Lazyload image ...
2016-06-29

الكومبس – مقالات الرأي: تنقلت في عدة كامبات للاجئين جنوب ووسط وشمال السويد، ووجدت أن العامل المشترك بين البعض من موظفي الهجرة فيها، هو التكبر والعدائية غير المبررة، وأحياناً العنصرية السافرة، تجاه اللاجئ وإصرارهم الغريب على ترسيخ فهم محدد في دواخل اللاجئين، أساسه أنه شخص ليس لديه أي حقوق وعليه أن يحمد ربه على الأكل والمأوى الذي يجده.

وكثيراً ما يردد موظفو الهجرة على مسامع اللاجئين عبارتهم المشهورة (أنتم لاجئين ولا يحق لكم غير السقف والطعام والشراب)، وهي مقولة تتقاطع ومضامين ومبادئ العمل الإنساني وقوانينه ولوائحه وأخلاقه وآدابه، سواء الدولية أو التي تتبناها السويد وتنادي بها على مر العصور.

في تجربة شخصية لي مع موظف بمصلحة الهجرة قال لي بالحرف: لديكم غرفة وطعام، هل تحصلون على ذلك في بلدكم؟! ومثل هذه التصريحات السالبة لا يفترض أن تصدر من موظفي مصلحة الهجرة، لأنهم يعكسون رسالة ورؤية السويد بأكملها وقيمها وأخلاقها وآدابها وليس فقط مصلحتهم أو حكومتهم، وهم بذلك يضرون وبصورة مباشرة بسمعة السويد التي اكتسبتها عبر عصورٍ طويلة، بدعم ورعاية العمل الإنساني، وباتت رائدة على مستوى العالم في هذا المجال والشواهد عديدة، ومن غير المنطق والمقبول إهدار وضياع هذه المكانة المرموقة بأفعالٍ وأقوالٍ غير منضبطة أو غير مسئولة!

تتجلى معاناة اللاجئين، بشكلٍ أكبر في الكامبات المملوكة لرجال أعمال، وتستأجرها مصلحة الهجرة، حيث يطغى هدف الربح على الجانب الإنساني، وضحيته الأوحد هو اللاجئ، عبر تقديم خدمات رديئة أشبه بالعدم الذي قد يكون أفضل في بعض الحالات، فضلاً عن التعالي والمعاملة السيئة جداً لفظياً وفعلياً، تصاحبها عنصرية ملحوظة في كثير من الحالات، وهي معاناة يومية ومتصلة، ومالك الكامب لا يهمه، فهو سعيد جداً بالأرباح التي يحققها نتيجة الأعداد الكبيرة للاجئين القاطنين عنده، في ظل ضعف وغياب الدور الرقابي لمصلحة الهجرة، وهو ما سنشير إليه في السطور اللاحقة..!

وفـقاً لمشـاهداتي الشخصية في كامب بمنطـقة (Björkliden 1 Lgh 1011/340 12 Annerstad) وهو كامب تابع لمكتب الهجرة بمدينة الفستا Alvesta، ويبعد عن مدينة الفستا مسافة ساعة و15 دقيقة بالأوتوبيس السفري!! تنتهج إدارة الكامب سياسة تقشفية مخالفة للوائح والضوابط المعمول بها في مملكة السويد، بدءاً بنوعية الطعام المقدم وسلامته وجودته، حيث الاعتماد على الوجبات قليلة التكلفة بغض النظر عن الحالة الصحية والعمرية للمتواجدين، وانتهاءً بغياب الرعاية والمتابعة الصحية والتي لها علاقة بنوعية الأطعمة المقدمة، وهي أمورٌ مهمة جداً وفي أعلى مراتب الإنسانية لكنهم لا يأخذونها في الحسبان.

“طعام سيء لجميع الفئات العمرية “

والملاحظ أن الكامبات عموماً (بما فيها الذي نحن فيه) تضم فئات عمرية مختلفة، بدءاً بالأطفال الرضع إلى الأطفال بمراحلهم العمرية المتفاوتة، إلى الصبية والشباب فالناضجين والعجزة، وكل هؤلاء يتم تجهيز طعام واحد لهم، وهو بدون شك لا يتناسب مع كل هذه الفئات العمرية، مما يضطر العديد منهم إلى الامتناع عن تناول الطعام وبالتالي تأثرهم صحياً وبدنياً. وإذا ما حاولت شرح الأمر، تواجه بشعار إدارات الكامبات (نحن لا نطبخ وفق الأهواء الشخصية)! وهذا ليس هوىً شخصياً، إنما ضرورة تستوجبها المرحلة العمرية أو الحالة الصحية، كي لا تحدث أضرار وبمعنىً آخر هي ضرورة لابد منها..!

يحصل اللاجئون القاطنين في الكامبات على مبلغ 19 كرون/ يومياً للبالغ، ونحو 12 كرون/يومياً للطفل باعتبارهم لا ينفقون على الطعام، بينما الحقيقة القاسية أن اللاجئين لا يتناولون في غالب الأحوال أطعمة الكامبات ويواجهون عجزاً كبيراً في تلبية احتياجاتهم الغذائية، تبعاً لقلة المبلغ المخصص لهم باعتبارهم يتناولون الطعام في الكامب حسب اعتقاد مصلحة الهجرة، التي لا تعلم رداءة الطعام المقدم بل وأضراره في كثير من الأحيان تبعاً للحالة الصحية للاجئ أو فئته العمرية.

والأمر الغريب أن إدارة الكامبات في كل الحالات التي شاهدتها، ترمي بالطعام الذي يرفضه اللاجئون لرداءته في النفايات، وهكذا يتم إهدار أموال ضخمة جداً تم تخصيصها بالأساس للعمل الإنساني، لكنها ذهبت في غير اتجاهها الصحيح، والأقسى في الموضوع أن صاحب  العلاقة الرئيسي (اللاجئ) هو الضحية الوحيد!!!

بلغت الإجراءات التقشفية في الكامب المذكور حد تحديد استخدام الماء الساخن (الدافئ)، حيث قامت إدارة الكامب بتركيب أجهزة تعمل بالقطع المعدنية في دورات المياه ويحصل اللاجئ على قطعة معدنية واحدة تسمح له بالحصول على الماء الدافئ لسبع دقائق فقط في اليوم بالنسبة للرجل، والمرأة على قطعتين معدنيتين توفر لها 14 دقيقة من الماء الدافئ في اليوم، والطفل على قطعة واحدة توفر ماء دافيء لمدة 7 دقائق، دون اعتبار لبرودة الجو أو حاجة الأطفال للاغتسال عدة مرات في اليوم! وعلى قلة ورداءة الخدمات المقدمة، يحاط الوضع في مجمله بمعاملة غير إنسانية مُحِطَّة للكرامة من معظم العاملين في الكامب، وإمعانهم وإصرارهم غير المبرر على تذكير اللاجئ دوماً بدونيته..!

تقول مصلحة الهجرة بأنها تدفع مبالغ طائلة تبلغ مليون كرون/شهرياً للكامب لرعاية اللاجئين، بينما لا تعكس الخدمات التي يقدمها الكامب هذا المبلغ، بخلاف أن هذه الميزانية الشهرية الضخمة تحتاج لمتابعة ورقابة من مصلحة الهجرة والتأكد من أوجه صرفها وسلامتها ودقتها وهو ما لا يحدث، حيث لا يوجد أي ممثل لإدارة الهجرة يعمل بالكامب لكي يتأكد من نوعية الخدمات أو الرعاية المقدمة للاجئ أو مقدار ما يتم صرفه فعلياً من المليون كرون التي يستلمها الكامب شهرياً، والأمر لا يتعدى زيارة أسبوعية واحدة من موظف الهجرة للكامب وأحياناً كل أسبوعين مرة واحدة، وفي احايين أخرى زيارة واحدة كل 3 أسابيع.

وهنا يمكن استقراء تقرير مكتب المراجع الداخلي السويدي والتذكير بما ورد فيه عن الصرف الضخم وغير المبرر بكامبات اللجوء، ومقارنته بانخفاض التكاليف في حالات إسكان اللاجئين في شقق منفصلة ومنحهم تكاليف إعاشتهم، وهو تقرير مفصل نشرته صحيفة الكومبس الموقرة مؤخراً.

تتركز زيارة بعض مسؤولي الهجرة في الكامبات بصورة عامة، على توجيه الإساءة للاجئين والإجابة على استفساراتهم بعنجهية وعنصرية واضحة دون أي مبررات موضوعية، وعلى مسمع ومرأى من إدارة الكامب، وكأنه يوعز إليها بالبطش باللاجئين القاطنين بالكامب واستمرار التجاوزات الصارخة التي أشرنا لبعضها أعلاه.

فقد شجعهم تعامل مسؤولي الهجرة غير الإنساني مع اللاجئين، لانتهاج نفس نوع المعاملة وأحياناً بصورة أكثر فظاظة وغلظة، والمؤلم أنها تكون بشكل يومي مستغلين غياب الرقابة وانعزال الكامب وضعف معارف وثقافة اللاجئين بقوانين ولوائح ولغة البلد.

مديرة الكامب، على وجه الخصوص، تتعامل بفظاظة وعدائية غير مبررة وتستخدم جملاً آمرة لا تعبر بالمرة عن احترامها لإنسانية اللاجيء ولكرامته، التي أصبحت مهدرة من قبل الجميع، وتزعم بأنها كانت تعمل سابقاً بالشرطة السويدية، وكثيراً ما تذكر هذه المعلومة أمام اللاجئين لإرهابهم بشكل مستمر وإرغامهم على الصمت والقبول بالأمر الواقع، وهو ما نجحت فيه إلى حدٍ بعيد.

ساعد في كل هذه التجاوزات والمآسي طبيعة الكامب التي تشبه كثيراً شكل المعتقل الكبير، فهو بعيد ومعزول ويقع في منطقة نائية، ليس بقربها مدينة ولا توجد بها مكتبة ولا مستشفى ولا مدرسة ولا حتى متجر أو ماكينة صراف آلي! ويعاني غالبية اللاجئين الموجودين من حالات الاكتئاب والقلق والإحباط سواء كانوا نساءً أو رجال، وباتوا حطاماً ومن الصعوبة توقع أي إنجاز منهم دون إعادة تأهيل وبناء نفسي وبدني.

وهنا تأتي التساؤلات الجوهرية، ما الفائدة التي ستجنيها مصلحة الهجرة من هكذا أوضاع؟ وهل قامت مصلحة الهجرة بحساب التكاليف التي ستتحملها لاحقاً لاستعادة التوازن النفسي لهؤلاء اللاجئين وإعادة تأهيلهم؟ ولماذا أصلاً تعاملهم بهذه الصورة وتدخل في احتمالات وحسابات تنال من رصيد السويد وسمعتها وأموالها؟ أما كان الأجدى الاهتمام بهؤلاء اللاجئين وتخفيف جراحاتهم وآلامهم التي أتوا بها من أوطانهم بدلاً من تعميقها بهذه المعاملة غير الإنسانية، والتي تقود في كثير من الحالات لتعقيد أوضاعهم النفسية والبدنية؟ فالعديدين من هؤلاء اللاجئين فروا من حروب وثورات وأعمال قمع وتشريد وتعذيب طلباً للحماية والدعم المعنوي، ولو كانت حياتهم طبيعية لما أتوا من أساسه وفارقوا أوطانهم ودولهم، فهل قطعوا كل هذه المسافات لتواجههم ادارات الكامبات بهذه المعاملة غير الإنسانية؟! وهل هذه الأفعال والممارسات تشبه السويد ومبادئها وقوانينها وما ترفعه من شعارات؟!

لقد اجتهدت في عرض الأوضاع التي نحياها الآن، وثمة الكثير الذي لم أذكره أو أعكسه كما يجب وكما يعانيه اللاجئ لضيق المساحة، وأتمنى أن يصل هذا الصوت لأصحاب القرار في السويد بصفة عامة ولوزارة الهجرة ورئاسة مصلحتها بصفةٍ خاصة لحساسية الأمر، وثقتنا بكم كبيرة ولا تحدها حدود، مع أكيد الاحترام

محمود لطيف

مقالات الرأي تعبر عن رأي أصحابها وليس بالضرورة عن الكومبس

Related Posts