارعة على الأرض في سورية رسم تصور أقرب إلى الواقع، تزداد حيرة المراقب، وكلما تعمق ازدادت حيرته.. تحاول صوغ مقاربتك الخاصة تقلب قنوات التلفزة، تستمع في إحدى القنوات عن مؤامرات كونية تستهدف الممانعة والمقاومة، وعن توطن عصابات سلفية على طول خريطة الوطن، تصغي إلى أحد "المحللين الجدد" الذين برزوا بكثرة كما العشب بعد مطر الصحراء، يترك المذيع الضيف على سجيته ليستمع العالم إلى مصطلحات وعبارات منتقاة من شعارات المرحلة ومراحل سابقة، شعارات بعضها عفا عنه الزمن، أو باتت مستهلكة لكثرة طرحها، ويتحفك هؤلاء بتحليلات "ما أنزل الله بها من سلطان"، تندم وتقرر الانتقال إلى قناة أخرى تصدمك مناظر القتل، تغمض عينيك، لتحرم نفسك ذاتيا من نعمة البصر، لكنك تضطر إلى الانتقال مرة أخرى إلى قناة أخرى، لأنك لم تستطع أن تمنع خيالك من تقليب وجوه الأطفال والنساء والضحايا، تتصور أنك تعرفهم، تتساءل أين رأيتهم في دمشق أم حمص أم درعا أم حلب لتستعرض خريطة البلاد كاملة، تستدركك الأفكار، لا هؤلاء كانوا بالأمس لاجئين، وذاك ربما شارك في مظاهرة، تتوقف عن التفكير وتصدمك صورة أطفال رضع، تدرك أنك لا تعرف أحداً من هؤلاء لكنك ترى فيهم صورة وطن ينزلق أكثر فأكثر إلى حرب أهلية برائحة طائفية كريهة.. تكابر وتؤكد أن مجتمعاتنا أبعد ما تكون عن الطائفية، وفي ذات الوقت تتوقف عن قناة تبث سموماً لتحرض طائفة على أخرى، تغلق التلفاز، وتتأكد مرة أخرى أن القنوات لا تكشف حقيقة ما يجري على الأرض.

خيوط متشابكة محيرة

تذهب إلى عناوين الصحافة وعالم الانترنيت الواسع، أخبار ومقالات وتصريحات تغرقك بتفصيلات وتحليلات وتوقعات، تزداد حيرتك، فتعود إلى آخر الأخبار مرة أخرى، وتحاول رسم خريطة فتتشابك الحدود والخطوط، من دمشق إلى كل أنحاء سورية… تنظر في تداخلات الخريطة الاقليمية فيتبادر إلى ذهنك لبنان مباشرة، خطوط من بيروت وطرابلس والبقاع باتجاه "الشقيقة الكبرى"، قتلى ومتاريس تبنى، ويتنتشر خلفها القناصة فيما يتخندق السياسيون كل حسب اصطفافه بانتظار انفجار كبير؛ تتقاطع الخيوط مع أخرى قادمة من أربيل وبغداد بعضها يتماهى مع أخرى قادمة من طهران، فيما يصب بعضها الآخر مع خيوط من الجنوب الشرقي حيث بلدان الخليج العربي، ومن الشمال تتخبط خيوط تركية المصدر، لتنسج لوحة بالغة التعقيد، عكس جارتها الأخرى إيران التي حددت اتجاه أسهمها بوضوح… تتداخل الخيوط القادمة من وراء المحيط، ويمر معظمها عبر القارة الهرمة تعجز عن تحديد وجهتها.. وأخرى تتضارب وتتفق مع خيوط أخرى تنطلق من موسكو وبكين… تعجز عن فهم الخريطة وتعقيداتها فتطرحها جانباً… تبدأ محاولة أخرى لفهم ما يجري، تبحث عن المستفيد من الأحوال تتجه فورا إلى إسرائيل فتجد تخبطا في استراتيجيتها عقب موجة الثورات العربية…

قارئة الفنجان ورسالة من قباني

العجز يدفعك إلى البحث عن المستقبل في كتابات المنجمين، لتكتشف سريعا أن الانقسام امتد إلى توقعاتهم، تتذكر ما تعلمته منذ الطفولة "كذب المنجمون ولو صدقوا"، لكن الفضول يدفعك إلى إمرأة مشهود لها؛ تشرب فنجان القهوة وتطلب منها قراءة الطالع، تحدق العجوز الخبيرة، وتخرج زفيرا صعبا، تعاود التحديق، كل الطرق موصدة، ولا بشارات بعد إشارة أو إثنتين، شهرا كانت أم سنة، تكسر العرافة الصمت لتطلب منك بصمة على قعر الفنجان، ترتسم معالم الحزن على وجهها، تطلب بصمة أخرى وتنهمر الدموع من عينيها لترسم فراغات بيضاء وسط بقايا القهوة، وتستقر الدموع في قاع الفنجان.

أبتعد عن الخيال، أطالع صحف الصباح، العالم يتخبط ويتأخر في تبني حلول توقف القتل، يرفض إعلان وفاة خطة كوفي عنان، ويعجز عن تبني خطة بديلة… المعارضة أو المعارضات بالأحرى تؤكد أنها أقوى وتبسط سيطرتها على مناطق أوسع، والنظام على أهبة الاستعداد لإعلان نصر جديد.. عداد الموت يواصل الارتفاع رغم وجود المراقبين الدوليين.. الرغبة بتغيير الواقع تعود وتدفعني إلى إطلاق العنان لبنات أفكاري لتستحضر روح عاشق دمشق نزار قباني باعثا برسالة يأمل في أن تلهب مشاعر العالم وتحثه على التحرك بسرعة، رسالة من أعماق الخوف بأن الشام توشك على الغرق في مستنقع الحرب الأهلية فهل من مجيب.

سامر الياس

روسيا اليوم

14 يونيو 2012

Related Posts