Lazyload image ...
2015-07-11

الكومبس – منبر: يعلم أي صحفي محترف أو مستجد أن الكتابة عن حادث عادي ورتيب لا يمكن اعتباره خبرا، أو أنه خبر بدون قيمة وغير ممتع أو جاذب، فعندما نكتب عن أن كلبا قام بعض إنسان ما في أحد أزقة الهند مثلا، سيستهزأ القراء بالكاتب والصحيفة التي كتبت الخبر، وحتى إذا أسفر الحادث عن وفاة هذا الشخص، وإذا وقع مثل هذا الحادث في أحد شوارع ستوكهولم، قد يكون الحدث خبرا مقبولا نوعا ما، ولكن الخبر سيكون طريفا وظريفا وقابلا للتداول في حال قام شخص ما بعض الكلب.

الصحافة إذا تبحث دائما عن الخبر الجاذب والذي يمتلك قيمة، ضمن معايير المكان والزمان وردود الفعل، والقابل لأن يصبح معلومة متداولة، شرط أن يكون هذا الخبر طبعا صادقا وبدون مؤثرات التهويل والخداع، وهذا دائما وأبدا ضمن مهمة إنسانية لهذه المهنة تتلخص بكلمتين: البحث عن الحقيقة.

في مشوار البحث عن الحقيقة وفي بلد مثل السويد، يجب أن لا تتعمد الصحافة إخفاء خبر هام أو معلومة مهمة عن العامة، حتى وإن كان هذا الخبر أو المعلومة قاسية ومؤلمة، لأن إخفاء الحقيقة هو خيانة للأمانة وتظليل للرأي العام وممارسة نوع من أنواع الخداع والغش على الناس وعلى المجتمع الذي تعيش به.

من هنا قد يتفاجأ بعض المتابعين لأي وسيلة إعلامية بحجم الجرائم وأنواعها التي تحدث في بلد، كانوا يتصورونه مثاليا وفاضلا وبدون مشاكل، نفس هؤلاء (البعض) لا يعيرون اهتماما لأشياء كثير جميلة وإيجابية تدور حولهم، ولكن الصحافة غير مضطرة للكتابة عنها.

ولأن الصحافة هنا، في بلد مثل السويد، ليس لها مهام وظيفية لخدمة الحاكم أو السلطة أو الحزب أو حتى الحكومة، فهي ليست مضطرة لأن تحصي الإنجازات، إنجازات أي سلطة أو رجال سلطة بل على العكس هي تراقب وتقف بالمرصاد لأي خطأ أو هفوة يقوم بها أشخاص يمثلون هذه السلطات، من المنتخبين أو المؤتمنين من خلال مناصبهم.

إذا الصحافة السويدية هي كما هي، أداة معرفة واطلاع وقوة بحث عن الحقيقة، ولا تنوي أن تغير نهجها الديمقراطي في التعامل مع شفافية المعلومات وحق المواطن في أن يعرف ما يدور حوله، لكن هناك من يصر على أن يفسر ذلك بأن السويد لم تكن كما هي اليوم!

مقولة “ما كانت السويد هيك من قبل” والتي يحرص البعض على ترديدها كتعليق على الفيسبوك، تحت أي خبر عن جريمة قتل أو اغتصاب أو سرقة أو احتيال أو فساد أو حتى التسبب بحادث سير، هي مقولة إما خبيثة جدا أو ساذجة جدا.

من يعتقد أن السويد قد تغيرت، لأنه اكتشف فجأة وجود مجرمين ولصوص فيها، فهو إما أنه لم يكن يتابع أخبار السويد، وعندما ظهرت الكومبس وغيرها من المواقع العربية، أصبح يعرف أكثر أن السويد مثلها مثل أي دولة، لا يعيش بها ملائكة ولا قديسين، بل يعيش بها بشر، يمكن أن يقتلوا ويسرقوا ويغتصبوا وحتى يرتشوا. وللمعلومات لم تثبت أي إحصائية رسمية حتى الآن الارتباط بين ارتفاع نسبة الجرائم مع زيادة الهجرة، بل هناك احصائيات عن ارتباط بعض الجرائم بفتح الحدود مع الدول الأوربية.

فيما قد يردد البعض هذه المقولة، متعمدين نشر الإساءة والكراهية للقادمين الجدد، على أساس أن هذا البعض سويديون أكثر من الملك، وأنهم يريدون إغلاق أبواب السويد ورائهم، لأن القادم الجديد يشكل خطرا على سمعتهم وعلى فرص عملهم، وربما على الهواء الذي هم يتنفسونه. وهذا ما قد يفسر جزء من نتائج استطلاع قامت به الكومبس على موقعها أعطى لحزب سفيريا ديمكرتنا حوالي 14% من المستطلعة آرائهم وهم يمثلون شريحة من المجموعة الناطقة بالعربية. واحتلت شعبية هذا الحزب المرتبة الثانية بين هذه المجموعة حسب نتائج الاستطلاع.

مقولة “ما كانت السويد هيك من قبل” مقولة تحمل ليس الغباء وعدم المعرفة بما كانت وبما هي السويد عليه حاليا، بل يفوح منها رائحة العنصرية والكراهية، لأبعد الحدود.

لا شك أن السويد تتغير، لأن التغيير هو حتمية تاريخية، وإذا لم تتغير معناها أنها تموت، أو أنها ماتت فعلا، التغيير يشمل كل شيء ولا يعني أنه نحو الأسوأ أو نحو الأفضل، هناك تغييرات إيجابية وهناك أعراض سلبية ترافق هذا التغيير الإيجابي، كضريبة يجب أن تدفع، ومن واجب المجتمع والدولة التخفيف من وقع هذه الضريبة.

قدوم وافدون جدد للبلاد هو فعل إيجابي بكل المقاييس، حسب دراسات اقتصادية واجتماعية، ولكن هناك ضريبة، يدفعها المجتمع على فعل تأهيلهم وترسيخهم، وما يرافق هذا الفعل من عقبات وصعوبات، لا يمكن إلا أن تكون طبيعية وواقعية.

وعندما تكتب الكومبس وغيرها من وسائل الإعلام عن خبر مزعج أو سيء أو مأساوي لا يعني أن الصورة كلها قاتمة، بل يعني أن المجتمع يجب أن ينتبه، وأن القارئ أو المتابع يمكن أن يتعلم من أخطاء غيره، وعليه أن يعرف أنه لا يعيش بالمدينة الفاضلة بل يعيش بالواقع، واقع جميل لكنه غير سهل، لأنه غير مزيف وغير مثالي.

السويد تتغير ونحن الأجانب نساهم في تغييرها ونحن أيضا نتغير لأن السويد تغيرنا…ولكن وحتما لا لمقولة “ما كانت السويد هيك من قبل” الخبيثة بعنصريتها والغبية ببعدها عن الواقع.

د. محمود صالح آغا

رئيس تحرير شبكة الكومبس