Lazyload image ...
2012-06-02

تشهد الأزمة السورية منعطفاً حرجاً، وتتصاعد حدة المواقف الدولية في شكل لافت بعد نحو أسبوع على مجزرة الحولة التي راح ضحيتها العشرات من الأطفال والنساء، وتزداد الضغوط على روسيا من أجل تغير موقفها، رغم أن مجمل التحركات والتصريحات تشي بأن العالم لا يستطيع التخلي عن خطة المبعوث الأممي العربي المشترك كوفي عنان، وهو أساس الموقف الروسي الذي ما فتئت تكرره على لسان رئيسها ووزير خارجيتها، ويكاد أي تحرك دولي أن يكون محصورا بتعديلات معينة على خطة عنان الذي أعرب عن نفاد صبره وإحباطه نتيجة استمرار العنف.

تشهد الأزمة السورية منعطفاً حرجاً، وتتصاعد حدة المواقف الدولية في شكل لافت بعد نحو أسبوع على مجزرة الحولة التي راح ضحيتها العشرات من الأطفال والنساء، وتزداد الضغوط على روسيا من أجل تغير موقفها، رغم أن مجمل التحركات والتصريحات تشي بأن العالم لا يستطيع التخلي عن خطة المبعوث الأممي العربي المشترك كوفي عنان، وهو أساس الموقف الروسي الذي ما فتئت تكرره على لسان رئيسها ووزير خارجيتها، ويكاد أي تحرك دولي أن يكون محصورا بتعديلات معينة على خطة عنان الذي أعرب عن نفاد صبره وإحباطه نتيجة استمرار العنف.

وفي الأيام الأخيرة قررت الدول الغربية بشكل جماعي طرد السفراء والدبلوماسيين السوريين المعتمدين لديها ردا على مجزرة الحولة، وهي إشارة إلى أن باب الحوار مع الرئيس بشار الأسد وحكومته بات مغلقاً، وأن البلدان الغربية، ربما، تبحث عن آليات جديدة للتأثير في مجريات الأمور في سورية، وتسعى إلى إسقاط الأسد بطرق مختلفة.

الحملة ضد دمشق ترافقت مع هجوم لاذع على موسكو خرج في أحيان كثيرة عن أصول الدبلوماسية، وردت عليه موسكو بأنها لا تقف مع أي طرف ضد آخر في سورية، ولكن إغلاق الغرب لباب الحوار مع النظام يزيد من أهمية وحيوية الدور الروسي، ولا يجعله مقتصرا على الخوف من استخدام روسيا لحق الفيتو في مجلس الأمن.

حقيقة الموقف الروسي…

كشفت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى ألمانيا وفرنسا عن أهم النقاط التي ترتكز إليها السياسة الروسية في التعامل مع الأزمة السورية، وهي بايجاز؛ عدم جواز التسرع في إعلان فشل مهمة المبعوث الأممي إلى سورية كوفي عنان، واعتبار ذلك خطأ جسيماً، والتشديد على ضرورة بذل كل الجهود لانجاح المهمة.

وتنطلق روسيا من " الموافقة على أي خيار يقبله الشعب السوري"، ومحاولة "وقف العنف وتفادي نشوب حرب أهلية"، مع التأكيد على أن تغيير النظام الحاكم لا يؤدي بالضرورة إلى تحسن الأوضاع، وسواد الرفاهية التامة، وتستشهد روسيا على لسان رئيسها بوتين بما جرى في ليبا عندما يشير إلى أن "الجميع يعرف استبداد القذافي…. وهل تعرفون ماذا كان يحدث في سرت بعد دخول المسلحين إليها؟ لماذا لا تكتبون عن هذا؟ هل أصبح الوضع الإنساني رائعا؟"

وفي المؤتمر الصحفي مع نظيره الفرنسي فرانسوا هولاند، في باريس أمس 1 يونيو/ حزيران، شدد بوتين على "عدم وجود مصالح خاصة لروسيا في سورية"، وأكد أن ما يقلقه "هو خروج الوضع عن السيطرة وقتل المدنيين"، وأوضح أن هدف روسيا يتمثل في "تحقيق المصالحة بين جميع أطراف النزاع… والسعي إلى جعل الحل الدبلوماسي السلمي ممكناً".

وبنظرة متأنية لهذه الركائز يتضح أن روسيا تتعامل بهدوء، لا بتصريحات رنانة تزيد في تعقيد الأمور لا حلحلتها، ويبرز هذا جليا في تصريحات الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أثناء المؤتمر الصحفي مع بوتين عندما انطلق من أنه "لا بد من فرض عقوبات على دمشق للحصول على نتائج… الرئيس السوري بشار الأسد ارتكب أفعالا غير مقبولة، ولا حلّ للأزمة في سورية بدون رحيل بشار الأسد". لكنه وفي نفس المؤتمر قال إنه "يجب أن تستكمل خطة المبعوث الأممي كوفي عنان حتى النهاية وصولا إلى حل سياسي، ولدينا أفق للحل السياسي في سورية". وهو بذلك يعود في شكل أو آخر إلى الطرح الروسي. وعدا ذلك فالطرفان متفقان على أن الأوضاع الحالية تنذر بإمكانية الإنزلاق إلى الحرب الأهلية في سورية، لكن هولاند وغيره يعون تماماً أن فرض مزيد من العقوبات على النظام لا يمكن أن يدفع باتجاه حل سياسي، أو يمنع الانزلاق في الحرب الأهلية بل ربما يزيد الأمور سوءا، وهو ماقاله بوتين في شكل أكثر دبلوماسية عندما أشار إلى أن "العقوبات لا تنجح دائما".

مستقبل مهمة عنان..

حذر الرئيس بوتين من أن إعلان فشل مهمة عنان "سيؤدي إلى نتائج عكسية"، تحذير يأتي بعد ساعات من تصريحات لعنان في بيروت قال فيها إنه يشعر"بالاحباط ونفاد الصبر" بسبب استمرار العنف في سورية، وفي اليوم التالي وعلى هامش اللجنة الوزارية العربية في قطر أكد عنان أن الأزمة السورية تعيش نقطة تحول، وأنه آن الأوان لمراجعة وتقييم جاد، وطالب عنان المجتمع الدولي بالعمل بفعالية أكبر لتنفيذ الخطة.

وتتزامن تصريحات بوتين وعنان عما كشفت عنه مصادر صحفية بأن الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي طلب من مجلس الامن الدولي زيادة حجم بعثة الأمم المتحدة في سورية ومنحها سلطات موسعة لحماية الناس في اعقاب تصعيد في أعمال العنف هناك.

واللافت أن اقتراح العربي يشبه الصيغة التي استخدمها مجلس الأمن العام الماضي لاجازة التدخل العسكري في ليبيا، ولا تنسف خطة عنان لكنها تمهد لتغير نوعي في طبيعة المهمة في حال وافقت الحكومة السورية على ذلك، وهي تكمل تصريحات أطلقها عنان في بيروت أمس بأنه "اذا كانت هناك خيارات اخرى مطروحة على الطاولة سأحييها وأؤيدها".

ومما لاشك فيه أن الدبلوماسي المخضرم والأمين العام السابق للأمم المتحدة يدق ناقوس الخطر من رداءة الأوضاع في سورية، لكن الواضح أنه رغم سيل التصريحات الغربية والدولية فإن مهمته مستمرة إلى حين وجود خطة بديلة، وهنا يجب عدم التوهم بأن روسيا تقف حجر عثرة في طريق الوصول إلى هذه الخطة، فموسكو شددت مرارا على أنها ضد التدخل العسكري في سورية، وأنها لن تصوت لصالح هذه الخطوة، لكنها في ذات الوقت لا تستطيع منع الولايات المتحدة وحلفائها من تنفيذ ضربات على غرار ماجرى في العراق ويوغسلافا السابقة، وغيرها، وحتى اتخاذ قرار غربي بالتدخل فإن واشنطن المنشغلة في الانتخابات الرئاسية خريف العام الحالي، وبروكسل التي تعيش أكبر أزمة منذ الحرب العالمية الثانية سوف تواصلان تحميل موسكو المسؤولية عن تردي الأوضاع في سورية، وفي ذات الوقت سوف تدعمان مهمة عنان مع محاولة الضغط لفرض تعديلات معينة عليها، ومما لاشك فيه أن الشهر الحالي سوف يشهد حراكا متواصلا من أهم معالمه لقاء الوزير سيرغي لافروف مع نظيرته هيلاري كلينتون وبعده لقاء رئيسي البلدين أثناء قمة العشرين في المكسيك، وقبل ذلك لقاء أصدقاء الشعب السوري في باريس في التاسع من الشهر الحالي، وغيرها من المواعيد إن لم يحدث طارئ جديد على شاكلة مجزرة الحولة. وأختتم بما قاله الرئيس بوتين أمس بأن "التوصل إلى حل سياسي يتطلب التحلي بالصبر"، لأن التصرف بالانفعالات ربما يؤدي إلى نتائج لا يحمد عقباها، والأفضل هو الدفع باتجاه تنفيذ بنود خطة كوفي عنان ببنودها الستة كاملة، ولا ضير في الضغط على مختلف الأطراف لتنفيذها، فعدم وجود خطة بديلة يدفع بسورية والمنطقة إلى حرب أهلية طويلة ومؤلمة.

سامر الياس

روسيا اليوم

2 يونيو 2012