Lazyload image ...
2015-09-28

منبر الكومبس: أجواء من التضامن والتأييد والمؤازرة شهدتها المدن السويدية وهي تستقبل بحرارة أفواج اللاجئين القادمين عبر الجنوب الأوروبي من عدة دول منها سوريا والعراق، فيما سجل المتابعين للصحافة ووسائل الإعلام مؤشرات إيجابية في مجملها لا تحيد أيضا عن روح التضامن مع هؤلاء الباحثين عن مأوى أو حياة جديدة تضمن كرامتهم ومستقبل أطفالهم.

توفر العامل الإنساني، كسبب رئيسي لاستقبال اللاجئين، ترجمته أيضا معظم الأحزاب البرلمانية، إذا لم تكن كلها، ما عدا حزب سفاريا ديموكراتنا، إلى مواقف وتصريحات وإلى التذكير بكل فخر واعتزاز، بما تعنية “السويد” البلد الذي استقبل سابقا أطفال الحرب الفنلنديين وقوافل من المهاجرين الهاربين من قبضة الشيوعية في أوروبا الشرقية ومن الديكتاتورية في تشيلي ومن حرب البقان ومن حروب دارت بالشرق الأوسط، قبل موجة المعارك الحالية، هذا إلى جانب ما قدمته منظمات وجمعيات ومتطوعين انتشروا في محطات القطار وعلى الطرقات وأمام أبواب دوائر الهجرة والمؤسسات الحكومية المختلفة، لاستقبال اللاجئين ومساعدتهم.

وفي استطلاع حديث للرأي أجرته شبكة الكومبس، حول الأسباب وراء قبول السويد وألمانيا للاجئين القادمين خاصة من سوريا، أجابت الغالبية بنحو 44% بأن السبب ناتج عن مواقف إنسانية، أما 26% فاعتقدوا بأن الحاجة للقوى العاملة هو السبب، فيما أرجع 21% السبب إلى مؤامرة دولية، والباقي 9% اجابوا بأنهم لا يعرفون السبب.

لكن وعلى الرغم من كل هذه المؤشرات والوقائع المحسوسة، يأتي من يسأل مستدركا: لماذا إذا تزداد شعبية الحزب اليميني المتطرف الكاره لتواجد الأجانب وتزايدهم في السويد؟

والجواب كما جاء على لسان معظم السياسيين الواقعيين، يمكن تلخيصه بالحقيقية التالية: الحياة ليست أبيض وأسود دائما، فكما يوجد قوى وحركات وارادات ديمقراطية بأبعاد إنسانية متفائلة، يوجد أيضا قوى وحركات ظلامية انعزالية متشائمة، وكلما خف وهج وتوقد وفعالية القوى الأولى، تجد القوى الثانية مكانا لتملأه وتحل محله.

“الوهج والتوقد والفعالية” ليست كلمات تعبير ومصطلحات حماسية، بقدر ما هي تحفيز على تحمل المسؤولية، لكي لا تفقد السويد جوهرها وتترك الفراغ للقوى الأخرى. والمسؤولية هنا تتزايد كلما زاد معدل قدوم لاجئين جدد، فالقضية ليست هي في الاستقبال وحرارة الاستقبال، بل أيضا بخطط الاستيعاب والتسريع بالبحث في ملفاتهم، ومن ثم مسؤولية ترسيخهم وتهيئتهم للدخول إلى المجتمع الجديد.

مسؤولية استقبال واستيعاب اللاجئين، مسؤولية حكومية، ولكن في بلد مثل السويد لا تستطيع أي حكومة أو حاكم أن ينجح بمهمة دون الحصول على دعم وتفهم من الرأي العام والمجتمع المدني، وبما أن الحديث يدور حول الرأي العام، تظهر بشكل واضح مسؤولية اللاجئين والقادمين الجدد والمواطنين من أصول أجنبية، كجزء من المجتمع أولا، وكشرائح مستهدفة ضمن حسابات الربح والخسارة في عملية الاستيعاب والاندماج في المجتمع الجديد.

مسؤوليات الحكومة ومسؤوليات طالب اللجوء:

لأول مرة في تاريخ تأسيسها، يوجد لدى مصلحة الهجرة السويدية حاليا أكثر من 100 ألف أسم لأشخاص مسجلين في سجلات استقبال اللاجئين. وقبل أيام وصلت أعداد طالبي اللجوء إلى مستويات قياسية بنحو 1000 طلب في اليوم. وبلغة أرقام الكلفة المالية، وضعت الحكومة الحالية تصوراتها عن كلفة استقبال اللاجئين للعام المقبل بحدود 19 مليار كرون، إضافة إلى ميزانية لترسيخ الحاصلين على اقامات بقيمة 21 مليار. ولكن هذه الأرقام، وعلى ضوء معدل قدوم اللاجئين الحالي من المتوقع ألا تكون كافية.

المسؤولية الحكومية لا تقتصر على توفير أموال لتغطية كلفة استقبال اللاجئين وكلفة ترسيخهم، فهناك مسؤولية تأمين السكن وأماكن الدراسة والتدريب وغيرها، حيث يوجد حاليا حوالي 10 آلاف قادم جديد، ممن حصلوا على الإقامات ولا يزالوا في مراكز اللجوء ينتظرون مساكن في البلديات.

ولكن ما هي مسؤوليات طالب اللجوء، أمام مسؤوليات الحكومة والبلديات؟ قد يعتقد البعض أن لا مسؤوليات تقع على القادم الجديد، ولأنه ضيف، ولأن المثل يقول: يا غريب كن أديب، فهو على الأقل سيتحلى بالأدب. هذا المثل غير فاعل في السويد، لأن الأدب يجب أن يكون من صفة الجميع، ولا يفرض فقط على الغرباء، من الطبيعي أن يكون الشخص مؤدبا في ضيافة الناس أو في منزله، مع أن السويد لا تطالب أحد أن يشعر بأنه غريب.

على القادم الجديد كما علينا نحن جميعا واجبات معرفة البيئة الجديدة والتعامل مع التعليمات والقوانين وعدم التعجل وتفهم الأوضاع التي تمر بها المؤسسات المشرفة على استقبال واستيعاب اللاجئين، وهذا لا يعني السكوت على أي انتهاك لحقوق أحد، وهنا تبرز أهمية التعامل المطلوب مع ما نريد أن نشتكي منه أو عليه.

طلب حماية أم البحث عن الرفاهية:

ضمن التعامل العنصري واللاأخلاقي من قبل حكومات وجهات أوروبية خاصة شرق أوربية، ظهرت اتهامات للساعين إلى القدوم نحو الشمال الأوروبي، تقول إن الأكثرية تبحث عن العيش في دول معينة بحثا عن الرفاهية وليس طلبا للحماية.

قد لا يكون هناك فرقا كبيرا بين الحماية والرفاهية، في مفاهيم اليوم، ولكن وبما أننا في بلاد آمنة قد يشعر الجميع بالحماية، أما الرفاهية فهو أمر يجب أن يسعى إليه المرء بنفسه، من خلال العمل ومن خلال وضع لبنات صحيحة أمام طريقة.

وهذه أيضا من المسؤوليات العامة والخاصة التي تتكامل مع المسؤوليات الحكومية في استكمال إجراءات استقبال اللاجئين على طريق استيعابهم وترسيخهم.

تعبير “القادمون الجدد” يدخل الآن بقوة في مصطلحات السياسة السويدية، ضمن الميزانيات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية وغيرها، ولكي لا نكون مجرد مصطلح يجب أن نرفع من سقف مسؤولياتنا.

IMG_2453

د. محمود الآغا

رئيس تحرير شبكة الكومبس