د. محمود آغا رئيس تحرير مؤسسة الكومبس
د. محمود آغا رئيس تحرير مؤسسة الكومبس
6.3K View

منبر الكومبس: منحت السويد خلال الـ 15 عاماً الماضية 520 ألف إقامة لها علاقة بشكل أو بآخر بحق اللجوء على أراضيها، بالإضافة إلى إصدار حوالي 400 ألف تصريح عمل، هذه الأعداد الكبيرة نسبيا بالنسبة لعدد سكان السويد، شكلت إضافة مهمة للاقتصاد السويدي، وإضافة أيضا ضمن إغناء التعدد الثقافي السويدي.
ولكن وكما هي الحياة، لا يوجد شيء وردي ومثالي دائما، فهناك أيضا من لم يستطع الدخول في المجتمع، والتفاهم مع محيطه، وهنا تظهر مسألة تحديد مفهوم الاندماج وقياسه، خاصة ضمن الاجتهادات السياسية بين مختلف الأحزاب وتوجهاتها. لذلك نرى أن موضوع الاندماج كان ولا يزال من أهم القضايا التي تشغل المجتمع السويدي وتحتل موضعاً هاما ضمن برامج الأحزاب وكذلك ضمن خطط عمل المؤسسات السويدية.

إذاً يوجد تقصير بالاندماج، وهذا ما يتحدث عنه السياسيون ليلا ونهارا، مع أن أول من يتحمل مسؤولية هذا التقصير هم السياسيون أنفسهم.

 لا يوجد شيء وردي ومثالي دائما، فهناك أيضا من لم يستطع الدخول في المجتمع، والتفاهم مع محيطه، وهنا تظهر مسألة تحديد مفهوم الاندماج وقياسه.


يمكن مشاهدة قصور الاندماج على ثلاثة أصعدة، على صعيد زيادة معدلات البطالة ضمن مجموعة المولودين خارج السويد، والصعيد الثاني رصد ارتفاعا في معدلات الجرائم، التي يرتكبها ذوي الأصول الأجنبية، إما الصعيد الثالث فهو ضمن العلامات المدرسية المتدنية التي يحوز عليها أبناء المهاجرين الجدد، قياساً لمعدل العلامات المدرسية العامة.
يمكن اعتبار هذه العوامل كأنها نصف الحقيقية، أو أنها عوامل جاءت كنتائج واقعية لقدوم أعداد من اللاجئين المحتاجين للحماية ضمن مدة قصيرة.
من المعروف أن أحزاب اليمين المتطرف عادة ما تستخدم نصف الحقائق هذه، في خطابها الشعبوي الموجه إلى عواطف السويديين وليس إلى عقولهم، لزيادة الكراهية ضد الأجانب، ولكن وللأسف أصبحنا نشاهد هذا الخطاب ولو بلهجة مخففة ونسمعه من أحزاب تقليدية محسوبة على اليمين وعلى اليسار أيضا.

القادمون إلى هنا هم قوة عمل شبه جاهزة يستفيد منها المجتمع بعد مدة قليلة نسبيا، مقارنة بالمولودين هنا في السويد


فعلى سبيل المثال، تشمل احصاءات زيادة الجرائم، أجانب غير مقيمين في السويد، أغلبهم قادمين من أوروبا الشرقية والجنوبية.
قبل فترة عين حزب المحافظين “الموديرات” لجنة لتقديم اقتراحات وصفها بالملموسة والشاملة لتعزيز الاندماج ولعكس الاتجاه الخاطئ، حسب رأيه الذي تسير عليه عملية الاندماج اليوم، مؤكدا أن الاندماج مسألة مصيرية، لأنه يؤثر على جميع مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية ومنها: الوظائف والمدارس والمنح والجريمة وفرص الأطفال من أجل مستقبل أفضل.

الجديد القديم في مقترحات حزب “الموديرات” الأداة التي حددها الحزب في قياس الاندماج، الأداة هي مسألة “الاكتفاء الذاتي” أي أنك عندما تستطيع إعالة نفسك بنفسك ستكون وقتها مندمجا حسب مقياس الموديرات.
أي أنه ومن أجل النجاح في الاندماج، من الضروري أن يعمل المزيد من المهاجرين ويدعموا أنفسهم. يعتمد نموذج الرفاهية السويدي على حقيقة أن الغالبية العظمى تعمل. ومع ذلك، فشلت السويد في الاندماج، حسب ما جاء بالاقتراحات الجديدة.
ويدعم الحزب اقتراحاته بأرقام إحصائية تؤكد أن معدل البطالة بين سكان السويد، المولودين خارج أوروبا هو رقم قياسي حيث وصل إلى أكثر من 26٪ في الربع الأخير من عام 2020. ويستغرق الأمر في المتوسط من أربع إلى خمس سنوات لنصف جميع المهاجرين للحصول على عمل.
من المؤكد أن عملية “الاكتفاء الذاتي” يجب أن تكون هدف كل مهاجر وصل إلى السويد للبحث عن حياة جديدة، لأن انتظار المساعدات فقط ليس هو طموح أو ورغبة الأكثرية من القادمين الجدد أو القدامى، ومفهوم المساعدات يجب أن يبقى لمن يستحقها بالفعل وهم موجودين ضمن كل فئات المجتمع من سويديين ومهاجرين.
القادمون إلى هنا هم قوة عمل شبه جاهزة يستفيد منها المجتمع بعد مدة قليلة نسبيا، مقارنة بالمولودين هنا في السويد، والذين يجب أن يجتازوا مراحل الطفولة والتعليم والتدريب حتى يصبحوا ضمن القوى العاملة، لكن الطبيب أو المهندس أو عامل الخراطة أو السائق القادم من خارج السويد، يحتاج إلى فترة ترسيخ، ومن ثم يصبح متواجدا ضمن سوق العمل ويدفع الضرائب ويصبح أيضا مستهلكا ويشتري ويساهم في رفع الاقتصاد.

تخيلوا لو أن الشاب كارلسون لم يستطع أن يكتفي ذاتيا وتوجه إلى السوسيال، هل سيقولون له أنك غير مندمج؟

ولعل هناك أيضا سويديين أو أجانب مولودين في السويد لا يحققون الاكتفاء الذاتي ومنهم من يحملون أسماء وملامح سويدية، فهل هم أيضا غير مندمجين حسب مقياس “الموديرات”.
تخيلوا لو أن الشاب كارلسون لم يستطع أن يكتفي ذاتيا وتوجه إلى السوسيال، هل سيقولون له أنك غير مندمج؟
من الأفضل أن يظهر الإعلام السويدي النصف الآخر من حقيقة هذه الأرقام التي تتحدث عن البطالة بين المولودين خارج السويد، أو عن ارتفاع معدلات الجريمة بينهم، أو عن انخفاض علامات أطفالهم في المدارس.
النصف الذي يتحدث عن أيدي عاملة جاءت وعملت وتعمل بدون أن تكلف السويد أعواما من التربية والتعليم والتدريب.
من الأفضل أن تضع الأحزاب مقاييس حقيقية وليست خادعة للاندماج، والتقليل من الاعتماد على الخطاب الشعبوي في جذب الناخبين، والتعامل مع مشاكل الاندماج بواقعية.

د. محمود آغا

رئيس تحرير مؤسسة الكومبس الإعلامية

Related Posts