Lazyload image ...
2015-06-07

الكومبس – منبر: أثار مقال كتبته الناشطة في الحزب الاشتراكي الديمقراطي سومر النهر، في المسائية السويدية الأفتونبلادت، ردود فعل عنيفة عندما انتقدت نظام تقديم ومعالجة طلبات اللجوء في السويد، وازدادت حدة الانتقادات بسبب نشر المقال، تزامنا مع احتفالات السويد بعيدها الوطني، حيث كتبت النهر في المقال: ” كان من الأحرى تقديم اعتذار لمن تسلموا اليوم شهادات الجنسية بدل الاحتفال بهم، لأن الحصول على الإقامة في السويد هي عملية فيها الكثير من الإذلال والمهانة”.

واستذكرت الناشطة الاشتراكية الظروف الصعبة التي حصل فيها والديها على اللجوء بعد وصولهما في العام 1989 إلى السويد.

الرد الأبرز على هذا المقال جاء من توبياس بيلستروم النائب الأول لرئيس البرلمان الحالي، ووزير الهجرة في الحكومة السابقة، والذي كتب مقالا مضادا في نفس الصحيفة، قال فيه ” “عليك أن تكوني شاكرة للسويد، لهذا البلد الذي يظهر اهتماما بأخذ المسؤولية ولا يزال يقبل طلبات لجوء ويعطي الفرصة للمهاجرين، ليس المطلوب منك أن ترددي كلمات النشيد الوطني بهذا اليوم، ولا أن تتناولين كعكة (برينسس تورتا)، ولكن على الأقل يجب أن تكوني شاكرة للسويد، عندما تريدين كتابة المقال المقبل”.

سيل من التعليقات المتباينة انصب على المقالين، منها ما يؤيد رد نائب رئيس البرلمان المحافظ بيلستروم، ومنها ما يدعم الناشطة الاشتراكية النهر. شخصيات سياسية انضمت للنقاش على طرفيه، وهذا ما طرح أسئلة عديدة تتعلق بالمهاجرين والأجانب ووضعهم ومكانتهم في السويد.

من هذه الأسئلة: هل يملك الأجانب حق انتقاد السويد أم لا؟ هل يجب أن يشكر الأجانب السويد؟ وما هو نوع الشكر وشكله؟ والأهم من ذلك ما الذي يمكن أن يترتب على هذا الشكر من إعادة تفكير بمفهوم المساواة؟ رئيسة تحرير القسم السياسي في صحيفة أفتونبلادت  Karin Pettersson والتي وقفت إلى جانب الناشطة سومر النهر تقول في تغريدة لها على التويتر: لا ينبغي على المتساوين في المجتمع تقديم واجبات الامتنان لبعضهم البعض؟

فيما أظهر عدد كبير من رواد الفيسبوك دعما للطرف الآخر، حيث كتبت النائبة عن حزب المحافظين Katarina Brännström تصف فيه مقال توبياس بيلستروم: ” التعليق ذكي وجاء ضمن مقال مميز، شكرا لك توبياس”.

وكما هي العادة على وسائل التواصل الاجتماعي، انحدر النقاش إلى مستويات غير لائقة، تحولت إلى رسائل كراهية وتهديد أحيانا، كما تقول الناشطة سومر النهر، فيما ذكرت مصادر من البرلمان السويدي أن النائب بيلستروم امتنع عن متابعة التعليقات والرد عليها.

القراءة الشاملة والسريعة لهذه الواقعة الكلامية بين طرفين مختلفين سياسيا وايديولوجيا، حول موضوع يخص الأجانب، قد توحي بوجود مفهومين متناقضين نوعا ما لشرح حقيقة حاجة السويد للأجانب أو على الأقل لتفسير استقبالهم على أراضيها ضمن سياسة معينة.

لا شك أن الناشطة سومر النهر ترى في استقبال السويد للاجئين على أنه واجب إنساني، ويقاسمها بهذا الرأي الكثير من اليساريين الأجانب منهم والسويديين، كما تعتبر هي ومن معها في هذا التوجه أن بيروقراطية مصلحة الهجرة وأنظمتها القانونية تلعب في كثير من الأحيان أدوارا تذل وتهين طالبي اللجوء، بل وتحرم البعض من حقهم في اللجوء.

فكرة أن تشكر السويد عند هؤلاء، وتنحني لها، فيه نوع من التناقض مع مبدأ المساواة والتقسيم الاجتماعي للمجتمع.

ولعل هناك بعض من ينتمون إلى المعسكر اليميني يريدون أن يروا الأجانب، قوى عاملة وربما استهلاكية في المجتمع، لها حدود معينة بالاندماج يجب أن تتوقف عنده.

وبغض النظر عن تناقض المفهومين، تبقى السويد بلد محكوم بقوانين ومؤسسات راسخة، ويبقى مطلوب من الجميع، أجانب وسويديين، أن يقدموا الشكر للسويد الوطن والمجتمع ضمن واجباتهم، الجميع يجب أن يشكروا الوطن الذي يعيشون فيه، وللجميع الحق بان ينتقدوا ويقولوا رأيهم بكل شيء، هذه مبادئ متفق عليها، ولكن ما هو المستجد الذي يمكن التحذير منه، عندما يطلب وزير سويدي سابق من ناشطة أصولها أجنبية أن تشكر السويد؟

ما يجب التحذير منه هو خطر انتشار الشعور بعدم المساواة، والشعور بان الأجنبي مواطن من درجة متدنية، وأنه ضيف أو متطفل أو غريب أو أنه يجلس على موائد أصحاب البلد، فما بالك بالمقيم أو بطالب اللجوء؟ هذا الشعور والذي للأسف يلازم البعض هو شعور خاطئ بل هدام ولا يخدم المجتمع السويدي.
المساواة مبدأ ضحت السويد ولا تزال البشرية تضحي من أجله، وليس من المعقول أن نتخلى عنه، خاصة أن القوانين تضمن للجميع هذا المبدأ الإنساني. نحن متساوون بالولاء وبالشكر وبالواجبات وبالحقوق لوطن يجمعنا ويساوي بيننا.

رئيس تحرير شبكة الكومبس

د. محمود صالح آغا