Lazyload image ...
2020-05-27

نشرت إذاعة مونت كارلو الدولية، أمس الثلاثاء، تقريراً تحت عنوان: ” السويد: أكبر نسبة وفيات في العالم”، بقلم منى ذوايبية، احتوى معلومات غير دقيقة، ومجتزأة، وافتقر في معظمه إلى المهنية، كما تضمن معلومات خاطئة جغرافياً، تكاد تكون “مضحكة” حتى.

فبعد أيام من تقرير مماثل، كانت ذكرت فيه الإذاعة أن عدد سكان الدنمارك هو ضعف سكان السويد، عادت أمس لتصنع بين السويد وهولندا حدوداً جغرافية مشتركة!

التقرير خرج باستنتاجات عامة، استندت في مجملها على رأي أحادي لأستاذ جامعي، في بلد يشهد نقاشاً محموماً حول استراتيجيته، تتعدد فيه الآراء، غير أن الحقائق لا تتبدل.

 “السويد تسجل أكبر نسبة من الوفيات في العالم”، جملة صحيحة لو أضيفت لها عبارة “في أسبوع واحد”.

 غير أن التقرير حذف العبارة الأخيرة فعرض استنتاجات مضللة دعمها عبر تجميع معلومات من هنا وهناك في استسهال يعوزه تحري المعلومات الأخرى المكملة.

وقال التقرير إنه استند في هذه المعلومة على بيانات موقع الإحصاءات العالمي Our world in data  التي تظهر عدد وفيات كورونا لكل مليون نسمة في كل بلد، بناءً على متوسط الوفيات المؤكدة على مدى الأيام السبعة الماضية. دون أن يشير التقرير إلى أن هذه الإحصاءات هي لسبعة أيام فقط. وكانت الكومبس نشرت بيانات التقرير.

جملة لا تستند إلى مصدر

“السويد اكتفت بإعطاء المسنين المورفين بدل نقلهم إلى المستشفيات” جملة يذكرها تقرير الراديو، دون الإشارة إلى مصدرها مستخدماً عبارة “البيانات القادمة من السويد تشير”.

والحقيقة أن المعلومة لا تستند إلى البيانات القادمة من السويد بل إلى رأي شخص واحد هو أستاذ أمراض الشيخوخة في جامعة أوميو إنجفي غوستافسون الذي كتب مقالاً واحداً (نشرت الكومبس ترجمة له) انتقد فيه طريقة معالجة السويد للمسنين، مقابل آلاف التصريحات الأخرى التي أعطت الأولوية لحماية المسنين منذ بداية الأزمة.

غير أن النقطة الحاسمة في موضوع زيادة وفيات المسنين هو عدم نجاح السويد في منع وصول العدوى لدور المسنين، وهذا ما قالته الحكومة وهيئة الصحة العامة ولم يشر إليه التقرير.

تقرير ينسف حقائق بجملة واحدة

“السويد لم تلتزم بالحجر الصحي وأبقت مواطنيها على عاداتهم اليومية”، عبارة تعوزها الدقة حتى تصبح حقيقة، فالسويد لم تفرض الحجر الصحي ولم تذهب إلى إغلاق كامل للمجتمع كما فعلت دول أخرى، لكن هذا لا يعني أنها أبقت على العادات اليومية كما هي، وأن الحياة تسير في السويد كما كانت بحسب المزاعم.

حاولت السويد الوصول إلى نتائج التباعد الاجتماعي دون أن تفرض ذلك فرضاً على مواطنيها. فدعت كل من يشعر بأعراض خفيفة إلى البقاء في البيت وعدم الذهاب إلى العمل. وسهلت بقاء الموظف في بيته عبر سلسلة طويلة من الإجراءات. وحثت على التباعد في المطاعم والمقاهي عبر سلسلة من التعليمات، ومنعت زيارة المسنين، وأغلقت المدارس الثانوية والجامعات، ومنعت تجمع أكثر من 50 شخصا، وغيرها من الإجراءات.

هل كان ذلك كافياً؟ هذا محل نقاش في السويد لا يتطرق له التقرير بل ينسفه بجملة واحدة.

يقارن التقرير بين السويد والدول الأخرى دون أي إشارة إلى ما قالته السويد في هذا الخصوص من أن طريقة حسابها للوفيات تختلف عن البلدان الأخرى، مشيرة إلى أن المملكة المتحدة مثلاً لا تحتسب إلا الوفيات في المستشفيات.

يضع التقرير هولندا بجوار السويد جغرافياً، غير أن هذا أهون أخطائه، فتقديم المعلومات بطريقة “لا تقربوا الصلاة” أشد وأعتى.

بيد أن تقرير مونت كارلو نجح في أن يكون نموذجاً لتقارير كثيرة تكتب عن السويد بسطحية واستسهال لا تختلف كثيراً عما يمارسه كثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي.

لا تفعل أنصاف الحقائق شيئاً سوى تشويه المعرفة، وخطورتها تكمن في أنها تقدم كحقائق كاملة.

طبيب وباحث: لا علاقة للحجر الصحي بأعداد الوفيات

وتعليقاً على التقرير، قال الدكتور فارس الخليلي، طبيب القلب والشرايين والأمراض الباطنية في مستشفى Sophiahemmet  في ستوكهولم والباحث في مؤسسة كارولينسكا إن الأرقام التي يتم الإعلان عنها، بشكل يومي، تكون متراكمة، وليس بالضرورة أن تكون حالات الوفيات حدثت، خلال الساعات الـ 24 الماضية، بل تعود أحياناً الى عدة أيام، لذلك الأرقام التي يجري الحديث عنها، قد تكون للأسبوع الذي قبله. يحدث أن شخصّا يتوفى بالمرض، لكن لا يجري تسجيل وفاته بنفس اليوم، وقد يتأخر التسجيل عدة أيام.

وأضاف أن هذه التقارير الإعلامية، تفسر عدد الوفيات بسبب عدم اللجوء الى الحجر الصحي، كما تعتقد، لكن لا علاقة للحجر الصحي بأعداد الوفيات في السويد، بل أن أكثرية الذين يموتون هم من دور كبار السن، حيث تعاني السويد من مشكلة في هذه الأماكن، وسوء الإدارة فيها.
وأشار الخليلي الى أن أعداد الأشخاص الذين يدخلون الى وحدات العناية المركزة في السويد بدأت تقل خلال الأسبوعين الماضيين.

وقال: “أعتقد أن التجربة السويدية، حسب رأيي ورأي العديد من زملائي، هي تجربة إيجابية، لأنها منعت الخوف، ونعيش حياة شبه طبيعية، لا نستطيع القول إنها طبيعية. وهذه التجربة والاستراتيجية بنيت على أراء علماء وأطباء وخبراء في السويد، ولم تكن قراراً سياسيّا.

لا أستطيع القول إننا في السويد دفعنا الثمن، بسبب عدم اتباع سياسة الحجر الصحي، لكن دفعنا الثمن وفشلنا في حماية كبار السن الذين يسكنون في دور رعاية المسنين، أو كبار السن الذين يتلقون الرعاية الصحية في بيوتهم. وهذا الفشل لا يعود الى الحجر الصحي، وإنما لسوء إدارة هذه الدور”.

Related Posts