Lazyload image ...
2012-06-08

لا يختلف اثنان في العالم العربي على الإعجاب بقدرة المصريين على تحويل الهموم اليومية أو حتى غير اليومية أحيانا، إلى مادة للتندر والدعابة. هذا "السلاح السري" اثبت أنه أكثر فعالية وجدوى من كل التنظيرات والشعارات "الثورية" التي طالما استخدمتها وروجت لها التنظيمات السياسية على اختلاف تلاوينها وتوجهاتها.

لا يختلف اثنان في العالم العربي على الإعجاب بقدرة المصريين على تحويل الهموم اليومية أو حتى غير اليومية أحيانا، إلى مادة للتندر والدعابة. هذا "السلاح السري" اثبت أنه أكثر فعالية وجدوى من كل التنظيرات والشعارات "الثورية" التي طالما استخدمتها وروجت لها التنظيمات السياسية على اختلاف تلاوينها وتوجهاتها.

يكفي لإثبات ذلك أن كثيرا من الشعارات "الكبيرة" التي كانت مرفوعة في ميدان التحرير غابت عن الذاكرة، بينما ظلت حاضرة بعد مرور عام ونصف العام على الثورة المصرية تلك العبارة البسيطة التي رفعها شاب نزل إلى الميدان بعدما أنهكته ملاحقة لقمة العيش الهاربة منه.

كتب بقلم حبر جاف على قطعة من الورق المقوى: امشي بقى ايدي وجعتني!

وكتب آخر: الوليه حتولد والولد مش عاوز يشوفك..أمشي يا عم!

ومع البسمة التي حملتها العبارتان ومئات مثلهما، لم تقتصر الرسالة التي بعثها المنتفضون ضد حكم الفساد والدكتاتورية على روح النكتة وحدها برغم أهميتها، إذ كان المراقب قادرا في شكل مباشر، على تلمس إدراك المتظاهرين بأنهم يصنعون في الميادين مستقبلهم.

كتبت شابة على لافتتها: صباح الورد في التحرير!

كانت العبارة كافية لزرع ابتسامة تفاؤل في قلوب كثيرين، وعكست درجة الثقة بأن اليوم التالي بعد الثورة سيكون أفضل.

الأكيد أن الشاهد على ثورة ميادين مصر، خرج بانطباع لا ينسى عن إصرار المصريين على تحدي البطش بابتسامة أمل.

بهذه القدرة على تأويل المأساة، وشحذ العزائم بتفاؤل الواثق، وضع المصريون في الأسبوع الأخير من كانون الثاني (يناير) من العام 2011 قدمهم على أول طريق بناء المستقبل.

مناسبة العودة لهذا الكلام عبارة قالها أخيرا، تعليق شاب مصري يدرس في موسكو، قرر أن يقاطع جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة المصرية.

منح صوته في الجولة الأولى لعمرو موسى وهو مقتنع بأن " أي واحد من مرشحي الرئاسة "اللي سقطوا في الجولة الأولى" كان قادرا على مواجهة واحد من خصمي جولة الإعادة والانتصار عليه، لكن بما أنهم "راحوا" فـ"أنا حاختار مين" موضحا بروح النكتة الحاضرة في الذاكرة الجمعية المصرية أن خياراته غدت محدودة بين "الطاعون أو الكوليرا".

لا يريد الشاب المصري إذا، أن يوضع في خانة التعامل مع "أهون الشرين".

وبالنسبة إليه فإن المعادلة باتت تتلخص في الاختيار بين "الإخوان" أو "الفلول" وهما كما يقول "شران أحلاهما مر".

كان يكفي الإطلاع على بعض أوراق التصويت في جولة الإعادة في الخارج للإيقان بأن "الخيار الصعب" هو المسيطر على مزاج الناخبين المصريين.

كتب أحدهم على ورقته الانتخابية عبارة : يسقط حكم العسكر ولا لحكم "الإخوان".

هكذا أبطل الناخب ورقته بشطب اسمي المتنافسين في جولة الإعادة.

يعكس هذا المزاج مع عودة "المليونيات" إلى ميادين مصر أخيرا، إصرار المصريين على استعادة الثورة التي سرقت منهم، خصوصا بعدما جاءت الأحكام على الرئيس المخلوع حسني مبارك ورجاله لتعيد الزخم إلى الشارع الذي تنازعته مشاعر الإحباط والترقب خلال الشهور الأخيرة.

ولا يخفى أن الجديد في عودة الحراك إلى الشارع المصري هو بدء تبلور "التيار الثالث" الذي طال انتظاره، ويسعى كما قال مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية مصطفى اللباد إلى "كسر ثنائية العسكر والإخوان" التي سيطرت على مجريات الأمور منذ تحقيق الانتصار في الجولة الأولى للثورة.

اللباد كان في ندوة أخيرا، نظمتها موسكو حول "الربيع العربي" وأشار إلى أهمية التمعن في نتائج الدورة الانتخابية الأولى، فهي أظهرت غلبة تيار الحداثة في مصر الذي وإن توزعت أصوات أصحابه بين مرشحين خرجوا من السباق لكنه عكس في الإجمال درجة تذمر المصريين من احتكار ثنائي "العسكر والإخوان" لمجريات العملية السياسية خلال الشهور الماضية.

وأظهرت عودة الروح إلى "التحرير" أخيرا هذا المزاج بشكل جلي.

ولا بد أن ظهور "التيار الثالث" وتمكنه من تثبيت أقدامه بات مطلبا لا يقتصر على مصر وحدها، بل هو حاجة ملحة في كل بلدان "الربيع العربي".

ومع الإقرار بأن التيار الإسلامي جزء أصيل من مكونات الحراك السياسي في الشارع العربي، لكن حجمه الحقيقي لا يصل بالتأكيد، إلى النسب التي أفرزتها العملية التوافقية مع المؤسسة العسكرية أو مؤسسة الحكم إجمالا.

ففي مصر لا يزيد الوجود الفعلي لـ"الإخوان"، بحسب الخبراء، عن 35 في المئة وفي الأردن 25 في المئة، وهي النسبة ذاتها تقريبا في تونس واليمن، بينما هي أقل من ذلك بكثير في سورية.

وانتصار "التيار الثالث" في مصر يضع مقدمات جدية لإعادة "الربيع العربي" كله إلى مساره الشعبي الأصلي الذي تم سلبه.

وهو يزيل أوهام الكذبة الكبرى التي مورست خلال العام ونصف العام الماضي، لتخويف الشعوب والعالم المحيط من "فزاعة" الإسلاميين.

ويكفي للمتابع أن يعود إلى الأيام الأولى للثورة المصرية ليكتشف أن التيار الإسلامي كان غائبا، والأمر ذاته ينسحب على تونس واليمن وعلى سورية التي ظهر "إخوانها" في "المجلس الوطني" ولم يظهروا في حراك الشارع.

ومن يذكر الشعار الأول الذي رفعته الثورتان في تونس ومصر "كرامة حرية عدالة اجتماعية" لن يكون صعبا عليه تلمس ملامح الحراك الشعبي الذي يعود إلى زخمه حاليا.

رائد جبر

أنباء موسكو

8 يونيو 2012