Lazyload image ...
2016-03-27

الكومبس – صحافة أوروبية: هذا المقال مترجم من صحيفة الاندبندت البريطانية، ونشر في 19 مارس 2016 وترجمه للكومبس الزميل محمد راجحة.

الحكومة الفرنسية والبريطانية مكّنت داعش من التّنامي، لكنَّ وسائل الإعلام أخرجت الحكومتين من الورطة

يعني القبض على صلاح عبد السلام، الذي يُعتقد بأنّه المخطط الوحيد الباقي قيد الحياة من مجزرة باريس، بأنَّ وسائل الإعلام تركّز مرّة أخرى على تهديد الدّولة الإسلامية بهجمات إرهابية. والتساؤلات المطروحة هنا تتمحور حول الأسباب التي تجعل المطلوب الأبرز في أوروبا قادراً على الإفلات من الشرطة لفترة طويلة، على الرغم من أنّه كان يعيش في منزله بمنطقة مولينبيك في بروكسل. وتطرح وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة بعصبية تساؤلات عن احتمالات تنفيذ داعش لفظائع أخرى تهدف إلى الهيمنة على أجندة الأخبار وتُظهر بأنّ التّنظيم لا يزال فاعلاً.

تتوافق التّغطية الإعلامية التي تتناول الأحداث التي وقعت في بروكسل مع تلك التي تبِعت أحداث (تشارلي أيبدو) في كانون الثاني وهجمات باريس وعمليات القتل على الشواطئ التونسية في نوفمبر وقامت بها داعش في العام الماضي. ولعدة أيّام عملت وسائل الإعلام على التّغطية الشّاملة حيث رصدت الزمان والمكان وابتعدت في ذلك عن ربط الأحداث بالتّطورات المطلوب معرفتها. ولكن بعد ذلك انتقل التّركيز فجأة إلى مكان آخر وأصبح داعش حكاية الأمس، وتمَّ التعاطي مع الأمر كما لو أنَّ النّشاط لم يعد موجوداً أو على الأقل فقد التّنظيم قدرته في التّأثير على حياتنا.

وتحوّلت التّغطية بدلاً من أنَّ داعش توقّف عن قتل أعداد كبيرة من النّاس منذ مجزرة باريس في 13 نوفمبر إلى أنَّ التنظيم لا يقوم بذلك في أوروبا. لقد كنتُ في بغداد في 28 فبراير عندما فجر انتحاريان من داعش على دراجتين ناريتين نفسيهما في سوق شعبي للهواتف بمدينة الصّدر، ما أسفر عن مقتل 73 شخصاً وإصابة أكثر من 100. وفي اليوم نفسه، هاجم العشرات من مقاتلي داعش بالرشاشات الثّقيلة المحمولة على سيارات رباعية الدّفع مواقعَ للجيش والشرطة في مدينة أبو غريب، التي يقع فيها السجن سيء السمعة على المشارف الغربية لبغداد. وكان هناك هجوم أوّلي على الثّكنات نفّذه لا يقل عن أربعة انتحاريين، أحدهم يقود سيارة محمّلة بالمتفجرات، واستمر القتال لساعات حول صوامع القمح المحروقة.

نادراً ما استرعت هذه الأحداث الدّامية انتباه العالم الخارجي كونها تبدو جزءاً من المشهد الطبيعي في العراق وسورية. ولكنَّ العدد الكلّي للعراقيين الذي قتلوا في هذين الهجومين وتفجير انتحاري مزدوج آخر على مسجد للشيعة في حي الشّعلة في بغداد قبل أربعة أيام كان هو نفسه لعدد الذين لقوا حتفهم في باريس على يد تنظيم داعش في نوفمبر الماضي وبلغ 130 شخصاً.

ودائماً ما كان يفصل الأوروبيون في أذهانهم بين الحربين في العراق وسوريا والهجمات الإرهابية ضدّهم. وكان هذا في جزءٍ منه بسبب تقييمهم بأنّ بغداد ودمشق هي أماكن مريبة ومخيفة، حيث صور التفجيرات منذ الغزو الأمريكي عام 2003 أصحبت سائدة. ولكن هناك سبباً يغيّب بخباثة ولا يستوعبه الأوروبيون بما فيه الكفاية في توصيف العلاقة بين الحروب في الشرق الأوسط والتهديد الموجّه لأمنهم. وذلك لأنَّ فصل المسألتين من كبرى المصالح للقادة السياسيين الغربيين، وهذا يعني بأنَّ الرأي العام لن يرى بأنَّ السياسات الكارثية في العراق وأفغانستان وليبيا وغيرها هي التي خلقت الظروف المناسبة لتنامي داعش والجماعات الإرهابية كتلك الّتي ينتمي إليها صلاح عبد السلام.

عادة ما يتبع الفظائعَ فيضٌ من مشاعر الحزن على المستوى الرسمي، كالمسيرة التضامنية في شوارع باريس لـِ 40 من قادة العالم بعد عمليات القتل في تشارلي أيبدو العام الماضي، في سعي لتحوير أيِّ فكرة تتمحور حول الإخفاقات السياسية لهؤلاء القادة الذين قد يكونون مسؤولين إلى حدٍّ ما عن المجزرة. وعادة ما ينظّم من لا سلطة لهم مثل هذه المسيرات التّضامنية للتعبير عن الاحتجاج والتّحدي، غير أنَّه في هذه الحالة نُظّمت المسيرة كمجرّد إثارة دعائية لصرف الانتباه عن عدم قدرة هؤلاء القادة على التّصرف بفعاليّة ووقف الحروب في الشرق الأوسط التي فعلوا الكثير لإثارتها.

وثمّة جانب غريب لهذه الصراعات وهو أنَّ القادة الغربيين لم يدفعوا أبداً أيَّ ثمنٍ سياسيٍ لدورهم في إذكاء الصراعات أو انتهاج السياسات الّتي تؤجج بشكل فاعل العنف. فتنظيم داعش هو القوّة المتنامية في ليبيا، وهذا أمرٌ ما كان ليحدث لو لم يساعد ديفيد كاميرون ونيكولا ساركوزي على تدمير الدولة الليبية من خلال الإطاحة بالقذافي في عام 2011. وتنظيم القاعدة يتوسع في اليمن، حيث أعطى القادة الغربيون الضوء الأخضر للسعودية لإطلاق حملة عسكرية دمّرت البلاد.

بعد مجزرة باريس العام الماضي حازت فرنسا على دفقٍ من الدّعم المعنوي وبعض النقد لسياساتها في سورية وليبيا، وعلى الرغم من ذلك كانت سياسات فرنسا لصالح داعش وغيرها من الحركات السّلفية الجهادية منذ عام 2011.

ومن الجدير، الاقتباس المطوّل من الفرنسي فابريس بلانشيه، المختص بالجغرافيا السياسية والخبير في سورية والذي يعمل حالياً في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، حول هذه المفاهيم الخاطئة لفرنسا، على الرغم من أنّها تنطبق أيضاً على بلدان أخرى. فقد قال بلانشيه في لقاء مع آرون لوند من مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي: “رفضت وسائل الإعلام النّظر إلى الثّورة السورية سوى أنّها استمرار لثورتي تونس ومصر، في خضمِّ الحماس أيّام الربيع العربي. لم يفهم الصحفيون الرقعة الطائفية في سورية، أو لربما لم يريدوا أن يفهموا. ومن جانبي كنتُ تحت الرقابة لعدة مرات.

“كان للمثقفين السوريين في المعارضة، وكثير منهم عاش في المنفى لعدةِ عقود، خطاب مماثل لخطاب المعارضة العراقية خلال الغزو الأمريكي عام 2003. وبعضهم خلط بصدق بين الآمال بمجتمع لا طائفي مع الواقع، بينما حاول البعض الآخر كجماعة الإخوان المسلمين تشويه الواقع من أجل الحصول على دعم من الدول الغربية”.

في عام 2011-2012، عانينا نوعاً من القمع الفكري في المسألة السورية إذا تحدّثت عن أنَّ الأسد ليس على وشك السّقوط في غضون ثلاثة أشهر، وسيُشتبه بأنَّك مأجورٌ للنّظام السّوري. ومع وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية إن تناولت استقبال المعارضة السورية، قد يُعتبر ذلك أمراً سيئاً يتناقض مع بيانات الخارجية”.

فتحت فرنسا وبريطانيا من خلال استقبال المعارضة السّورية والليبية وتدمير الدّولة السورية والليبية، الباب لتنظيم داعش، وينبغي أن تتحمّل جزءاً من المسؤولية لتنامي داعش والإرهاب في أوروبا. وبرفضهم الاعتراف أو التّعلم من أخطاء الماضي لم يقم الأوروبيون بالشيء الكافي لتوفير الأسس النّاجحة حالياً “لوقف الأعمال العدائية” في سورية وهو تماماً ما تقترب الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا من إنجازه.

وتتوافق بريطانيا وفرنسا في سياساتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج تجاه سوريا. وفي ذلك سألتُ مفاوضاً سابقاً لماذا حدث ذلك فأجاب بسخط: “المال؛ هم يريدون الصّفقات مع السعودية”. بعد إلقاء القبض على صلاح عبد السلام دارَ حديث عن الثّغرات الأمنية التي مكّنته من تجنب الاعتقال لفترة طويلة، غير أنَّ ذلك لا يهم كثيراً طالما ستستمر الهجمات الإرهابية ما بقي تنظيم داعش نشطاً. ومرة أخرى، فإن التّغطية الإعلامية الواسعة تسمح للحكومات الغربية الهروب من المسؤولية عن الفشل الأمني والأكثر سوءاً من ذلك السياسات الكارثية لها.

“الفوضى والخلافة: الجهاديون والغرب والصراع من أجل الشرق الأوسط” لباتريك كوكبيرن نُشر الشهر الحالي
ترجمة محمد راجحة

Related Posts