Lazyload image ...
2012-08-17

تظهر التقارير الواردة من سورية أن المعارك العنيفة التي تدور في غير مدينة في البلاد لا تكوي بنيرانها المدنيين والعسكريين والأبنية السكنية والتاريخية فحسب، بل تطال أيضاً العاملين في الحقل الإعلامي، والذين وصلت مستويات استهدافهم إلى درجات قياسية ومخيفة خلال الأسبوعين المنصرمين، وذلك مع ارتفاع وتيرة الاشتباكات في عاصمتي سورية، حلب ودمشق، وتواصلها في المدن السورية المشتعلة أصلاً.

تظهر التقارير الواردة من سورية أن المعارك العنيفة التي تدور في غير مدينة في البلاد لا تكوي بنيرانها المدنيين والعسكريين والأبنية السكنية والتاريخية فحسب، بل تطال أيضاً العاملين في الحقل الإعلامي، والذين وصلت مستويات استهدافهم إلى درجات قياسية ومخيفة خلال الأسبوعين المنصرمين، وذلك مع ارتفاع وتيرة الاشتباكات في عاصمتي سورية، حلب ودمشق، وتواصلها في المدن السورية المشتعلة أصلاً. وخلال الأسبوع الماضي فقط قتل مساعد المصور، حاتم أبو يحيى، في القناة الإخبارية الرسمية السورية، فيما اختطف زملاؤه الثلاثة، قبل أن يطلق سراحهم لاحقاً بعملية للجيش السوري. كما تمت تصفية الصحافي علي عباس من وكالة سانا الإخبارية الرسمية في بيته بجديدة عرطوز في الريف الدمشقي بدم بارد كما أفاد من شاهدوا جثته بعد مقتله. ولا تنحصر التصفيات في صفوف الموالين للنظام السوري، بل تشمل أيضاً النشطاء الإعلاميين للمعارضة ممن تجري تصفيتهم على الرغم من أنهم ليسوا مقاتلين ولا يحملون السلاح، بل القلم والكاميرا، وهي أدوات خطيرة يدرك الموالون والمعارضون لنظام الرئيس السوري بشار الأسد أهميتها الفائقة في الصراع الدموي الجاري على الأرض السورية.

إعدامات بدم بارد

وتظهر أبحاث لجنة حماية الصحفيين الدولية أن 14 صحفياً على الأقل لقوا حتفهم منذ نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي بينما كانوا يغطون الأحداث في سورية، وقد توفي تسعة منهم على الأقل في ظروف تثير الاشتباه بمسؤولية الحكومة عن مقتلهم، مما جعل سورية أخطر مكان للصحفيين في العالم. ويعكس استهداف الحقل الإعلامي الدور الكبير الذي يلعبه الصحافيون في رفد الطرفين المتصارعين على الأرض، حيث يدرك الطرفان أن المعركة في جزء منها هي إعلامية بامتياز، لكن الخاسر الأكبر، كما يرى المراقبون للشأن السوري، هو حرية التعبير، وضمان الوصول الحر والآمن لمصادر المعلومات على أرض الواقع.

ويلاحظ مراقبون هنا أن سورية ليست أرضاً آمنة لعمل الصحافيين في ظل انتشار السلاح الكثيف بين فرقاء صار من الصعب معرفة هويتهم، أو طبيعة نظرتهم للعملية الإعلامية التي ينبغي للأطراف المتناحرة ضمان سلامتهم وحرية تجوالهم، ولو في المناطق الملتهبة كحلب الآن على سبيل المثال. وكانت السلطات السورية قد حذرت الصحافيين في وقت سابق من العام الجاري من دخول المناطق التي يفرض المسلحون سيطرتهم عليها، كما حذرتهم من أنها غير مسؤولة عن سلامتهم إن هم دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية. لكن بعض الذين دخلوا حمص وحلب بطريقة غير شرعية برفقة ميليشيات المعارضة يقولون إنهم ما كانوا ليحصلوا على التصريحات اللازمة لعملهم من السلطات السورية الرسمية، وهو ما يضطرهم لسلوك الخيار الصعب والمجازفة بحياتهم للوصول إلى مناطق القتال التي غالباً ما ظلت متروكة لشهود العيان الذين كانوا خلال الفترات الماضية من عمر الأزمة السورية النافذة الوحيدة لما يجري على الأرض السورية. ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن شهود العيان ليسوا إعلاميين مؤهلين لنقل صورة موضوعية عما جرى ويجري على الأرض السورية. هذا الأمر أدركته محطات عربية كبرى، كالعربية والجزيرة، حيث لجأت في الفترة الأخيرة إلى إيفاد مراسيلها المؤهلين للعمل على الأرض بغية الحصول على تغطية بحرفية ومهنية أفضل.

بين الصحافة التقليدية وصفحات "الفيسبوك"

ولم يعد خافيا أن التغطيات الحالية للوضع السوري، على غرار ماحدث في البلدان العربية التي شهدت انتفاضات الربيع العربي كمصر وليبيا وتونس، تمزج بين آليات الصحافة التقليدية وبين صحافة التويتر والفيسبوك والمدونات الشخصية، حيث باتت تقارير المحطات تعتمد على فيديوهات لهواة ومحترفين لكنهم لا يحترفون العمل الإعلامي، وهذه الحقيقة تجعلهم عرضة لملاحقة السلطات، وبالفعل فقد تم قتل،أو اعتقال، العديد منهم بسبب نشاطهم على الأرض وعلى الشبكة العنكبوتية. ووفق ما أظهرته تقصيات لجنة حماية الصحفيين، عادة ما يتعرض من يُعتبرون مناهضين للنظام لمضايقات وتهديدات أو ما هو أسوأ من ذلك. فقد عمد المسؤولون الأمنيون إلى التحقيق مع النشطاء للحصول على كلمات المرور السرية لمواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، كما تم اعتراض بعض التواصل عبر الإنترنت لتحقيق الغاية ذاتها.

وبالرغم من أن الحكومة السورية أعلنت في أغسطس/آب من العام المنصرم أنها أقرت قانونا جديداً للإعلام من شأنه أن يحسن حرية الإعلام وأن ينهي ممارسة سجن الصحفيين، إلا أن تقارير لجان حماية الصحفيين وثقت عشرات الحالات التي جرى فيها احتجاز صحفيين وعزلهم عن العالم الخارجي وحالات لصحفيين أجانب جرى طردهم قبل إقرار القانون الجديد وبعده.

اعتداءات دموية على الصحافة والصحافيين

وتصاعدت خلال الشهرين الماضيين حالات الاعتداء على الصحافيين، فقد تم إيقاف بث قناة الدنيا الخاصة والقريبة من الحكومة، وجرى تفجير في الطابق الثالث من مبنى التلفزيون الحكومي في ساحة الأمويين بدمشق. كما تم يوم 27 يونيو/ حزيران الفائت قتل عدد من موظفي محطة ‘الإخبارية’ التلفزيونية السورية الحكومية عندما تعرضت المحطة لاعتداء شنه مسلحون حيث تم الإبلاغ عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة سبعة آخرين، حسب وكالة سانا الحكومية السورية. وفي تعليقها على الحادثة أشارت منظمات إخبارية دولية إلى أن القيود المشددة التي تفرضها الحكومة السورية على الصحافة تجعل من الصعب التحقق من التفاصيل بصفة مستقلة. ولم تنس تلك المنظمات الإشارة إلى أن الصحفيين الذين يغطون النزاعات هم مدنيون، ويمثل الاعتداء عليهم وعلى مكاتبهم انتهاكاً خطيراً للقانون الإنساني الدولي. وطالبت جميع الأطراف في سورية باحترام وضع الصحفيين وضمان سلامتهم.

الموقف ذاته أفادت به الأمم المتحدة على لسان رئيس فريق مراقبيها الدوليين في سورية الجنرال جاي حين قال إن "الأمم المتحدة تلتزم في كل الدول بحرية الصحافة والإعلام، ويلعب الاعلام في سورية دوراً كبيراً، ولا يسعنا إلا إدانة أية أعمال عنف تستهدف الإعلام من أي طرف كان".

حرية التعبير والتعددية هي الخاسرة

وفي ظل تزايد الاعتداءات على الصحفيين في سورية، فإن من الملح أن تُطالب الأطراف المتنازعة الالتزام بميثاق شرف، ولو غير مكتوب، يضمن التنقل الحر للصحافيين في شتى مناطق النزاع وتوفير الحماية لهم، وضمان التعبير عن آرائهم من دون شعور بالخوف من الاعتقال أو القتل. بل وفتح الباب واسعاً أمام الصحافة كي تعمل على أرض الواقع لتنقل للعالم ما يجري فعلاً من أحداث ووقائع بعيداً عن ثقافة الثأر التي أدت إلى مقتل ناشطين إعلاميين كثر في سورية، وفي بلدان الربيع العربي. ومن دون هذا الميثاق الذي يلتزم بالمعايير الدولية لعمل الصحافة والصحافيين ستظل فصول معاناة الصحافيين السوريين تتوالى.. فمنذ أيام تناقلت الأخبار أن المعارضة قتلت المذيع محمد السعيد بعد اختطافه أمام أطفاله، كما قُتل الناشط الإعلامي المعارض براء البوشي، وربما كان حظ فريق الإخبارية جيدا لأنه تم انقاذهم، لكن لا ضمانة في توقف أعمال الخطف والاستهداف والقتل من الجانبين، ولعل الخاسر الأكبر هو الحقيقة، ومصداقية الصحافة التي تتنفس بهواء الحرية وتستمد غناها من التعددية في الرأي والرؤيا بين موالاة ومعارضة.

سامر الياس

روسيا اليوم

17 أغسطس 2012

Related Posts