Lazyload image ...
2012-12-07

الكومبس – بقلم د. مكرم خُوري – مَخُّول– رغم زياراتي المتكررة لباريس ومعالمها المركزية خلال العقدين الماضيين الا انني لم آقم في العاصمة الفرنسية ابداً. مع ذلك فقد افترضت مخيلتي دائماً ان كل زائر لباريس، حتى ولو امضى معظم وقته في شارع الشانزاليزيه وقوس النصر في الدائرة الثامنة، فلا بد الا ان يتوقف ولو لبرهة في القاع الجنوبي-الشرقي عند "بلاس ديه لا كونكورد"، اكبر ميدان باريسي 

الكومبس – بقلم د. مكرم خُوري – مَخُّول– رغم زياراتي المتكررة لباريس ومعالمها المركزية خلال العقدين الماضيين الا انني لم آقم في العاصمة الفرنسية ابداً. مع ذلك فقد افترضت مخيلتي دائماً ان كل زائر لباريس، حتى ولو امضى معظم وقته في شارع الشانزاليزيه وقوس النصر في الدائرة الثامنة، فلا بد الا ان يتوقف ولو لبرهة في القاع الجنوبي-الشرقي عند "بلاس ديه لا كونكورد"، اكبر ميدان باريسي والذي تم افتتاحه في عام ١٧٥٥.
 من وسط هذا الميدان تطل متألقة الحضارة الفرعونية-المصرية عبر الاوبليسك الذي يعود لفترة رمسيس الثاني والذي اهدته الحكومة المصرية لفرنسا في القرن التاسع عشر. تغيرت اسماء هذا الميدان باستمرار وفقاً للحراك الاجتماعي والاحداث السياسية التي صنعها المجتمع الفرنسي. فتغيير اسماء الاماكن العامة التي تسكنها المجتمعات الانسانية يحدث عادة نتيجة تبلور فكرة في البداية، فمبادرة ومن ثم عملية (فضغط معارضة او موافقة) يشارك فيها المجتمع كمؤيد او مندد حتى اتخاذ القرار وتنفيذه.

فالاسماء في علم السيميائيات (سيميوتيكا – Semiotics ) هي رموز تثير ايحاءات في العقل او ادلة على تصرفات او نُظم قيَمية معينة او نتيجة الشعور بضرورة التحرك او انجاز شيئ ما وفقا لعادات او تقاليد او مفاهيم اجتماعية متعارف عليها. الا ان دراسة تطور المجتمعات الانسانية تفيد بامكانية حصول تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية بشكل مستمر رغم الفرق في الاولويات والوتيرة بين مجتمع واخر.
اما وقد ذكرنا اعلاه ميدان " كونكورد"، فعلى سبيل المثال، اثناء تربع الملك لويس الخامس عشر (١٧١٥-١٧٧٤) على العرش الفرنسي، تم تشييد العديد من الميادين العامة التي سميت بالميادين الملكية ( Place Royale ) حيث كانت قطاعات واسعة من المجتمع الفرنسي والاوروبي عموما، على استعداد لتقديم الكثير لنيل رضاء الملك والعائلة الملكية الحاكمة. 
في كل مجتمع يقوم بعض الافراد (من ذوي الثقافة او المهارات والبديهة والذكاء) بمتابعة الاحداث ومشاهدة الفوارق الاجتماعية الاقتصادية حيث تتحرك افكار هذه المجموعة بطرق ونسب متفاوتة قد تنتي في اصدار كتاب او مجلدات فلسفية. هذه العملية تستغرق بعض الوقت منذ بداية نقطة المشاهدة من شريحة معينة وتبلور المبادرات وحتى ‘عمل شيئ ‘ من قبل فئة اخرى لتغيير الوضع المجتمعي. فتطور الوعي الانساني وطرح افكار وايديولوجيات ضد الاستغلال والعبودية والقمع ومع المساواة والحريات هو الذي غير عبر السنين الرؤية الاجتماعية المركبة حول المسألة الحياتية التي تتمحور في حقوق المواطن وواجباته ومن يجب ان يخدم او يخضع لسيادة من: الشعب للحاكم ام الحاكم للشعب. 
شييد هذا الملك الفرنسي، لويس الخامس عشر، والذي حكم اكبر امبراطورية اوروبية الميدان الملكي الشاسع في العام ١٧٧٠ . وعندما كان لويس الخامس عشر ما زال على قيد الحياة تم الاحتفال في الميدان بمراسم اكليل حفيده، لويس الذي كان فقط في الخامسة عشر من عمره من الدوقة النمساوية التي كانت تصغره بعام واحد، ماري-انطوانيت. توفي لويس الخامس عشر في عام ١٧٧٤ حيث خلفه حفيده الشاب والذي اصبح لويس السادس عشر واصبحت زوجته ملكة ايضا.

اندلعت الانتفاضة الفرنسية الاولى في عهده وبالتحديد في عام ١٧٨٩ . تلك الهبة التي مهدت لبداية عملية طويلة استمرت عدة عقود (اول فترة منها استمرت عقد(١٧٨٩-١٧٩٩) حيث تم تغيير اسم الميدان من ‘الميدان الملكي’ الى "ميدان الثورة" Place de la Révolution عام ١٧٩٢ . كان قرار تغيير الاسم واحدا من جملة قرارات في اطار تآسسيس الجمهورية الفرنسية الاولى (١٧٩٢-١٨٠٤). لم تتلاشى الصراعات ما بين الطبقات المختلفة في المجتمع الفرنسي لمدة عقود الى ان عادت الملكية حيث تم تتويج نابليون (الاول) بونابرت (١٧٦٩-١٨٢١) في عام ١٨٠٤ والغاء الجمهورية الاولى وعودة الملكية لتحكم لمدة ٤٤ عاما. 
صراع القوى الذي استمر على مدار عقود وادى الى تحولات اضافية في المجتمع الفرنسي ادى الى اعادة الجمهورية الفرنسية الثانية في عام ١٨٤٨ (اي بعد نصف قرن منانطلاقة الثورة الاولى عام ١٧٨٩ ) . لم تكن الجمهورية الثانية الا حلقة اضافية في تطور المجتمع التي لم تصل الى ما اعتقد فلاسفته. فبعد تحولات اجتماعية، سياسية منها واقتصادية، تآسست الجمهورية الفرنسية الثالثة (١٨٧٠-١٩٤٠). اما الجمهورية الفرنسية الرابعة فقد انبثقت بعد الحرب العالمية الثانية(١٩٤٦-١٩٥٨) ومنها الى تآسيس الجمهورية الفرنسية الخامسة التي تسببت فيها الحرب على الجزائر والارث الاستعماري وانتهاء الامبراطورية الفرنسية بشكلها التقليدي. هذه الجمهورية الخامسة ما زالت مستمرة منذ ان اصبح شارل ديغول (١٨٩٠-١٩٧٠) رئيساً لفرنسا ما بين ١٩٥٩-١٩٦٩ مرورا بخلفة جورج بومبيدو وحتى يومنا هذا مع فرانسوا هولوند.

عندما وصفت الدوقة اليزابيث شارلوت (١٦٥٢-١٧٢٢) زوجة فيليب الاول شقيق لويس الرابع عشر انه لا مفر من الزواج والموت لم تذكر مكانة الميدان في هذه المعادلة. فقد شهد هذا الميدان الشهير ذاته مهد ولحد الملكية بالفعل. فقد تم الاحتفال بعرس الملك لويس السادس عشر كما تم شنقه في الميدان ذاته في ١٧٩٢ وشنق زوجته ماري-انطوانيت من بعده في عام ١٧٩٣ . الا ان العملية السياسية والتحولات الطبقية التي ادت الى ارتفاع سقف الحريات والحقوق، لم تنته هنا. فللحفاظ على السياق التاريخي، من المفيد النظر الى الحراك الاجتماعي الذي يشمل احداث صادمة نفسياً قد تسيطر على المشهد السياسي، بشكل متصل وسببي وليس منفصلا ومتقطعا. فقد يكون حدث واحد صاخباً اعلامياً، الا ان اهميتة قليلة التآثير في الاطار الواسع على مسيرة الدولة.

بل ان صراع القوى في المجتمع ذاته والذي ظهر للعيان في عملية تغيير الاسماء كتعبير رمزي واحد له، اخذ مناحي عدة اهمها ان مناهض الملكية الاكبر وزعيم المعارضة بالتحديد، المحامي ماكسيميليان روبسبيير (١٧٥٨-١٧٩٤) والذي اصبح اقوى شخصية خلال ما انجلى ليعرف بفترة بداية الثورة الفرنسية، حيث قاد حملةاعدام الملك لويس السادس عشر وزوجته وآلاف آخرين من طبقة الملكية وموظفيها (في الفترة التي عرفت بـ"عهد الارهاب" (ما بين ١٧٩٣-١٧٩٤) تم اعدامه هو ذاته في تموز ١٧٩٤ وذلك بعد ان كان قد روج بقساوة لفلسفة تآسيس الجمهورية الفرنسية الاولى او ما اسماه بـ "الجمهورية الفاضلة" وذلك عبر فرض الاعدامات على المقصلة في الميدان ذاته. خطابات روبسبيير النارية ضد الملكية (التي شفت غليل البعض واثارت حفيظة الآخرين)، ودفاعه عن حقوق الناس وحرية التعبير عن الرآي لم تكن سلمية بل كانت مقرونة بالعنف السافر. بينما اراد تمثيل الشعب فقد كان تواقاً ايضاً لاجتثاث شريحة اخرى منه – اي الآخر، وكل من حكم قبله، مفترضا ً ان التحول الاجتماعي الذي يبداء بالذهن والوعي والنسق الايديولوجي، والذي يستغرق وقتاً لاستيعابه وتبنيه، يمكن اختزاله بحركات مقصلية في الميدان يتواصل بها مع الجمهور المسحوق لصنع عملية وتسميتها "ثورة"… بسرعة وبدون تردد

 الا ان خلق جو اشباعي (عبر عمليات صاخبة) يستطيع من خلالها الشعب او غالبيته التنفيس عن احباطه او حتى علاج "الغضب الاكتئابي" ( Agitated Depression) الذي يعيش في خفقات قلبه، لا يمكن ان يُستند علية كعملية يقف وراءها مبداء ثابت لحرية التعبير عن الرآى الذي هو عبارة عن مسيرة تربوية مستمرة طويلة احياناً. 
من البديهي في السوسيوليجيا والسيكولوجيا ان ايا كانت اساليب التعبير عن الذات، فهي تفسر كحركة تواصل اجتماعي. ففي المرحلة الاولى، عبر زعيم المعارضة الفرنسية "اليعقوبية" ماكسيميليان روبسبيير عن ذاته وحركته السياسية لغوياً وخطابياً، الا انه عندما استلم الحكم ولو لفترة قصيرة، تبنى العنف لتصفية رموز الطبقة الحاكمة سابقاً بدلا من ان ينادي بالتسامح ويطبق المساواة او دعوتهم ان يكونوا شركاء في حكم من نوع جديد او ان يعترف بحقهم في الوجود كمعارضة . 
ولذلك يقال ان (العنف او) الحرب، ما هي الا استمرار للتواصل الاجتماعي بين الاطراف المتنازعة، ولكن باساليب عنفية. ومن المفترض ان اساليب سيادة وسيطرة اي نظام حُكم يجب ان تنجز والا لما عم النظام في اية دولة. فبينما تُستعمل "الريادة الثقافية" في بعض الدول عبر المؤسسات الثقافية، والاعلام منها بالتحديد، وهذ اما اسماه الفيلسوف والسياسي الايطالي انطونيو غرامشي (١٨٩١-١٩٣٧) بـ ‘الهيغيموني’ (Hegemony) – الهيمنة، قد تلجأ دول اخرى الى استعمال العنف بواسطة نشر اجهزة الامن والشرطة كاولوية عملياتية. وعلى مستوى الافراد او الجماعات الغير حاكمة (المجتمع المدني مثلا)، فالبعض منا يتواصل مع الاخرين بواسطة الفن السمعي او البصري او المكتوب (علي سبيل المثال الموسيقى او المسرح او الكتابة او التظاهر السلمي) وهو ما يعتبر من الاساليب السلمية للتعبير عن الذات، والآخر يعبر عن نفسه باساليب عنيفة كالصراخ والشتم والضرب ورفع السلاح وما الى ذلك.
في عصر العولمة الذي نعيشه والذي يمكن فيه نقل المعلومات بسرعة فائقة وباستمرار، يتم تغطية هذه التصرفات (الاحداث العنيفة او الازمات) ونقلها الى بقية المجتمعات في بقاع الارض عبر وسائل اعلام جديدة وبلغات متعددة. بعض وسائل الاعلام تنقل الخبر الوقائعي مقدمة (قدر المستطاع) الحقائق التي تحصل على الارض(في حالة التمكن من حصولها بشكل قاطع) وبشكل متوازن بدون اخذ موقف يستشف من صياغة الخبر، غير مضيفين على القواعد الاساسية للصحافة:

من ومتى واين وكيف ولماذا؟ اي شيئ يوحي انهم مع او ضد هذا الطرف او ذاك. وهناك وسائل اعلام لا تكتفي بتقديم المعلومة الخبرية ‘الجافة’ بل تضيف افعالا واوصافاً تدل على موقف المراسل او المحرر او صاحب وسيلة الاعلام.

في جميع الحالات هناك تسلسل لما يوصف بـ’حرية التعبير’. غالبية من يعبر عن نفسه فهو يعكس وجهة نظر اما ان تكون داعمة للخط الحكومي او الجناح المعارض او انها تعبر ان موقف ثالث، لكنها تعبر عن موقف. لا يمكن تسمية هذا الموقف تحت الاطار المجرد لـ "حرية التعبير" وتركه بدون تعريف. فلو تكلمنا عن منتج العمل الموسيقي او المسرحي او الشعريالنثري (المؤيد ام المعارض) السلمي والراقي الذي لا ينزلق الى مستوى الاهانات الانفعالية او اذا تطرقنا الى التعبير باسلوب عنيف عن الذات، ففي كلتي الحالتين هناك عامل مشترك وهو وجود ايديولوجيا خلف كل تعبير، وايديولوجيا خلف كل تغطية اعلامية لهذا التعبير تُعد بحد ذاتها نوعا آخر من النشاط الاجتماعي. اي ان تصرف الفرد الذي يعبر عن نفسه وهذا الذي ينقل التعبير الى العالم يستندان في كلتي الحالتين على وجود ايديولوجيا (رؤية شاملة من الافكار المرتبة والمتسلسلة حول مواضيع حياتية مختلفة… تمتد من نظام الحكم الى لباس المايو على الشاطئ) وراء كل تعبير وتصرف. 
في الحراك الاجتماعي والسياسي الذي تشهده بعض الدول العربية منذ مطلع ٢٠١١، لم يتم طرح اي ايديولوجية جديدة وانما استعمال ايديولوجيات موجودة في المجتمعات العربية منذ عقود. هذا لا يقول ان هذه الايديولوجيات غير صالحة المفعول، لكن يعني ان هذه الايديولوجيات على مختلف انواعها القومية والاسلامية والاشتراكية والليبرالية ستستمر في التنازع فيما بينها حتى تنتصر ايديولوجية معينة وتهزم الاخرى او على الاقل تسود في الفترة الاولى من الحراك العربي (او الاقتتال في بعض الحالات) كما هو حاصل في تونس ومصر وليبيا واليمن. 

ليس هناك ايديولوجيا موحدة تقف او تدعم حراك بعض الشرائح الاجتماعية التي خرجت الى شوارع او ميادين المدن العربية. لم تطرح ايديولوجيا متماسكة سار وراءها من تظاهر. شهدنا عدة شرائح مجتمعية قد تتفق على ضرورة تغير طريقة الحكم الا ان هذه المجموعات لا تؤمن في الايدولوجيا ذاتها حول العديد من الامور. قد يقول قائل: ولكنها تتفق على مبادئ الحرية والمساواة…وانا بدوري ارد على ذلك قائلا..ان هذا الادعاء ساذج وغير مدعوم لانه اذا ما اخذنا عينة للمتظاهرين فسنجد بينهم القومي واليساري والاسلامي والليبرالي والخ متفقين في الامد القصير على تغير الحكم ولك مختلفين تماما على الرؤية المستقبلية لشكل الحكم القادم.

هذه"الرؤية المستقبلية" هي اصلا "الرؤية الماضية" او "الحاضرة المستمرة" لانها هي بحد ذاتها الايديولوجيا التي تفصل الشرائح المجتمعية الى جماعات تؤمن بتوجهات فكرية حول كيفية ادارة المجتمع في دولة معينة. كل ما علينا عمله هو مراقبة ومشاهدة (على سبيل المثال) ما الذي ستفعله حركة دينية ذات ايديولوجيا معينة استلمت الحكم مؤخرا (بعد اسقاط من كان في دفة الحكم) في المجالات المختلفة للحياة لكي نتعرف على ايديولوجيتها التي كانت دائما تؤمن بها والآن تمر في عملية تطبيق سياسي لها متعرضة لحراك اجتماعي ينقسم مرة اخرى الى مؤيد او معارض. مواضيع قد تبرز الخلاف تكمن على سبيل المثال في مجال الحريات الشخصية(خصوصيات الفرد) كطريقة اللباس والحياة والاكل والشرب وحق كل فرد ان يتصرف كما يشاء طالما انه لا يضر او يعتدي على حرية الاخرين… والخ).

هذا يقودنا الى مشاهدة اخرى، الا وهي عدم وجود ‘ايديولوج’ (مُنظّر) واحد او اكثر للحراك في (بعض اقطار) العالم العربي. فعلى سبيل المثال اعتمد الفرنسيون ابان الثورة الفرنسية على فلسفة جان جاك روسو ومونتسكيو وبعد الثورة على ديه توكويل. فلسفات هؤلاء قدمت منظومات فكرية عبرت عن ضرورة تبني نُظم قيمية سياسية واجتماعية آخذة بعين الاعتبار مجالات شتى ابتداء من ضرورة الغاء الحكم الملكي وتبني حكم جمهوري ديمقراطي وانتهاء بمبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية وحقوق المرأة والخ. هل لدينا الآن في العالم العربي توافق الى هذه المبادئ؟ طبعاً لا . كذلك هو الحال في الثورة البلشفية في روسيا عام ١٩١٧ التي استندت على فلسفة كارل ماركس ( ١٨١٨-١٨٨٣) قبل الثورة وفلاديمير ايليتش لنين ( ١٨٧٠-١٩٢٤) قبل وخلال وبعد الثورة، وهذا هو حال الثورة في الصين وفلسفة ماو تسيه تونج ( ١٨٩٣-١٩٧٩).

بعض المراقبين يصفون الاحتجاج والتظاهر والتعبير عن الكبت والقمع بسبل مختلفة بـ "ثورة" بينما من المستحسن لربما تسمية هذه الممارسات او التصرفات بالكثير من المسميات ولكن ليس بـ "ثورة" لان الحراك ما زال في بدايته ولا نعرف الى اين سيصل وثانيا لم يثر هذا الحراك بعد على المعتقدات التي راجت لغاية الآن في المجتمعات العربية والتي ساهمت بانعدام المساواة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية وحرية التعبير عن الرأى وبالاعتراف بحق الآخر بالوجود الجسدي والفكري وبأن الحكم للاغلبية لكن اية غالبية لا يمكنها ان تبطل حقوق الاقلية (الاثنية او الدينية او المذهبية او الفكرية العلمانية الخ).
المشاهدات العديدة التى سجلتها تشير الى ان جزءاً من هؤلاء الذين كانوا او ما زالوا مع ازالة الانظمة العربية النمطية التى حكمت او ما زالت تحكم في غالبية الدول العربية يريدون ازالة ذلك الحكم ليس لتطبيق المبادئ المذكورة اعلاه وانما للاستيلاء على السلطة ولتطبيق ايديولوجيتهم التي ليس بالضروري ان تُقلع عن مناهج الحكم السابق وتلتزم بمبادئ الحرية والعدالة والمساواة. لا بل اكثر من ذلك، فلهذه المفاهيم تفسيرات مختلفة. فبينما يمكن ان تتبنى حركة سياسية اسلوب الحرية المطلقة في بعض المواضيع (حرية تعبير مطلقة على ما هو الهي وديني وسياسي…) فقد تقيد حركات سياسية اخرى هذه "الحريات"…وقد تلغيها حركات تتبنى ايديولوجيا مختلفة. فلا يمكن ان يسمى اي حراك بـ "ثورة" طالما لم يتم ‘الاقلاع’ عن المبادئ والاساليب التي سادت قبل الحراك والتي ادت الى الاحتجاج بدون تبني رؤية شاملة ومبادئ جديدة واضحة يتم التعايش معها عبر عملية ديمقراطية يصل اليها المجتمع بواسطة الانتخابات العادلة والحرة والنزيهة والشفافة. 
ولكي نتوصل لتلك حالة يجب البدء بتطبيق برامج تؤدي في مرحلة معينة الى سيادة العدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية بين شرائح المجتمع لكي تصل الغالبية (لا نريد ان نقول الجميع) الى مستوى ادنى من المعرفة والمقدرة على التفكير النقدي يليق بالمفاهيم الجديدة كاحترام الآخر ورأيه واستيعاب مبدأ ضرورة التحاور باحترام وادب رغم عدم الاتفاق.

الامر الذي سيوصل المجتمع لربما الى تبني حلول وسط او عمليات تدريجية وتبني برامج تنموية في مجال التربية والتعليم وهذه مسألة تستغرق عشرات السنين. فاما ان يتم الاتفاق بواسطة اجماع قومي ومصالحة وطنية (ولذلك فقد تم تغيير اسم الميدان الباريسي الى "كونكورد" ويعني ذلك علاقاتسلمية ووفاقية بانسجام) في مجتمع دولة معينة على وجوب السير في طريق ستأخذه الى "ثورة" شاملة قد تسمى ‘حقيقية’ في المستقبل، حتى ولو وسط صراع قوى بشكل يضمن وجود وحقوق الجميع، واما ان يستمر تحجر الاطراف المختلفة المناوئة لمبادئ الحرية والعدالة والمساواة والخ؛ ليوصف كل ما حصل حتى الان (وهو فقط بداية البدايات) كهدر للدماء والطاقات والموارد لكي تآتي قوة خارجية لتخطفه وتهنأ به وتبقى الامة العربية في حالة "مكانك عد"؟ 

كيمبريدج – انجلترا