Lazyload image ...
2015-11-25

الكومبس – منبر: على مدار عدة أيام أصبح مضر مثنى مجيد الشخصية الأكثر شهرة في السويد، في البداية لأنه الشخص الأكثر خطرا والذي كان السبب في رفع مستوى التأهب الأمني لأول مرة في تاريخ السويد إلى الدرجة الرابعة من أصل خمس درجات، والآن بعد عدم اثبات أي تهم موجه له أصبح مضر مجيد مشهورا ببراءته وأصبح السبب بالحديث عن تسرع أو ربما فشل وقعت به أجهزة الأمن السويدية.

فقد أدى هذا التسرع إلى جملة أخطاء منها الإعلان عن ملاحقة ومطاردة شخص، مسجل وعنوانه معروف لدى مصلحة الهجرة ويعيش في منزل تدفع الدولة أجرته، وعندما علم أن كل السويد تلاحقه، بقي مكانه ولم يحاول الهرب. ومن الأخطاء التي نتجت عن هذا الخطأ، قيام الشرطة ووسائل الإعلام بنشر صورة واسم شاب لأنه متهم من قبل الأمن وليس من قبل القضاء، وقبل أن توجه أي تهمة إليه.

المدافعون عن موقف الشرطة السرية (السيبو) في تعاملها مع قضية اتهام الشخص الخطأ، يقولون إن الشرطة قامت بواجبها، وهذا يجب ان لا يكون غريبا، فمع ما حصل في فرنسا وأماكن أوروبية أخرى من عمليات إرهابية يسمح بنسبة حدوث أخطاء يمكن تصحيحها ولكن لا يسمح بارتكاب أغلاط لا يمكن أن تغتفر. إضافة إلى أن عدم تحديد سبب لرفع التأهب الأمني، كان يمكن أن يلهم أصحاب نظرية المؤامرة بالاسترسال في خيالهم، الذي سينتج أحكام على أي تصرف للشرطة والأمن بأنه مقصود ومرتب مسبقا، كما حدث في مناسبات عديدة سابقة في السويد وخارجها.

 

ولكن لطالما أننا نعيش في دولة قانون، فلا خوف على أحد من الظلم والاتهامات الباطلة.

العيش بدولة قانون وديمقراطية لا يعني أن احتمال حدوث “خطأ” هو صفر ولكن عملية التعامل مع هذا الخطأ وتصحيحه هو الفرق الكبير الذي يشعرك بأهمية ونعمة العيش بكنف القانون وتحت رعاية الديمقراطية. هذا الشعور يتعزز عندما تتابع كيف يطلق سراح شخص فور التأكد من عدم وجود أدلة ضده، كان بالأمس من أخطر المتهمين بالتخطيط لعمل إرهابي، دون تعذيب أو عنف، وأن تنشغل وسائل الإعلام والرأي العام ببراءته تماما كما انشغلت باتهامه.

يقول أحد القراء المعلقين متهكما: لو كانت هذه الحادثة في بلادنا لاضطر المتهم أن يعترف ليتخلص من التعذيب، أو لكان قتل لحفظ ماء وجه الأجهزة الأمنية والتستر على فشلها، الحمد الله أننا في دولة تحترم القانون.

تشعر بأهمية العيش بدولة عدل وديمقراطية، عندما ترى كيف يخرج محامي المتهم، والذي تدفع الدولة لقاء أتعابه، ليبين للجميع أن هناك فرق شاسع بين ما تبني عليه الأجهزة الأمنية تصوراتها لكي تضع شخص في دائرة الاتهام من خلال التقارير والاتصالات وربط المعلومات ومقارنتها وتوفر قرائن معينة، وبين ما يبني عليه الادعاء العام وفقا للقانون، قبل توجيه التهمة القانونية، المدعومة بالدلائل والإثباتات والبراهين، وما يتبع ذلك من إجراءات قانونية وعقد جلسات للمحاكم، كل ذلك لإظهار معنى قوة القانون واستقلاله وبعده عن أي تأثيرات.

هذا الشعور بأهمية أن تعيش في دولة توفر لكل الناس المتواجدين على أراضيها الأمن والعدل والكرامة، يظهر أيضا عندما تشاهد كيف تطلب الصحافة بتوضيحات من الشرطة على ما يعتبره الرأي العام أخطاء فادحة ارتكبت ليس بحق المتهم بل بحق المجتمع أيضا، فهل لا يزال بالفعل يوجد شخص ينوي او يخطط لأعمال إرهابية في السويد؟ وأن مضر مجيد هو الشخص الخطأ؟ أم أن كل هذه الزوبعة كانت في فنجان.

12278988_888453971268348_7363895149117613594_n

مصداقية أجهزة الأمن السويدية وقصة الذئب والراعي

وفي انتظار هذه التوضيحات يبقى موضوع رفع التأهب الأمني وهيبة تطبيقه، والتخوف من فقدان مصداقية الأجهزة الأمنية مثل قصة الراعي والذئب، عندما نادى الراعي مستغيثا سكان القرية من ذئب سيهاجم قطيعه مرتين دون أن يكون هناك ذئبا حقيقيا، ولكن في المرة الثالثة جاء الذئب فعلا، لكن الناس لم تصدق أو تكترث لنداء وتوسلات الراعي.

ومع ذلك تبقى مسألة الحذر مرتبطة بتوفر مصادر الخطر، وطالما هذه المصادر موجودة وقائمة سيبقى الحذر سيد الموقف، هذا ما تؤكده تصريحات المسؤولين السياسيين والأمنيين.

وجود أو احتمال وجود إرهابيين محتملين بين صفوف القادمين الجدد ضمن تيارات اللجوء التي تتدفق على أوروبا والسويد ممن يمكن أن يزرعهم ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” هو أحد مصادر الخطر، حسب الشرطة السرية السويدية، خاصة في حال التأكد من أن الجواز السوري الملقى بجانب جثة أحد منفذي الهجوم، هو بالفعل يعود له، ولم يجري وضعه لتضليل التحقيق.

مصادر قلق الجاليات والأفراد من أصول شرقية في السويد وأوروبا:

في سؤال للرأي وضعته شبكة الكومبس على موقعها alkompis.se لمعرفة ما إذا كان قراء الموقع يشعرون بالقلق من قيام السلطات الأمنية السويدية برفع مستوى التأهب إلى الدرجة الرابعة في أول مرة بتاريخ السويد، أجاب إلى حد الآن أكثر من 45% بنعم بسبب الخوف من تزايد الكراهية للأجانب في المجتمع السويدي، فيما أجاب حوالي 22% بأن مصدر قلقهم يعود إلى الخوف من زيادة المراقبة ومن التضييق على الحريات الشخصية، فقط حوالي 19% أجابوا بأنهم لا يشعرون بالقلق.

على ضوء هذه النتائج ومتابعة لآراء وتعليقات القراء والمتابعين يمكن توقع حدوث معاناة من نوع آخر سيعاني منها معظم المهاجرين واللاجئين والمقيمين في أوروبا ويحملون أسماء وملامح شرقية، قد تشكل وللأسف لدى بعض العنصريين أو الجاهلين مصدرا للكراهية والبغض، أو على الأقل مصدرا للريبة والحذر وعدم الارتياح.

“أنا ضحية للإرهاب ومن الظلم أن أصبح متهما به”

لا أحد يستطيع التكهن أن كل المجتمع الفرنسي أو السويدي أو الأوروبي اجمالا يعرف الحقيقية، حتى يتخلص من عقدة الأحكام المسبقة والتعميم الذي له علاقة بنفسية البشر وطرق تفكيرهم، الحقيقية التي توضح أن الإرهاب لا دين ولا عقيدة له، هل يعرف الجميع أن حقيقة الإرهاب هي حقيقة واحدة؟ وأن الإرهاب الذي ضرب في باريس في يوم الجمعة 13 نوفمبر، هو الذي ضرب بيروت قبل أيام وأسقط طائرة روسية منذ اسابيع، وهو نفس الإرهاب الذي يضرب مدن ونواحي سوريا منذ أكثر من أربع سنوات، كما يضرب اليمن والعراق وليبيا وغيرها؟

هل يعرف الفرنسي او السويدي الحقيقة قبل أن ينظر لأي أحد يحمل ملامح شرقية، نظرة قد تحمل معاني الاشمئزاز أو الريبة، حقيقة أن هذا الأحد أيضا ضحية للإرهاب، ولهدا السبب هو هنا يحمل صفة “لاجئ مزمن” حتى وان قضى معظم سنين حياته خارج وطنه. هل الجميع يعرف أن اللاجئ في أوروبا هو ضحية لإرهاب قد يكون مستجد وعنيف يسمى الآن “داعش” أو إرهاب قديم ولا يقل عنه عنفا، مارسه ضده حاكم أو نظام مستبد وجائر أو قوة احتلال صادرت بيته وأغلقت أمامه أبواب المستقبل والحاضر وراقبت حتى النفس الذي يمكن أن يتنفسه؟

الإرهاب واحد ولا يمكن تصنيفه حسب كل حالة

الإرهاب لا يمكن أن يتجزأ ولا يمكن أن يصنف حسب ميول من يصفه، أو وفق موطنه ومصدره وشكل ممارسته، الإرهاب هو إرهاب وهو مرادف للاغتصاب وللقتل وللتنكيل ولمصادرة الحريات ولقطع الأرزاق وللحصار وللاحتلال ولممارسة الذل ولإهانة كرامة الإنسان.

ومجابهة الإرهاب بإرهاب مضاد هو أيضا إرهاب، يجب أن نبحث عن أسبابه وجذوره لمكافحته والقضاء عليه بنفس الوقت والطريقة التي يجب أن ندينه ونرفضه أيضا.

ولعل تصريح وزيرة الخارجية السويدية وربطها بين ما يحدث بالأراضي الفلسطينية المحتلة وبين تقوية ذرائع وصول الأفكار المتطرفة إلى عقول الشباب، كان ربطا موفقا، فهي بالطبع ترفض ولا تبرر بأي شكل استخدام العنف والإرهاب حتى وان كان كردة فعل أو انتقاما لإرهاب آخر، لكن تصريحها هو دعوة لقطع مصدر مهم من مصادر تغذية الإرهاب وتجنيد الشبان للقيام بأعمال العنف. وهذا ما يبرز أهمية العمل لتحقيق العدالة الدولية وحل القضايا العالمية التي لا تزال دون حل عادل، خاصة القضية الفلسطينية.

احتمال تكرر الهجمات الإرهابية وحركة اللجوء إلى أوربا

تداعيات ما بعد صدمة هجمات باريس يمكن أن تؤثر على الجاليات الشرقية عموما في أوروبا ويمكن أن تطال حركة اللجوء الحالية، هذا ما سارعت حكومات بعض دول أوروبا الشرقية إلى التحذير منه بتصريحات فجة ربطت فيها بين قدوم أعداد كبيرة من اللاجئين وبين أمن المجتمعات الأوروبية.

سنرى قريبا مقالات وكتابات تحاول تبرئة المسلمين والعرب والشرقيين وكأنهم متهمين محتملين، وسنرى كيف سندافع عن الالتباس بين شكلنا واسمائنا ومعتقداتنا وقضايانا العادلة وبين من قرر أن يرهب الناس ويقتلهم باسمنا وباسم قضايانا العادلة.

يعبر عامر وهو أحد طالبي لجوء من الواصلين حديثا إلى السويد عن شعور بالقلق وربما بالخوف من أن تؤثر هجمات باريس عليه وعلى طلبه للجوء، ويقول متسائلا: هل تبددت جميع أحلامي بالوصول إلى بلد كنت أتوقع أن يمنحني وعائلتي السلام والأمان وهل ذهبت سدى كل هذه الأعباء التي تحملتها أثناء رحلة لجوء طويلة وشاقة بدأت من أحد أحياء دمشق المتهالكة بسبب حرب عبثية؟

يسأل عامر عن المستقبل الذي ينتظره وينتظر أولاده ويقول: هربنا من الإرهاب لنجده حتى في أوروبا، ولكن المشكلة ليست فقط هنا بل وبسبب أشكالنا نشعر أننا متهمين به أيضا، فهل هناك أسوأ من هذا الشعور، عندما تكون ضحية وتصبح متهما.

إعلان السلطات الفرنسية عن وجود جواز سفر سوري لأحد القادمين الجدد عن طريق اليونان، عزز مخاوف ربط حركة اللاجئين إلى أوروبا بزعزعة الأمن الأوروبي. خاصة أن هذه المخاوف تعدت القارة الأوروبية لتصل إلى الولايات المتحدة، عندما أعلن الحزب الجمهوري تحفظه على خطط لاستقبال لاجئين سوريين منعا لوجود إرهابيين محتملين بينهم.

واقعة العثور على الجواز السوري وعلى الرغم من التهكمات العديدة في وسائل التواصل الاجتماعي على وجوده بحالة جيدة بجانب جثة صاحبه المتفحمة، للأسف يمكن أن تكون واقعة صحيحة، ويمكن أن تكون مقصودة أيضا، فمن يجد سهولة في تجنيد وغسل دماغ شبان ولدوا وتربوا في أوروبا لا يصعب عليه تجنيد شبان من دول تعاني الحروب لدسهم بين جموع القادمين لتقديم لجوء في الدول الأوروبية.

الشعور بأننا جزء من هذا المجتمع هو مسؤولية لها أولوية مهمة

رفع مستوى التأهب الأمني والاستمرار بالعمل فيه إضافة إلى تداعيات ما بعد الصدمة الأولى لهجمات باريس ستأثر حتما على العديدين، لكن تخفيف حدة هذه التداعيات مسؤولية يتقاسمها الجميع، تماما مثل المسؤولية عن محاربة الأفكار المتطرفة بين الشباب من أصول مهاجرة، ولعل أهم ما يحدد شكل هذه المسؤولية هو شعورنا جميعا أننا ننتمي إلى مجتمع ديمقراطي ومنفتح ومتسامح ويجب أن نحافظ عليه، مسؤولية المحافظة على هذا المجتمع تبدأ بشعورنا أننا جزء منه وأننا نحن وأولادنا ننتمي له نمارس حقوقنا ونقدم واجباتنا مثل كل المواطنين، وحتى وأن لم يعجب  ذلك دعاة العنصرية والتعصب، فهؤلاء يتقاسمون هدف واحد مع  الإرهابيين والمتطرفين وهو تقويض ركائز ووحدة وقيم المجتمع.

وفي انتظار هذه التوضيحات يبقى موضوع رفع التأهب الأمني وهيبة تطبيقه، والتخوف من فقدان مصداقية الأجهزة الأمنية مثل قصة الراعي والذئب الشرطة قامت بواجبها، وهذا يجب ان لا يكون غريبا، فمع ما حصل في فرنسا وأماكن أوروبية أخرى من عمليات إرهابية يسمح بنسبة حدوث أخطاء يمكن تصحيحها ولكن لا يسمح بارتكاب أغلاط لا يمكن أن تغتفر

يقول أحد القراء المعلقين متهكما: لو كانت هذه الحادثة في بلادنا لاضطر المتهم أن يعترف ليتخلص من التعذيب، أو لكان قتل لحفظ ماء وجه الأجهزة الأمنية والتستر على فشلها، الحمد الله أننا في دولة تحترم القانون سنرى قريبا مقالات وكتابات تحاول تبرئة المسلمين والعرب والشرقيين وكأنهم متهمين محتملين، وسنرى كيف سندافع عن الالتباس بين شكلنا واسمائنا ومعتقداتنا وقضايانا العادلة وبين من قرر أن يرهب الناس ويقتلهم باسمنا وباسم قضايانا العادلة.

هل يعرف الفرنسي او السويدي الحقيقة قبل أن ينظر لأي أحد يحمل ملامح شرقية، نظرة قد تحمل معاني الاشمئزاز أو الريبة، حقيقة أن هذا الأحد أيضا ضحية للإرهاب، ولهدا السبب هو هنا يحمل صفة “لاجئ مزمن”

رئيس التحرير

د. محمود صالح آغا

Related Posts