Lazyload image ...
2015-11-15

الكومبس منبر: شوارع باريس تكاد تكون خالية صباح اليوم الأحد، إلا من سياح أجانب في بعض معالم باريس المشهورة، حسب تقارير إخبارية، الشعب الفرنسي لا يزال يعيش صدمة هجمات باريس التي هزت مساء الجمعة 13 نوفمبر فرنسا وربما العالم، ولكن قريبا وبعد التخلص من الآثار المباشرة لهذه الهجمات، من الطبيعي أن يأتي دور الآلام وأوجاع ما بعد الصدمة.  قصص شخصية عن الضحايا وعن عائلاتهم، سيزيد نشرها من ظهور هذه الأوجاع، فلا شك أن كل قتيل أو جريح له قصة إنسانية من الصعب أن تزول آثارها بسرعة، ولكن أوجاع من نوع آخر سيعاني أيضا منها معظم المهاجرين واللاجئين والمقيمين في أوروبا ويحملون أسماء وملامح شرقية، قد تشكل وللأسف لدى بعض العنصريين أو الجاهلين مصدرا للكراهية والبغض، أو على الأقل مصدرا للريبة والحذر وعدم الارتياح.

لا أحد يستطيع التكهن أن كل المجتمع الفرنسي والأوروبي يعرف الحقيقية، حتى يتخلص من عقدة الأحكام المسبقة والتعميم الذي له علاقة بنفسية البشر وطرق تفكيرهم، الحقيقية التي توضح دوافع انتشار الموت في بعض شوارع باريس لعدة دقائق، بعد أن كانت كفيلة بمقتل واصابة المئات.

هل يعرف الفرنسيون والأوروبيون مثلا أن حقيقة الإرهاب هي حقيقة واحدة؟ وأن الإرهاب الذي ضرب في باريس الجمعة هو الذي ضرب بيروت قبل أيام واسقط طائرة روسية منذ اسبوعين، وهو نفس الإرهاب الذي يضرب مدن ونواحي سوريا منذ اكثر من اربع سنوات، كما يضرب اليمن والعراق وليبيا وغيرها؟

هل يعرف الفرنسي او السويدي الحقيقة قبل أن ينظر لأي أحد يحمل ملامح شرقية، نظرة قد تحمل معاني الاشمئزاز أو الريبة، حقيقة أن هذا الأحد أيضا ضحية للإرهاب، ولهدا السبب هو هنا يحمل صفة “لاجئ مزمن” حتى وان قضى معظم سنين حياته خارج وطنه. هل الجميع يعرف أن اللاجئ في أوروبا هو ضحية لإرهاب قد يكون مستجد وعنيف يسمى الآن “داعش” أو إرهاب قديم ولا يقل عنه عنفا، مارسه ضده حاكم أو نظام مستبد وجائر أو قوة احتلال صادرت بيته وأغلقت أمامه أبواب المستقبل والحاضر وراقبت حتى النفس الذي يمكن أن يتنفسه؟

الإرهاب لا يمكن أن يتجزأ ولا يمكن أن يصنف حسب ميول من يصفه، أو وفق موطنه ومصدره وشكل ممارسته، الإرهاب هو إرهاب وهو مرادف للاغتصاب وللقتل وللتنكيل ولمصادرة الحريات ولقطع الأرزاق وللحصار وللاحتلال ولممارسة الذل ولإهانة كرامة الإنسان.

ومجابهة الإرهاب بإرهاب مضاد هو أيضا إرهاب، يجب أن نبحث عن أسبابه وجذوره لمكافحته والقضاء عليه بنفس الوقت والطريقة التي يجب أن ندينه ونرفضه أيضا.
هجمات باريس وحركة اللجوء إلى أوربا

تداعيات ما بعد صدمة هجمات باريس يمكن أن تؤثر على الجاليات الشرقية عموما في أوروبا ويمكن أن تطال حركة اللجوء الحالية، هذا ما سارعت
حكومات بعض دول أوروبا الشرقية إلى التحذير منه بتصريحات فجة ربطت فيها بين قدوم أعداد كبيرة من اللاجئين وبين أمن المجتمعات الأوروبية.

سنرى قريبا مقالات وكتابات تحاول تبرئة المسلمين والعرب والشرقيين وكأنهم متهمين محتملين، وسنرى كيف سندافع عن الالتباس بين شكلنا واسمائنا ومعتقداتنا وقضايانا العادلة وبين من قرر أن يرهب الناس ويقتلهم باسمنا وباسم قضايانا العادلة.

يعبر عامر وهو أحد طالبي لجوء من الواصلين حديثا إلى السويد عن شعور بالقلق وربما بالخوف من أن تأثر هجمات باريس عليه وعلى طلبه للجوء، ويقول متسائلا: هل تبددت جميع أحلامي بالوصول إلى بلد كنت أتوقع أن يمنحني وعائلتي السلام والأمان وهل ذهبت سدى كل هذه الأعباء التي تحملتها أثناء رحلة لجوء طويلة وشاقة بدأت من أحد أحياء دمشق المتهالكة بسبب حرب عبثية؟

يسأل عامر عن المستقبل الذي ينتظره وينتظر أولاده ويقول: هربنا من الإرهاب لنجده حتى في أوروبا، ولكن المشكلة ليست فقط هنا بل وبسبب أشكالنا نشعر أننا متهمين به أيضا، فهل هناك أسوأ من هذا الشعور، عندما تكون ضحية وتصبح متهما.
معنى العثور على جواز السفر السوري 

إعلان السلطات الفرنسية عن وجود جواز سفر سوري لأحد القادمين الجدد عن طريق اليونان، عزز مخاوف ربط حركة اللاجئين إلى أوروبا بزعزعة الأمن الأوروبي. خاصة أن هذه المخاوف تعدت القارة الأوروبية لتصل إلى الولايات المتحدة، عندما أعلن الحزب الجمهوري تحفظه على خطط لاستقبال لاجئين سوريين منعا لوجود إرهابيين محتملين بينهم.

واقعة العثور على الجواز السوري وعلى الرغم من التهكمات العديدة في وسائل التواصل الاجتماعي على وجوده بحالة جيدة بجانب جثة صاحبه المتفحمة، للأسف يمكن أن تكون واقعة صحيحة، ويمكن أن تكون مقصودة أيضا، فمن يجد سهولة في تجنيد وغسل دماغ شبان ولدوا وتربوا في أوروبا لا يصعب عليه تجنيد شبان من دول تعاني الحروب لدسهم بين جموع القادمين لتقديم لجوء في الدول الأوروبية.
واجبنا يبدأ بالشعور أننا جزء من هذا المجتمع

تداعيات ما بعد الصدمة الأولى لهجمات باريس ستأثر حتما على العديدين، لكن تخفيف حدة هذه التداعيات مسؤولية يتقاسمها الجميع، تماما مثل المسؤولية عن محاربة الأفكار المتطرفة بين الشباب من أصول مهاجرة، ولعل أهم ما يحدد شكل هذه المسؤولية هو شعورنا جميعا أننا ننتمي إلى مجتمع ديمقراطي ومنفتح ومتسامح ويجب أن نحافظ عليه، مسؤولية المحافظة على هذا المجتمع تبدأ بشعورنا أننا جزء منه وأننا نحن وأولادنا ننتمي له نمارس حقوقنا ونقدم واجباتنا مثل كل المواطنين، وحتى وأن لم يعجب  ذلك دعاة العنصرية والتعصب، فهؤلاء يتقاسمون هدف واحد مع  الإرهابيين والمتطرفين وهو تقويض ركائز ووحدة وقيم المجتمع.

د. محمود صالح آغا

رئيس تحرير شبكة الكومبس

Related Posts