Lazyload image ...
2012-07-03

سرعان ما تضاربت مواقف موسكو وواشنطن حول تفسير الاتفاق الذي خرج به اجتماع "مجموعة العمل حول سورية" في جنيف، والرؤية لمستقبل الرئيس بشار الأسد ودوره في المرحلة المقبلة،

سرعان ما تضاربت مواقف موسكو وواشنطن حول تفسير الاتفاق الذي خرج به اجتماع "مجموعة العمل حول سورية" في جنيف، والرؤية لمستقبل الرئيس بشار الأسد ودوره في المرحلة المقبلة، ورغم تأكيد المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية كوفي أنان أن "الوثيقة واضحة" فإن البيان المقتضب الذي تلاه في ختام الاجتماع الأول لم يكشف عن أي تفاصيل، وتحاشى الخوض فيها، وزادت تصريحاته عقب المؤتمر الغموض حول مستقبل الفترة الانتقالية وآليات تنفيذ "مبادئ العملية السياسية الإنتقالية"، خصوصا في ظل تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون بأن الاتفاق يمهد لمرحلة ما بعد الأسد، في مقابل إصرار نظيرها الروسي سيرغي لافروف على أنه لا يوجد ما يشير إلى تنحي الأسد في الوثيقة التي تشدد على ضرورة عدم استبعاد أي طرف، وترك الأمور للسوريين لتحديد مصير الفترة المقبلة، إضافة إلى اصرار لافروف على أن الحل يتطلب بيئة مناسبة لا إملاءات أو شروط مسبقة.

جديد أنان القديم…

سربت بعض وسائل الإعلام العربية ما قالت إنه وثيقة "مجموعة العمل حول سورية"، وتضمنت تحديدا للخطوات والإجراءات الواجب اتخاذها من جميع الأطراف( الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، وتركيا وقطر، والكويت والعراق) لضمان وقف العنف فورا بكافة أشكاله، وضرورة إعادة التزام جميع الأطراف بوقف العنف المسلح في شكل مستمر وفي كل الأشكال.

وتدعو الوثيقة الحكومة السورية فورا إلى سحب الأسلحة الثقيلة وقواتها من المدن والأماكن السكنية، ووقف استخدام الأسلحة الثقيلة. وشددت على ضرورة التزام الحكومة والمعارضة المسلحة بالوقف الفوري للعنف المسلح بالتزامن. وحثت الوثيقة الحكومة السورية فوراً وبطريقة جلية وذات صدقية من أجل تنفيذ العناصر الأخرى لخطة النقاط الست، لكنها لم تكشف عن مستقبل عمل المراقبين الدوليين قبل نحو ثلاثة أسابيع من انتهاء مهلة التفويض الممنوح لهم من قبل مجلس الأمن، وفيما إذا كانوا سوف يستأنفون جولاتهم المتوقفة منذ أكثر من أسبوعين على خلفية تصاعد العنف.

ضبابية المرحلة الانتقالية…

وفي مقابل الوضوح في الإصرار على تنفيذ خطة "النقاط الست"، فإن الوثيقة تركت الباب مفتوحا على تأويلات وتفسيرات مختلفة فيما يخص المسار الانتقالي، وجاء النص عاماً عندما أشار إلى أن أي حل سياسي "ينبغي أن يمنح جميع السوريين مستقبلاً يشاركون في صنعه ويضع خطوات واضحة تبعاً لجدول زمني حازم، على أن يتم تنفيذ ذلك في جو آمن من الاستقرار والهدوء، وأن يأتي هذا الحل بسرعة لتجنب المزيد من سفك الدماء والعنف وأن يكون ذا صدقية". ولا ترسم الورقة إطارا محددا لملامح النظام المستقبلي رغم أن واضعيها أشاروا إلى أنها استندت في قرارها إلى "تطلعات الشعب السوري، كما عبر عنها عدد كبير من السوريين الذين تمت استشارتهم. فالكل يريد الديموقراطية والتعددية مع الإتاحة لسياسيين موجودين وغيرهم ناشئين أن يتنافسوا بالتساوي في انتخابات".

ونحت الوثيقة إلى الإنشاء وتغليب الرغبات والطموحات على الواقع عند الحديث عن طبيعة النظام المقبل، والمرحلة الانتقالية التي رأت مسودة عنان "أن هنالك طريقاً سلمية لمستقبل مشترك للجميع في سورية، على أن يتم اتخاذ خطوات أساسية لأي حل لهذه المرحلة حسب جدول زمني ثابت وأهمها: تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية تتمكن من خلق ظروف محايدة لهذا المسار الانتقالي. أي أنه يمكن لحكومة الوحدة الوطنية أن تمارس كل السلطات التنفيذية. ويمكن أن تضم أعضاء في الحكومة الحالية والمعارضة ومجموعات أخرى"، وبتجنبها التحديد فإن الوثيقة تترك مستقبل تنفيذها رهنا للتفاصيل التي يخرج الشيطان منها حسب التجارب السابقة جميعها، ورغم تشديد الوثيقة على أن "السوريين هم الذين يقررون مستقبل بلدهم"، فإنها تتجاهل التداخلات والتدخلات الإقليمية والعالمية للأزمة السورية، وعدم إمكانية الحل إلا بتوافق قوى خارجية تحكمها أجندات وتوجهات مختلفة، وهو ما يتضح في طبيعة الحضور في مؤتمر جنيف والضجة الكبيرة التي سبقت الإجتماع حول مشاركة المملكة العربية السعودية وإيران.

الجميع راض رغم الاختلاف في التفسير…

سمحت الصياغة الفضفاضة للوثيقة، وتصريحات أنان عقب المؤتمر الباب أمام مختلف القوى الحاضرة للاجتماع على الخروج باستنتاجاتها الخاصة، وتوافق الحضور على ضرورة تشكيل حكومة انتقالية "على أساس التراضي بين الأطراف".

والواضح أن روسيا حققت انتصارا بحذف فقرة في مسودة سابقة شددت في شكل واضح على "أن خطة السلام يجب أن تستبعد من الحكومة أي شخص من شأن مشاركته أن تقوض مصداقية الحكومة الانتقالية وتلحق الضرر بالاستقرار والمصالحة"، وأعرب لافروف عن أنه "سعيد" بنتيجة المحادثات. وأشار إلى أن النقطة الرئيسية هي أن الاتفاق لم يحاول فرض عملية انتقال على سورية، وأن الاتفاق لم يشر ضمنيا إلى أنه يجب على الأسد أن يتنحى ولا توجد أي شروط مسبقة باستبعاد أي جماعة من حكومة الوحدة الوطنية المقترحة.

وفي المقابل رأت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون أن الاتفاق يبعث رسالة واضحة إلى الأسد بأن عليه ان يتنحى، وقالت عقب المؤتمر إنه "سيتعين على الأسد أن يرحل." وزادت "ما فعلناه هنا هو أننا قضينا على تصور أنه هو ومن تلطخت أياديهم بدماء السوريين يمكنهم البقاء في السلطة".

كان لافتا استقلال الأعضاء دائمي العضوية في مجلس الأمن ببيان مقتضب تلاه وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ أشار فيه إلى أن "دعم الجهود والاجراءات لتنفيذ الخطة"، وتصريحاته فيما بعد والتي رحب فيها "بحقيقة أن روسيا والصين أيدتا فكرة تشكيل حكومة انتقالية" وأعرب فيها عن ثقته في "الحل الوسط الغربي" وتأكيده أن نتيجة المؤتمر "خطوة كبيرة إلى الأمام".

ويبدو أن على الجميع الانتظار حتى انعقاد جلسة جديدة لمجلس الأمن لمعرفة حقيقة ما جرى الاتفاق عليه، وحينها تبرز مواقف جميع الأطراف على المحك، في حال تم طرح الوثيقة للتصويت عليها في مجلس الأمن بمقتضى الفصل السابع، كما يمكن أن يتضح شيء ما عن مدى توافق الدول الغربية ورضاها عن نتائج جنيف أثناء مؤتمر أصدقاء سورية المقرر عقده في باريس في الأسبوع الحالي.

بلورة عنان السحرية والوقائع المتسارعة…

أجاب أنان على أسئلة أحد الصحفيين مازحا حول مصير الرئيس الأسد في المرحلة الانتقالية وما بعدها بأنه "نسي بلورته السحرية في البيت"، لكن عدسة الكاميرات تنقل صورا واضحة لمشاهد القتل اليومي في سورية، وفي أثناء انعقاد المؤتمر في جنيف سقط ثلاثون شخصا في انفجار أثناء تشييع أحد القتلى في زملكا قرب دمشق، ووصلت حصيلة اليوم كاملا إلى 133 شخصا حسب المعارضة، فيما قالت وسائل الإعلام الرسمية إنها أجهزت على معاقل "الإرهاببين" في مدينة دوما، وواصلت تخليص المواطنين من شر "العصابات الإرهابية" في أماكن مختلفة تكاد تمتد إلى كل الجغرافيا السورية، وفي المقابل تؤكد المعارضة أنها تسيطر على مناطق واسعة تصل إلى نصف مساحة سورية، وفي ظل توقف المراقبين عن العمل ازدادت وتيرة القتل اليومي وارتفع "العداد" مرة أخرى إلى أكثر من مئة.

وفي الثاني من شهر يوليو/ تموز الجاري تستقبل القاهرة مؤتمرا للمعارضة السورية لتوحيد نظرتها المستقبلية، ومن المقرر أن يتوافق أكثر من 200 معارض من مشارب فكرية وسياسية مختلفة على إعلان وثيقة لمرحلة ما بعد الأسد، وأعرب عضو المجلس الوطني السوري محمود الحمزة عن اعتقاده أن المؤتمر يمكن أن يخرج برؤية موحدة نظرا لتقارب طروحات المجلس الوطني وهيئة التنسيق، أكبر تنظيمين معارضين، لمرحلة ما بعد الأسد، واعرب، في حديث إلى كاتب المقالة، عن أمله في أن يتم تجاوز بعض الاختلافات حول الجيش الحر ودوره، واتخاذ قرار نهائي في شأن مشاركة الأسد في سورية الجديدة.

غدٌّ بعلم الغيب…

اكتفت وسائل الإعلام السورية بعرض مواقف أنان ووزيري الخارجية الروسي والصيني، ولم يصدر موقف رسمي حول نتائج المؤتمر، وسبق أن رفض الرئيس الأسد عشية المؤتمر أي حل من الخارج للأزمة المندلعة ضد حكمه منذ 16 شهرا. وشدد على أن السوريين أعلم بكيفية حل مشكلاته وقال للتلفزيون الإيراني "لن نقبل اي نموذج غير سوري وغير وطني.. سواء جاء من دول كبرى أو دول صديقة. لا أحد يعرف كيف تحل مشاكل سورية مثلما نعرف نحن."

تصريحات تكشف عن أن النظام ليس في وارد التراجع عن "الحرب الحقيقية" التي تواجهها البلاد حسب قول رئيسها، وربما يوضح اختيار وسيلة إعلام إيرانية عشية مؤتمر جنيف طبيعة الرسالة التي يريد الأسد بعثها، ويكشف في شكل أو آخر محدودية نفوذ موسكو في فرض حل عليه، وأن النظام بات يربط مصيره أكثر وأكثر بالحليف الإيراني الذي يعرف تماما أن سقوط الأسد في سورية يعني انهيار جهود إيران في السنوات الأخيرة لبناء تحالف يشرك إيراني في قضية الصراع العربي الإسرائيلي، والأهم أنها يزيد من حجم الضغوط عليها لثنيها عن برنامجها النووي، أو توجيه ضربة قاسية له.

فيما ترفض معظم المعارضة السياسية أي دور للأسد في العملية الانتقالية، كما يتضح أن المعارضة المسلحة تزداد قوة على الأرض بفرض نفوذها على مناطق كبيرة وصلت إلى حدود دمشق وحلب، كما تشير وسائل إعلام إلى أن الزخم الشعبي لم يتراجع مع تسجيل أكثر من 750 نقطة تظاهر في الجمعة الأخيرة، رغم القصف والحصار وتشديد الحل الأمني.

مستقبل خطة عنان..

انطلقت خطة أنان منذ بداية أبريل/ نيسان الماضي، بتوافق دولي لافت ربما كان انجازها الوحيد حتى الآن، وبقي العالم متمسكا بها رغم أنه لم يتم تنفيذ أي بند من بنودها، وفي ظل عدم وجود بديل واقعي حتى الآن يبدو أن العالم يعيد صياغة الخطة ذات الستة بنود بطريقة مختلفة مع زركشات مختلفة، ويكاد عامل الوقت يختفي من الأجندات الدولية في ظل عدم رغبة الولايات المتحدة في التدخل لأنها لا ترى أن المسألة السورية تشكل خطرا على الأمن القومي، فيما تنشغل أوروبا بمشكلاتها الاقتصادية، كما لا يريد الدبلوماسي الخبير والأمين العام السابق للأمم المتحدة أن يفشل في مهمته، ولهذا منح نفسه عاما كاملا لحلحلة الأوضاع. لكن أنان مع جميع الأطراف قد تجد نفسها أمام مفاجأة انهيار مفاجئ للأوضاع الداخلية في سورية، يترافق مع مشكلات في دول الجوار على خلفية طائفية، وربما نشوب حرب إقليمية، وهذا يحتم على المجتمع الدولي سرعة التحرك لانقاذ سورية، والمنطقة من شبح الحرب، وهنا فإن على جميع الأطراف أن تظهر موقفها بوضوح، وصوغ خطة بجدول زمني واضح ومحدد للمرحلة الانتقالية على أن يسبقه قبلها وقف فوري لسفك الدم في سورية.

سامر الياس

موقع الشرق الجديد الروسي

2 يوليو 2012